الإمام الشيرازي الراحل .. اللغة بين وحي السماء وإبداع الإنسان




 

(اليوم العالمي للغة العربية)

 

موقع الإمام الشيرازي

28/ جمادى الآخرة/ 1447

 

 

تعتبر مسألة "نشأة اللغة" من أعقد المسائل التي واجهت الفكر الإنساني؛ فـ هل اللغة هبة إلهية نزلت كاملة (توقيف)، أم هي نتاج اتفاق بشري (اصطلاح)، أم أنها صدى لأصوات الطبيعة (محاكاة)؟ في خضم هذا الصراع الفكري الذي امتد من أفلاطون وأرسطو وصولاً إلى علماء الأصول المسلمين كالجاحظ والجرجاني، برزت رؤية المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) كأطروحة تجمع شتات هذه النظريات في بوثقة واحدة، معتبراً أن اللغة كائن حي لا يمكن حصره في سبب أحادي.

الهيكل الثلاثي لنشأة اللغة (المزيج التكاملي)

يرى الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتابه (الأصول ج1) أن القول بأن اللغة توقيفية محض أو اصطلاحية محض هو تجزيء للحقيقة. بالتالي، نظريته(قده) تقوم على "التكامل الوظيفي" بين ثلاثة أبعاد:

(1) البعد التوقيفي (التعليم اللدني)

يرى الإمام الشيرازي أن "الأساسات الأولى" للغة هي من وضع الله تعالى. والحجة الأصولية هنا هي "استحالة الدور"؛ فلو كانت اللغة اصطلاحية منذ اليوم الأول، لكان القوم بحاجة إلى لغة مسبقة ليتفقوا بها على المصطلحات الجديدة، وهذا مستحيل. لذا، كان لا بد من "وضع إلهي" (وحي أو إلهام فطري) يمنح الإنسان مفاتيح التواصل الأولى.

والمثال على ذلك هو القدرة على ربط الصوت بالمعنى الكلي، وتسمية الضروريات المعيشية التي بدأت مع آدم (عليه السلام).

(2) البعد الطبيعي (المحاكاة والمناسبة)

في البحث في نشأة اللغة، الإمام الشيرازي سلّط الضوء على الجانب الفطري والحسي، إذ يرى أن الإنسان الأول استلهم بعض ألفاظه من "أصوات الطبيعة".

والمثال هو كلمة "خرير" للماء، "حفيف" للأشجار، "مواء" للقطة. هنا يكون اللفظ مرآة للصوت الطبيعي، وهو ما يسميه الأصوليون "المناسبة الذاتية" بين اللفظ والمعنى في بداياتها الأولى.

(3) البعد الاصطلاحي (التطور الاجتماعي)

هذا هو الجانب المرن الذي ينمو مع نمو العقل البشري، فيرى(قده) أن الإنسان، بما منحه الله من سبحانه قدرة على "الوضع"، بدأ يبتكر مصطلحات للمفاهيم المجردة والمخترعات الحديثة.

والمثال هو مصطلح "الذرة" في الفيزياء، أو "التناص" في الأدب، أو "الكمبيوتر" في التقنية. هذه الألفاظ لم تنزل بالوحي ولم تحاكِ الطبيعة، بل هي "اصطلاح" بشري خالص.

فلسفة "الوضع" في كتاب الأصول

في "مباحث الألفاظ"، يفصل الإمام الشيرازي في كيفية حدوث هذا المزيج من خلال مفهومين جوهريين:

الوضع التعييني: وهو أن يقوم الواضع (سواء كان الله أو الإنسان) بتخصيص لفظ لمعنى محدد عمداً. كأن يضع العالم مصطلحاً طبياً جديداً.

الوضع التعيُّني: وهو "النشوء العفوي" للغة عبر كثرة الاستعمال. وهنا تتجلى عبقرية اللغة؛ فالناس قد يستخدمون لفظاً ما في معنى مجازي بكثرة حتى يصير حقيقة فيه (مثل كلمة "سيارة" التي كانت للقافلة وصارت للمركبة الآلية).

الأدلة القرآنية برؤية أصولية

يتوقف الإمام الشيرازي(قده) عند الآيات التي استدل بها الخصوم ليقدم قراءة تصالحية:

في قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)(البقرة: 31)؛ يرى(قده) أن التعليم هنا ليس مجرد تلقين قوالب، بل هو تعليم "الماهيات" والقدرة على "التسمية". فإن الله تعالى وهب آدم النظام اللغوي، وترك له ولذريته بناء المحتوى.  

وفي قوله تعالى (الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)(الرحمن: 1-4)؛ الاستدلال هنا بأن القرآن الكريم هو "الأصل" يشير إلى أن اللغة في رتبتها العليا (الوحي) سابقة لخلق الإنسان، مما يعزز الجانب التوقيفي للغة الشريفة.

التطبيقات العملية للنظرية (لماذا هي نظرية فاعلة؟)

لا يقف الإمام الشيرازي عند التنظير التاريخي، بل يطبق ذلك على فهم النصوص:

الحقائق الشرعية: يوضح(قده) كيف أن الإسلام "اصطلح" على معان جديدة لألفاظ قديمة (الصلاة، الحج، الإيمان). هذا الانتقال يثبت أن اللغة نظام متطور وليس جامداً.

السياق هو الحاكم: بما أن اللغة مزيج، فإن "السياق" (المحيط بالكلام) هو الذي يحدد هل نستخدم اللفظ بمعناه التوقيفي الأصلي، أم بمعناه الاصطلاحي العرفي، أم بمعناه الطبيعي المجازي.

وهكذا؛ فإن نظرية السيد محمد الحسيني الشيرازي في نشأة اللغة هي نظرية "البدء من حيث انتهى الآخرون". فهي: تحترم النص الديني (التوقيف)، وتحترم العقل البشري (الاصطلاح)، وتحترم الواقع التكويني (الطبيعة).

من خلال كتابه "الأصول"، يتضح أن اللغة عند الإمام الشيرازي (رحمه الله تعالى) ليست مجرد أداة للنطق، بل هي تجسيد لخلافة الإنسان في الأرض؛ بدأها الله سبحانه بالتعليم، وطورها الإنسان بالتفكير، واستلهمت مادتها من الكون. بالتالي، النظرية هي "مزيج" معجز يثبت أن الإنسان شريك في صياغة وعيه اللغوي تحت مظلة الهداية الإلهية.