في ذكرى شهادة الإمام الحسن المجتبى .. غالباً ما يُطرَح سؤال!




 

لقد قام الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قد قام بأدائه الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) بقيامه المقدَّس والدامي

 

موقع الإمام الشيرازي

 

رواية مشهورة عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) حيث قال: "الحَسَن والحسين إمامان قاما أو قعدا" (عوالم العوالم: ج 16 ص96).

فإنه بالإضافة إلى كون الإمام حجة الله على أرضه، وكل عمل يقوم به هو بأمر الله تعالى وفي صالح الإسلام والمسلمين، فإن الإنسان يمكنه وبقليل من المطالعة والتحليل السياسي لذلك الزمان الذي عاشه الإمام الحسن (عليه السلام)، وبمعرفة الشرائط الاجتماعية والدينية والسياسية الحاكمة في مجتمع ذلك اليوم، أن يعرف صواب موقف الإمام الحسن (عليه السلام)، ودوره العظيم والذي كان حساساً جداً ومناسباً تماماً، فإنه (عليه السلام) قام بواجبه الشرعي بأفضل صورة من أجل الحفاظ على الإسلام والمجتمع الإسلامي.

وعليه فإذا طُرِحَ السؤال التالي:

هل إن الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) كان لهما هدفان مختلفان ونمطان متعاكسان من التفكير؟!

في الجواب نقول:

من دون تردد، إن الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا على هدف واحد، ولكن قاما بأسلوبين مختلفين كل بمقتضى شرائط زمانه وبحسب أمر الله عز وجل.

وربما يمكن القول بأن دور الإمام المجتبى (عليه السلام) كان حساساً وصعباً أكثر من دور سيد الشهداء (عليه السلام)، وذلك لأن الإمام الحسن (عليه السلام) كان عليه أن يهيئ الأرضية الصالحة للنهضة المباركة، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) قام بتلك النهضة الحقة، لأن النهضة الموفقة تحتاج أولاً إلى إعداد الأرضية والتخطيط المنظم والدقيق، حتى يمكن تنفيذها بنجاح، فإن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) مثلاً كان شجاعاً مجاهداً، لكنه في مكة المكرمة قد قام بتهيئة الأرضية المناسبة للأمة الإسلامية، فوضع الأسس في مكة وقام بمرحلة التنفيذ والتطبيق في المدينة.

ومن غير الممكن لأي نهضة أن تصل إلى النتائج من دون الإعداد السابق وتهيئة المقدمات وعلى سبيل المثال:

إذا قام شخص ببناء معهد تعليمي، ولكنه خالٍ من الطلاب، أو قام بجمع الطلاب، ولكن من دون بناء المعهد، فإن كلا العملين غير صحيح، ولكن إذا قام أولاً ببناء المعهد ثم جمع الطلاب فهذا يُعد عملاً متكاملاً ومفيداً.

لذلك، فإن النهضة الموفقة دائماً تحتاج إلى الإعداد السابق، وكان الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قد قام بهذا الدور المهم، فلو لم ينهض، ولم يقبل بالصلح بتلك الشروط المذكورة في التاريخ، أو بشكل عام، إذا لم يتخذ الإمام الحسن (عليه السلام) ذلك الموقف المناسب، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتمكن من القيام بنهضته المباركة، والدليل على هذا الكلام أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم ينهض فوراً عند تسلمه لمنصب الإمامة، بل صبر وتحمل بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) تسع سنوات حتى تتهيأ الأرضية الكاملة للقيام والنهوض.

ولذا، يُلاحَظ في طول التاريخ أن الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) كان قسم منهم قد أقدموا على الحرب والجهاد ضد الطواغيت، والقسم الآخر كان يتجنب الحرب ويسعى في إعداد المؤمنين، فلم كان هذا الاختلاف؟ إن النهضة الصحيحة كالبناء حيث الحاجة إلى مقدمات وأسس، بحيث إن لم يتوفر الحديد والإسمنت والأبواب والشبابيك وأخيراً العمال، فإنه من غير الممكن أن ترى بناءً قد قام وأخذ شكله، وهكذا يكون البناء الاجتماعي الصحيح.

لقد قام الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن (عليه السلام) بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قد قام بأدائه سيد الشهداء (عليه السلام) بقيامه المقدس والدامي.

لا يخفى، أن مسؤولية الإمام الحسن (عليه السلام) كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وتردد لابد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.

أما الإنسان الذي ينهض سواء انتصر أو انكسر، فإنه سيحصل على مدح وثناء الناس، وتميل إليه قلوبهم، بعكس الإنسان الأول الذي خطط وأعد واستعد فإنه عادة يبقى من دون مدح وثناء من قبل الناس، تماماً كالبذرة تحت التراب فإنها تتحرك وتتحرك إلى أن تظهر من تحت التراب وتنمو ويشتد عودها، وتخضر ثم تورق وتزهر وتعطي ثمارها، والناس لا يرون إلا الثمرة وربما نسوا فضل البذرة، أما قبل نموها فلا يظهر شيء منها، فإن البذر تحت التراب لا يظهر منه جمال ولا رائحة ولا لون ولا نضارة ولا طعم، مع أن كل هذه تترتب على حركة البذرة تحت التراب.

ومن هنا يُعرَفُ مدى أهمية مسؤولية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ودوره العظيم، فإنه كان يشكل القسم المهم من النهضة المباركة، وأن رسالته ورسالة أخيه الإمام الحسين (عليهما السلام) كانت واحدة ولكن تتشكل من قسمين، وهل هذا من أسباب ما ورد من أن الإمام الحسن (عليه السلام) هو أفضل وأعلى مرتبة من الإمام الحسين (عليه السلام)؛ كما صرح بذلك سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء حيث قال: "أخي خير مني" (الإرشاد، للشيخ المفيد: ج2 ص 94).

المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)

 

7 / صفر / 1447هـ