زيارة الأربعين .. انطلاقة الى بناء المجتمع الحسيني المنشود




 

الإمام الصادق (عليه السلام): "ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه من زوّار الحسين، لما يرى مما يُصنَع بزوّار الحسين من كرامتهم على الله تعالى" (كامل الزيارات: ص131)

موقع الإمام الشيرازي

15/ صفر/ 1447هـ

 

 

"أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن ينتشل الأمة من الحضيض الذي أركست فيه، وذلك عندما رضيت بواقعها المتردّي، المتمثل بالخمول، والركون إلى الدنيا، والسكوت على الظلم، وتسلط الظالمين" – الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره)

 

في كل عام، ومع انطلاق الزيارة الأربعينية، تتحول مدينة كربلاء المقدسة إلى محطة إيمانية يُستَذكَر فيها قِيَم التضحية والعدالة التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) بواقعة استثنائية وملحمة بطولية خالدة. المسيرات المليونية في الزيارة الأربعينية ليست مجرد طقوس دينية، بل تعبير حي عن حاجة إنسانية عميقة إلى القيم التي ناضل من أجلها الإمام سيد الشهداء. لكن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه الطاقة العاطفية الهائلة إلى مشروع إصلاحي عملي يلامس واقع المجتمع والدولة.

تمثل نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعاً متكاملاً للإصلاح يبدأ من الفرد لينتهي بإصلاح المجتمع والدولة. لقد جاءت ثورته في كربلاء لتعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتؤسس لثقافة رفض الظلم بأشكاله كافة. يقول (عليه السلام): "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة" (بحار الأنوار: ج45 – ص83)، في إشارة إلى أن قيمة الإنسان تكمن في كرامته لا في حياته البيولوجية.

في المقابل، تواجه مجتمعات إسلامية اليوم مفارقة عجيبة، فهي تضم ملايين المحبين للإمام الحسين (عليه السلام) الذين يبذلون الغالي والنفيس للوصول إلى كربلاء، لكن مجتمعاتهم من أعلى معدلات الظلم والفساد والحرمان. هذه المفارقة تدفعنا إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الحب الحسيني والممارسة العملية، فإن حب الإمام الشهيد ليس انفعالاً عاطفياً فحسب، بل التزام ديني وأخلاقي وإصلاحي.

لتحقيق النقلة النوعية من الحب إلى الاقتداء، نحتاج إلى إعادة قراءة النهضة الحسينية بمنظور أكثر دقة وفي إطار معاصر، فإن المجتمع الحسيني الحقيقي هو الذي يقيم العدل في معاملاته اليومية، ويحارب الفساد في مؤسساته، ويقدم نموذجاً للإنسانية في أخلاقه. لقد أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يوقظ الأمة من سباتها، وأن يذكرها بأن الدين ليس طقوساً فارغة، بل نظام حياة متكامل.

تقدم لنا نهضة كربلاء دروساً عملية في كيفية مواجهة أنظمة الظلم والفاسدة، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكتف بالشجب والاستنكار، بل قدم نموذجاً عملياً للرفض والمواجهة. اليوم، نحتاج إلى استلهام هذه الروح في مواجهة أنظمة الفساد الحديثة التي تستخدم أساليب أكثر تعقيداً في الهيمنة وإفقاد الشعوب لإرادتها.

وهكذا، فإن التحدي الذي يواجه محبي الحسين (عليه السلام) اليوم هو كيفية تحويل هذه الطاقة الروحية والعاطفية إلى مشاريع تغييرية وإصلاحية وتنموية، وإلى ممارسات اقتصادية عادلة. بالتالي، ينبغي أن تكون زيارة الأربعين رحلة للتزود بالقيم، لا مجرد مناسبة للندب والاستذكار، فإن إحياء أمر الإمام الشهيد يعني إحياء الإسلام كله.