زيارة الأربعين: تصل الى الحسين بخطىً نحو الحسين وعلى خطى الحسين




 

 

موقع الإمام الشيرازي

18 / صفر / 1447هـ

 

 

مع انطلاق مواكب الملايين نحو كربلاء المقدسة في موسم زيارة الأربعين، يتحول العراق إلى واحة حضارية وإنسانية فريدة، يراقبها العالم بعدسات الصحفيين والباحثين والمفكرين، وينقله الإعلام كأحد أكبر التجمعات السلمية على وجه الأرض. وهكذا، فإن زيارة الأربعين العالمية ليست مجرد شعيرة دينية، بل فرصة تاريخية لإظهار الوجه الأصيل للمذهب والقيم الشيعية أمام العالم.

إن زيارة الأربعين اليوم ظاهرة إنسانية كبرى تستوجب مِنْ كل مشارك، بل الشيعة كافة، أن يكون رسولاً لقيمه، وأن يجسد رسالة حضارية سامية تقوم على:

التقوى ومراقبة النفس

التقوى هي البوصلة التي تهذب الإنسان وتسمو بأخلاقه، كما قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" (بحار الأنوار: ج 67 – ص 64). بالورع ومحاسبة النفس يتحول الشيعي أو الزائر إلى مصدر خير لنفسه وللناس.

طهارة القلب من الأحقاد

قال الإمام الحسين (عليه السلام): "إنّ شيعتنا من سلمت قلوبهم من كلّ غشّ وغِلّ ودَغَل" (بحار الأنوار: ج65 - ص156). قلب نقي يعني إيمان نقي، ويعني مؤمن/شيعي/زائر نقي، ويعني رسالة نقية تصل إلى الناس بلا شوائب.

الحرية واحترام الاختيار

يقول الإمام الحسين (عليه السلام): "إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم" (بحار الأنوار. ج45 – ص51). بالتالي، الحرية؛ هذه القيمة العظيمة، يجب أن تنعكس في سلوك الزائر أو الشيعي تجاه الآخرين. الآخرون في الزيارة أو المجتمع أو الوطن.

الدين والأخلاق وجهان لعملة واحدة

فإن مَنْ لا فضيلة له، لا دين له، وإنْ صلّى وصام وزكّى وحج، ومَنْ لا دين له، لا فضيلة له، وإنْ جاد وأعطى، وواسى ووفى، وإنما الأخلاق ليست زينة للدين، بل هي جوهره وروحه. يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "إن البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار" (بحار الأنوار. ج71 – ص395).

حسن القول وحسن التعامل

أوصى الإمام الصادق (عليه السلام): " مَعَاشِرَ اَلشِّيعَةِ، كُونُوا لَنَا زَيْنًا، وَلاَ تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْنًا، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وَاِحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَكُفُّوهَا عَنِ اَلْفُضُولِ، وَقُبْحِ اَلْقَوْلِ". فكل كلمة طيبة أو فعل حسن هو دعوة صامتة لمبادئ الإمام الشهيد وللإسلام.

الإصلاح ومواجهة الظلم

نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت من أجل الإصلاح: "إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدِّي" (بحار الأنوار. ج44 – ص329). وعلى الزائر الأربعيني؛ بل الشيعة كافة، أن يحمل هذا المعنى معه في حياته اليومية.

قبول التنوع وبناء الجسور

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "الناس صنفان، إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق". وهي قاعدة للتعايش ونبذ الانقسام، ويجنب المجتمع الانزلاق الى الفتن والعبث والخراب.

وحدة الأمة وتماسك المجتمع

الحفاظ على الجماعة مقدّم على المكاسب الشخصية، كما أكد أمير المؤمنين (عليه السلام)، "وَلَيْسَ رَجُلٌ ـ فَاعْلَمْ ـ أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّد وَأُلْفَتِهَا مِنِّي" (بحار الأنوار. ج67  - ص203). وهو مبدأ ديني وأخلاقي وإنساني نبيل يضمن قوة المجتمع أمام التحديات. فإن تجنب الصراعات والمهاترات، والابتعاد عن كل ما يفرق بين الناس أو يستفز فئة بدوافع طائفية أو عنصرية أو تسلطية، داخل المجتمع عمل صالح، وفيه نفع كريم للناس وللعامل به أجر عظيم.

الرحمة والعطاء بلا حدود

الرحمة لا تعرف الدين أو المذهب أو القومية أو اللغة أو الأصل أو البلد، بل تشمل الإنسان لكونه إنساناً، كما أوصى الأئمة (عليهم السلام) بالسعي في قضاء حوائج الناس دون تمييز، يقول الإمام الكاظم (عليه السلام): "إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة" (بحار الأنوار. ج74 – ص319).

وهكذا، فإن رسالة الأربعين تحيى في زيارة ضريح سيد الشهداء الإمام الحسين، وأن المشي إلى كربلاء إحياء استثنائي، لكن إحياء رسالة الأربعين لا تستكمل إلا بالمشي على خطى الإمام الشهيد، حيث تلتقي الحرية بالأخلاق، والإيمان بالعطاء، والروح بالعمل، ليخرج الزائر بعد الأربعين بقلب سليم، وسريرة نقية، ونية صادقة، وسفيراً لقضية إنسانية تتجاوز الحدود والطوائف.