في حقبة مظلمة .. الإمام السجّاد كان باهراً بالعلم والنصيحة وزاهراً بالنبل والعطيّة




 

محبتنا للإمام تقتضي منا التورع عن محارم الله وتحثنا على العمل الصالح، وأن إظهار "المتدين" حبه للإمام ليس دليلاً قاطعاً على محبة اﻹمام له، أو أنه يوجب محبة اﻹمام. قال الإمام الصادق (عليه السلام): "ليس من شيعتنا مَنْ قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا مَن وافقنا بلسانه وقلبه، واتّبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أُولئك شيعتنا" (بحار الأنوار: ج65 – ص164)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

في كتابه "سير أعلام النبلاء"، كتب الذهبي في ترجمة الإمام السجاد (عليه السلام): "السيد الإمام، زين العابدين، وكان له جلالة عجيبة، وحق له ذلك، فقد كان أهلا للإمامة العظمى: لشرفه، وسؤدده، وعلمه، وتألهه، وكمال عقله" (ج4 - ص398)

 

رحل الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) الى ربه، في اليوم الخامس والعشرين من شهر شهر محرَّم الحرام للعام 95هـ، وقد بقي بعد واقعة كربلاء خمسة وثلاثين عاماً، ونقل الشيخ الكليني: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: "قُبض علي بن الحسين وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام خمس وتسعين" (الكافي: ج2 - ص519).

كان معروفاً بـ "السجّاد" وأيضاً "زين العابدين"، وكان مع والده سيد الشهداء (عليه السلام) في واقعة كربلاء، وهو صاحب (الصحيفة السجادية) المعروفة بـ(زبور آل محمد)، وتتضمن معارف إلهية وقيم إنسانية ومفاهيم تربوية. ما زالت الى اليوم محط اهتمام ودراسة وإعجاب علماء ومفكرين مسلمين وغير مسلمين.

يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "تتناول الصحيفة السجادية الجوانب العلمية والعملية في حياة الإنسان، وتبيّن كيفية سلوكه مع ربه، ومع نفسه، ومع الآخرين."

دأب الإمام زين العابدين (عليه السلام) على التصدق في السر، وذلك يعكس خلوص نيته لله سبحانه، في الوقت كان يحث الفقراء على تقديم الشكر والعرفان الى الله خير الرازقين وراحم المحرومين والمساكين. رُوي عن محمد بن إسحاق بالاسناد عن الثمالي، وعن الباقر (عليه السلام) إنه كان – الإمام زين العابدين (عليه السلام) – "يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به." قال أبو حمزة الثمالي وسفيان الثوري؛ كان زين العابدين (عليه السلام) يقول: "صدقة السر تطفئ غضب الرب" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي: ج46 - ص88).

يقول الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) مثالاً للتقوى والزهد والعبودية لله (عزّ وجلّ)، وكان من كثرة سجوده وعبادته أن لُقِبَ بالسجاد وزين العابدين. كما كان ملاذاً للضعفاء والمساكين، ونموذجاً في خدمة العباد، ومدرسة في الدعاء والمناجاة، ودليلاً في العفو والكرم، والزهد والعبادة، والترحم على الأيتام، وحب الناس، وقضاء حوائج المحتاجين. وكان قمة في مكارم الأخلاق مما اعترف بذلك الخاص والعام والعدو والصديق."

ويقول (قدس سره): "تقلَّد الإمام زين العابدين منصب الإمامة في زمن كان أكثر الشيعة في أقبية السجون أو قد استشهدوا، وكان الناس لا يملكون الجرأة على الاعتراض والانتقاد ضد ما يرونه من ظلم واستبداد ومخالفة الشرع المبين، مِنْ قِبَل بني أمية الذين استولوا على الحكم بالقهر والإرهاب، الذين مما كان في عهدهم أن الشخص الذي يتكلم بكلمة معترضاً على الظلمة والمعتدين، يُعَدُّ مخالفاً لله وخليفة رسوله! فيوضع تحت الملاحقة والسجن والتعذيب ثم تتم تصفيته."

ورغم تلك الحقبة الكالحة بالاستبداد والطغيان وإراقة الدماء ظلماً وعدواناً، مضى الإمام زين العابدين في إصلاح الأمة بالكلمة الطيبة والعمل الصالح، فكان آية باهرة في مكارم الأخلاق، وكان زاهراً بالعطاء والتسامح ومشرقاً بالعطف والنصيحة.

من مواعظ الإمام زين العابدين (عليه السلام): "كفانا الله وإيّاكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبّارين، أيّها المؤمنون لا يفتننّكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً، واحذروا ما حذّركم الله منها، وازهدوا فيما زهّدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدّها داراً وقراراً، وبالله إنّ لكم ممّا فيها عليها دليلاً من زينتها وتصريف أيامها وتغيير انقلابها ومثلاتها وتلاعبها بأهلها، إنّها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد النار أقواماً غداً، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه" (الكافي. الشيخ الكليني: ج8 - ص15).

وقال (عليه السلام): "أيها الناس اتقوا الله، واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً، وما عملَتْ من سوءٍ تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه. ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه، إن أجلك أسرع شي‏ءٍ إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يُدركك ... فخذ حذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار" (تحف العقول. ابن شعبة الحراني – ص249).

 

25 / محرَّم الحرام/ 1447هـ