
|
في الإسلام .. لا اتباع أعمى ولا طاعة مطلقة بل مراقبة واعية |
|
|
|
|
|
|
|
|
3/جمادى الأولى/1447
حين وجّه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) رسالة إلى أهل مصر عند تولية مالك الأشتر والياً حاكماً عليهم، لم يكتفِ بمدح هذا الرجل الذي عُرِف بالشجاعة والورع والإخلاص، بل وضع أمام الناس قاعدة ذهبية تصلح أن تكون أساساً لأي نظام سياسي عادل، حيث إن الطاعة مقيدة بالحق، وليست طاعة مطلقة. مما قاله الإمام أمير المؤمنين في تلك الرسالة: "أما بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكِلُ عن الأعداء ساعاتِ الروع، أشدُّ على الفجّار من حريقِ النار" (نهج البلاغة). وقال الإمام أيضاً: "فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق"، وهي كلمات تختزل فلسفة الحكم عند الإمام؛ وهي لا قداسة مطلقة لأي حاكم أو قائد أو مسؤول، ولا اتباع أعمى لأي أحد، بل مراقبة واعية قائمة على العقل والضمير. أولاً: قيمة الرقابة الشعبية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو الإمام المعصوم، لم يفرض على الناس أن يتبعوا واليه الجديد طاعة عمياء، بل أرسى مبدأً مغايراً وهو الناس شركاء في صناعة العدالة. هذه الرؤية العَلَويَّة تقف على الضد من فكرة الشعب (أو الطائفة أو الجماعة) المنقاد الذي لا يملك سوى السمع والطاعة. بالتالي، هذه الرؤية تفتح الباب أمام الشعب ليكون سلطة رقابية أخلاقية على الحكّام، حتى وإن كانوا من خيرة الرجال، وفي السياق تفتح الباب أمام الطائفة/الجماعة لتكون سلطة رقابية أخلاقية على القادة والعلماء حتى وإن كانوا من خيرة الرجال. ثانياً: خطورة السكوت عن الخطأ هذه الوصيّة العلوية تكشف ما يمكن أن يكون أخطر من الخطأ السياسي نفسه، وهو التواطؤ بالصمت. فإن السكوت بدافع الخوف أو العجز يمنح الشرعية للظلم، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والانحراف الفردي إلى سلوك عام متجذّر في المجتمع. هنا يتجلى البعد الإنساني في كلام الإمام، إذ يحَمِّل الناس مسؤولية أخلاقية في مواجهة الانحراف، وعدم الاحتماء خلف ذريعة الطاعة أو الجماعة. ثالثاً: الطاعة المقرونة بالحق لا بالشخص من اللافت أن الإمام أمير المؤمنين مدح مالك الأشتر بأوصاف عظيمة: "عبد من عباد الله"، "لا ينام أيام الخوف"، "سيف من سيوف الله". ومع ذلك لم يجعل هذه الأوصاف مبرراً لطاعة غير مشروطة، بل قيّدها بـ مطابقة الحق. هذه الفكرة ثورية بامتياز، فهي تعني أن شرعية أي قائد لا تقوم على تاريخه أو مكانته أو شجاعته، بل على التزامه الفعلي بالحق والعدل. رابعاً: الإنسان والعقل هذا النص العَلَوي يؤكد إيمان الإمام أمير المؤمنين العميق بالعقل كأداة للتمييز بين الصواب والخطأ. فإن الطاعة المطلقة تتناقض مع دور الإنسان العاقل المسؤول. وكأن الإمام يقول: "لا تتركوا عقولكم عند أبواب السلطة". وهذا يقود إلى بعد مبدئي مهم، وهو أن العدالة لا تبنى على النوايا وحدها، بل على الفعل الخاضع للرقابة والمعيار. خامساً: صلة مع الفكر الإنساني الحديث يتقاطع هذا الموقف مع ما قاله المفكر الأمريكي إريك هوفر: "الفكر الذي يأمر الناس بالصبر على الظلم دون رفضه، والقناعة بالفقر دون مكافحته، والرضا بالواقع دون محاولة تغييره، هو أفيون الشعوب". فالفكر الذي يطالب بالطاعة العمياء أو بالصبر السلبي على الظلم، ليس فكراً أخلاقياً، بل تبرير للظلم والاستبداد. وهكذا، فإن رسالة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أهل مصر تكشف جوهر مشروعه السياسي، وهو إقامة حكم عادل يقوم على المشاركة الواعية للشعب، ومحاسبة الحاكم والمسؤول، وربط الطاعة بالحق لا بالأشخاص. وهو درس يتجاوز حدود التاريخ والدين، ليغدو قاعدة إنسانية عالمية، تتجلى بـ: لا عدالة بلا رقابة، ولا طاعة بلا حق. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|