موقع الإمام الشيرازي .. (28) عاماً على التأسيس




 

 

موقع الإمام الشيرازي

18/ربيع الأول/1447هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(التوبة: 105)

 

 

قبل ثمانية وعشرين عاماً، في ذكرى مولد نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) ومولد حفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، انطلق "موقع الإمام الشيرازي /alshirazi.com " ليكون واحداً من أوائل المنابر الإلكترونية التي تحمل رسالة الفكر الإسلامي الأصيل إلى العالم.

واليوم، ونحن نحيي هذه المناسبة، نقف عند مسيرة حافلة بالعطاء المعرفي والإيماني والأخلاقي، حيث دأب الموقع على الجمع بين أصالة التراث ومواصلة النقد الموضوعي والبنّاء، وبين الانفتاح على القضايا العالمية والالتزام بصدق الكلمة. وهو امتداد طبيعي لنهج المرجع الديني المجدد آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، الذي دعا إلى الحرية والعدالة والسلام، وأسّس لفكر إصلاحي واسع يربط الدين بالكرامة الإنسانية، والإيمان بالتنمية، والمرجعية بخدمة الناس، في الوقت كرَّس اهتماماً بالغاً في قضايا الإصلاح الديني والسياسي والثقافي والمجتمعي.

لقد حرص الموقع منذ تأسيسه على تجاوز الدور التقليدي للمواقع الدينية، فكان منبراً فكرياً وثقافياً ناقداً، يتناول قضايا الحرية وحقوق الإنسان والاستشارية/الديمقراطية والحكم الرشيد، مؤكداً أن هذه القيم ليست غريبة عن الإسلام بل هي من صميم رسالته. فجاءت مقالاته وملفاته لتقف أمام الاستبداد والقمع والحرمان، ولتؤكد أن الدين الحق لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان وكرامته.

وإلى جانب ذلك، اضطلع الموقع بعرض أحدث الإصدارات الفكرية بالعربية والإنكليزية، في باب "إصدارات عالمية"، مسلطاً الضوء على أعمال بحثية وأكاديمية مهمة تُنشَر في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها، انسجاماً مع رؤية الإمام الشيرازي الراحل في الانفتاح على العالم، واعتبار البحث عن الحقيقة واجباً إنسانياً لا تحده جغرافيا أو هوية.

ومن منطلق قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصيته الخالدة: "لا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ قَالَ، وَانْظُرُوا إِلَى مَا قَالَ" (نهج البلاغة)، كان الموقع وما يزال وفياً لرسالة تحرير الحقيقة من سجن الأشخاص والانتماءات، مقدماً خطاباً يتجاوز العصبيات الضيقة إلى أفق عالمي رحب. فلم تكن دعوة الإمام الشيرازي محصورة في دائرة ضيقة، بل كانت رؤية تجمع بين الأصالة الإسلامية والانفتاح على الرأي الآخر، وتدعو الى التواصل مع الأمم والدول المتقدمة، ليس من منطلق التبعية، بل من أجل بناء جسور التعاون والتفاعل الحضاري.

يؤكد الإمام الشيرازي أن الإسلام الحقيقي هو دين الإنسانية، وأن الهدف الأسمى هو تحقيق دولة الإنسان التي تكون فيها الحكومة خادمة للشعب، لا سيدة عليه. لذلك، كان (قده) صاحب مواقف جليلة في مقارعة الظالمين ونصرة المظلومين، وقد لاقى ما لاقى بسبب تلك المواقف، حتى رحل الى ربه جلّ في علاه. وهكذا، فإنه وفقاً لرؤيته (قدس سره)، فإن المرجعية أُبُوَّة ومسؤولية، فكانت مرجعيته نموذجاً متوازناً يجمع بين العمق الشرعي والواقعية، حيث يرى أن المرجع الناجح هو مَن يستطيع أن يكون مدافعاً عن الدين دون أن ينفصل عن تحديات الإنسان وهموم العصر، وأن يكون قائداً روحياً دون أن يفقد مقدرته على قيادة التغيير الاجتماعي. وقد بيَّن - تنظيراً وتطبيقاً - أن المرجعية رسالة تُحمَلُ بالقلب قبل العقل، وهي جسر بين الأصالة والمعاصرة، وقوة نهضوية تعلي شأن الدين، وتدافع عن حقوق الناس، فـ "المرجع إنما يكرِّس حياته للخدمة والإرشاد" (المرجع والأمة – ص 23).

وبهذه المناسبة الطيبة، تؤكد أسرة تحرير الموقع سعيها الى مواصلة العمل على نشر الوعي الإيماني، والدفاع عن الحرية، والانحياز للإنسان حيثما كان، تأكيداً لما قاله الإمام الشيرازي (قده): "الحرية أساس البقاء ثم التقدم، والإنسان إذا لم يكن حراً لم يبق حياً فكيف يمكنه أن يتقدم، وإن من أسباب عزة الشعوب الحريات الشاملة لكل جوانب حياة الإنسان." وتماثلاً مع قول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "الروايات الصحيحة تدلّ على أن خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم بأي مقدار كانت لها عند الله تعالى من الفضل ما يعادل فضل أداء الصلاة، والطوف، والسعي، والدعاء وقراءة القرآن أو أكثر من ذلك. فقد ذكرت الأحاديث الكريمة أن أداء مناسك الحج مثلاً لها أجر عظيم، بل اعتبر النظر إلى الكعبة عبادة، لكن في الوقت نفسه جعل لخدمة الناس فضل أكبر من فضيلة العبادة. وهكذا، فإن كان تقديم الخدمة للناس مادياً فله أجر عظيم، ومن الجليّ أن خدمة الناس دينياً وعقائدياً سيكون أجرها أعظم وأفضل."

وما التوفيق إلا من عند الله العليم الحكيم

فريق "موقع الإمام الشيرازي"

11/ أيلول/2025