
|
الإمام الشيرازي الراحل.. دور اللغة العربية في ترسيخ قيم الدين وتشكيل ثقافة المجتمع |
|
|
|
|
|
|
|
|
(اليوم العالمي للغة العربية)
موقع الإمام الشيرازي 26/ جمادى الآخرة/ 1447
الإمام الصادق (عليه السلام): "تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي يكَلِّمَ بِهِ خَلْقَهُ" (الخصال: 258)
تحتل الكلمة واللغة جانباً بارزاً في الشخصية الفكرية والمعرفية للمرجع الديني المجدد، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، إذ ينقل في مباحثه المعرفية والألسنية، "مسألة" القوالب الفكرية، التي تكون عادة وراء تشكيل الرأي المجتمعي، عبر توجيه تفسير المجتمع للحقائق وتأثيرها على معتقداته، حيث يعتاد استخدام هذه القوالب في بناء تصورات واستنتاجات. في السياق، يرى الإمام الشيرازي أن اللغة أداة التواصل ونقل المعلومات وتبادل الآراء والأفكار والتعامل بين البشر، وذلك في مسعى لتبيان دور اللغة، في تأسيس الفكر وتشكيل الثقافة وترسيخ أفكار وإزاحة غيرها. فإن اللغة في منظوره تقوم بدور فعال في تماسك المجتمع والجماعات، وبالتالي فهي من الأركان المهمة في التعبير عن الأفكار والمعتقدات، حيث جعل الإنسان من لغة التفاهم، الوسيلة للوصول بنفسه أو بجماعته أو بالعموم إلى حاجاته وحاجاتهم. ويعرض السيد المجدد دور اللغة في تشكيل الثقافة المجتمعية والرأي العام، بوصفه أمراً اكتسابياً، ويجري اكتسابه على ثلاث مراتب، في الأولى تحصيل المعلومات والآراء، بجمعها من مصادرها المتمثلة بجميع الدرجات الاجتماعية، التي تكون عينات مختلفة ومتباينة للرأي العام، والتخطيط في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الثالثة يحتاج تشكيل الرأي العام، إلى التطبيق والتنفيذ، لأنه لا يكفي التخطيط فقط وإنما ينبغي معرفة السبل المتاحة للتنفيذ. يقارب السيد المجدد هذه الجزئية البحثية، وفق منهج فقهي استدلالي معمّق، حول دور اللغة بتجسيداتها؛ الإيحاء والكلام واللمس والصورة، في تشكيل الرأي العام، خصوصاً الرأي العام للمجتمعات المسلمة، مستنداً إلى دور اللغة في الفقه والأصول، ومشيراً إلى اندفاع المسلمين من غير العرب، على تعلم اللغة العربية حباً بالإسلام، فجعلوها لغتهم الرئيسية أو الثانية بعد اللغة الأم، لأن القرآن الكريم جعل اللغة العربية لغة للمسلمين بصورة عامة، فضلاً عن تمسك العرب المسلمين بها كلغة رئيسة، رغم تزاحم الأقوام وتعاقبها على بلدانهم. وهكذا، بقت العربية لغة حية عبر الزمن، بفضل الإسلام والقرآن الكريم، وعليه كان لزاماً على مهندسي الرأي العام، أن يحسنوا استخدام اللغة، للوصول سريعاً إلى الهدف. اهتم السيد المجدد في آثاره الفكرية والمعرفية، بالتشجيع على نشر اللغة العربية والعناية بها، مبيناً أنها إحدى وسائل توحيد الأمة الإسلامية، وهذا لا يعني أن يترك غير العرب لغتهم ويتحدثوا بالعربية، بل يتعلموا العربية بالإضافة إلى لغتهم الأصلية التي هي للتفاهم في الإطار المحلي، أما اللغة العربية فهي للتفاهم في إطار الأمة الإسلامية، إذ يرى السيد المجدد أن منهج الإسلام يقوم على دعم اللغة العربية، وجعلها لغة التفاهم، فالصلاة وكتاب الله وسنة رسول الله كلها بالعربية، وهذا يعني إن الإسلام يريد من المسلم أن يتعلم العربية لتصبح لغة للتفاهم، مفصلاً(قده) توجهات هذه الدعوة، وفي كتاب سماحته، "المرجعية الإسلامية .. رؤى في الأساليب والأهداف". كما يستدل(قده) لدعم العربية، المستمد من منهج الاسلام، في موضع آخر من آثاره العلمية، معبراً عن ذلك "أن الاجتهاد بحاجة الى العلوم العربية، إذ لولا فهم اللغة لم يفهم معنى الكلمة، وكذلك الصرف حيث انه اذا اشتبه في المادة اشتبه في المعنى، والنحو فلولا فهم الإعراب، لم يفهم الفاعل عن المفعول، والبلاغة في نكاتها دخلية في فهم المعاني، كل ذلك بقدر الحاجة" (الأصول: ج2 - ص320). وقد بين(قده) هذه التفاصيل، خاصة في كتبه ومباحثه الأصولية. من هنا، يدعو الإمام الشيرازي الراحل الى تعلم اللغة العربية، للناطقين بها ولغير الناطقين على السواء، يقول(قده): "اللغة العربية هي لغة التفاهم في إطار الأمة الإسلامية، لذا كان من الضروري الاهتمام بهذه اللغة، بتشجيع أبناء الأمة الإسلامية على تعلمها، وفتح المدارس العديدة لتعلمها، ووضع مناهج مبسطة لتعلمها لغير الناطقين بها". عليه يلزم العلماء والفقهاء والدارسين، لتعلم العربية بقدر الحاجة، بصفتها "الطريقي والموضوعي"، في العلوم المصنفة كحدود للاستدلال اللفظي المعتمدة على فهم النصوص وتفسيرها لغوياً، بما يطلق عليه الاستدلال على الحكم الشرعي بالدليل اللفظي المرتبط بالنظام اللغوي العام للدلالة، وان العلاقة التي تقوم في الذهن بين تصور اللفظ وتصور المعنى، تحتاج الى تعلم اللغة العربية، لكي ينتقل ذهنه الى المعنى، عند سماع الكلمة العربية وتصورها. كما أن حجية الظهور العرفي اللغوي، كعنصر مشترك في عمليات الاستنباط، تلزم الرجوع الى العرف العام في فهم النصوص، لأنه حجة ومرجع في تعيين مدلول اللفظ، ومن خلال المدلولات النفسية، للألفاظ اللغوية التي يحسنها أهل العربية، ضمن دلالة اللفظ على المعنى، الذاتية أو المكتسبة. إن مبحث أهمية اللغة، المستمد من مباني منظومة الأحكام الشرعية، مع التباين في الغاية، يمكن إسقاطه أيضاً على آليات هندسة وتشكيل الرأي العام، لجهة تأثيره قي المضامين النصّية ومبانيها ودلالاتها في اللفظ والمعنى، في الصياغة اللغوية لخطاب مرجعيات القرار السياسي والإعلامي والاجتماعي، الذي يهدف التأثير باتجاهات ومدركات الرأي العام، وإعادة تشكيله. بموازاة ذلك، يؤكد السيد المجدد بدور اللغة من خلال الدور الإعلامي والمعرفي للكتاب، في نشر التوعية الثقافية بين الشعوب والمجتمعات، فالكتاب السياسي مثلاً، يختلف في تأثيره عن المقال الصحافي السياسي، الذي مهما كان متعمقاً، فإنه سوف ينسى بمجرد انقضاء عمره الزمني، بينما الكتاب يبقى، من ضمن المقتنيات والذاكرة. وإن أهمية الكتاب ودوره في الثقافة والمعرفة والإعلام، لا يقلل من أهمية الصحافة، مبيناً أهمية وضرورة التوجه إلى الصحافة، لأنها من أهم وسائل التبليغ والإرشاد والإعلام والنشر والإمتاع وتهيئة الرأي العام، وذلك مرتبط في جميع نواحي الحياة المجتمعية، لأنها تؤسس لعلاقات إنسانية في المجتمع، وتضمن رفع مستوى الوعي عند الناس، وهي أيضاً تمارس دوراً خطيراً مكملاً لدور السلطات الثلاث في الدولة، لذا لقبت بالسلطة الرابعة، وهي المرآة العاكسة للشعب. ولذلك يبين الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره)، إن بعض الكتّاب يجمع مقالاته في كتاب وينشره، ويبقي على آثاره، وهذا مستوحى من مقولة الإمام الصادق (عليه السلام): "احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها" (الكافي: ج1 – ص52)، وقد ألزم(قده) نفسه بهذا التوجه، إذ أفنى حياته، في التأليف والكتابة، وفي إيلاء الكلمة، مكانتها وأدوارها، فكان نتاجه وفيراً، بين تأليف الكتب والرسائل والبحوث والدراسات والمحاضرات والمقالات، مما أكد انسجام رؤاه ومبادئه، مع العمل والأداء؛ إيماناً منه بدور اللغة بترسيخ قيم الدين وبناء الإنسان.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|