
|
الوصيّة الأخيرة .. فهمٌ إنساني ونقدي |
|
|
|
|
|
|
|
|
محبة النبي الأعظم وأهل البيت لا تتحقق من خلال الاعتقاد بهم وامتلاء القلب بمحبتهم فحسب! فلابد أيضاً من الالتزام العملي بالدين الذي دعوا إليه، ومكارم الأخلاق التي حثوا عليها
موقع الإمام الشيرازي
في اللحظات الأخيرة من حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بعد أن أصابه ابن ملجم بالسيف غدراً، وهو على فراش الموت، ترك وصيةً تُعدُّ منارةً أخلاقيةً وإنسانيةً. هذه الوصية، الموجهة إلى ولديه، الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، لم تكن مجرد نصائح أبوية، بل برنامجاً حياً لإدارة المجتمع وفق قيم العدل والتقوى. أخلاق الحكم ومسؤولية المجتمع تبدأ الوصية بتأكيد قيمة التقوى كأساس للفرد والمجتمع: «أوصيكما بتقوى الله»، وهي دعوة لترسيخ مراقبة الله في كل فعل، مما يحد من الفساد والانحراف. ثم يربط الإمام بين التقوى ورفض التعلق بالدنيا، قائلاً: «ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما»، أي لا تطلبا الدنيا وإنْ طلبتكما، بالتالي جدير بالمؤمن ألا يستغرق بطلب الجاه والمال والمنصب على حساب القيم الإيمانية والمبادئ الإنسانية، ويمكن أيضاً أن الإمام (عليه السلام) يشير الى السلطة يجب أن تكون وسيلة لخدمة الناس، لا غايةً للجشع. العدالة الاجتماعية تُشكِّل محوراً آخر: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً»، وهي قاعدة تُلزم الحاكم بمحاربة الظلم بكافة أشكاله. كما يوصي الإمام بالاهتمام بالفئات الهشة: «الله الله في الأيتام! فلا تغبوا أفواههم»، مما يعكس رؤيةً تنمويةً تُعطي الأولوية للضعفاء. أما الوحدة المجتمعية، فيؤكد عليها بقوله: «نظم أمركم وصلاح ذات بينكم»، مقدماً إياها كأفضل من العبادات الفردية، وفق لحديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي يذكره: «صلاح ذات البَيْن أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام». وفي الجانب الأمني، يرفض العنف الانتقامي: «لا تمثّلوا بالرجل»، ليُرسي مبدأً أخلاقياً حتى مع الأعداء. بالتالي، الوصية تُلخص فلسفةً للحكم تقوم على ثلاثة أركان: * أخلاقيات السلطة (التقوى، العدل). * العدالة الاجتماعية (رعاية الضعفاء، الأمر بالمعروف). * الحفاظ على النسيج المجتمعي (الوحدة، الحوار). الوصية وواقعنا اليوم تشهد معظم الدول الإسلامية أزمات مُزمنة في الفساد السياسي والمالي، حيث تُختزل السلطة في خدمة النخب، بينما يعاني المواطنون من انهيار الخدمات الصحية والتعليمية. وهنا تبرز وصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كدافع لنقد هذا الواقع: * الفساد وغياب التقوى: حين يصبح الوصول إلى السلطة غايةً لتراكم الثروات، كما في قوله: «ولا تبغيا الدنيا»، يصبح الفساد نظاماً مُؤسساً. * غياب العدالة: تُذكِّرنا كلمة «كونا للظالم خصماً» بواقع الأنظمة القمعية التي تُسكت الأصوات المعارضة، وتُهمش مطالب الشعوب. * إهمال الضعفاء: يُقاس تقدم الأمم برعاية الأيتام والفقراء، لكن الواقع يُظهر تفشي البطالة وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية، خلافاً لتوجيهات الوصية. * التفرقة المجتمعية: يُحذّر الإمام من «التدابر والتقاطع»، بينما تعاني مجتمعاتنا من انقسامات طائفية وسياسية تفتت الوحدة. هكذا؛ واستجابة فاعلة لمتطلبات واقعنا المأزوم ينبغي: * إعادة بناء أنظمة الحكم على أساس النزاهة والشفافية ومحاسبة الفاسدين. * تفعيل مؤسسات المجتمع المدني لدعم المظلومين ومراقبة السلطة. * تبني سياسات تعليمية وصحية تُحوِّل شعارات العدالة إلى واقع ملموس. كيف نقرأ الوصية؟ هذه الوصية العلوية تؤكد أن الرسالة العامة أو المنهج العام للإمام أمير المؤمنين يتجاوز الحدود الدينية إلى الإنسانية الكونية. بالتالي، فإن الفهم السليم/العملي لهذه الوصيّة العلويّة، والتفاعل المطلوب مع مضامينها يتحقق من خلال: * القراءة السياقية: فهم الظروف التاريخية التي قيلت فيها، دون إسقاطها حرفياً على الواقع. * الاستنباط القيمي: استخلاص المبادئ الكلية كـ (العدل، والحرية، والرحمة، والنزاهة) وتطبيقها على قضايا العصر، مثل حقوق الإنسان، والعدالة، والحكم الرشيد. * الحوار مع الآخر: كما في مقولة الإمام، يجب أن تُستخدم هذه النصوص لبناء جسور مع الآخر في المجتمع، وكذلك الحوار مع الأديان والثقافات والحضارات الأخرى، بدلاً من تحويلها إلى ثقافة كراهية وإقصاء ومقاطعة وأدوات صراع ومواجهة. وهكذا، فإن وصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليست نصاً تاريخياً أو بلاغياً فحسب، بل منهجٌ حيٌ لمجتمعات تبحث عن خلاصها من الأزمات، وإن تحويل هذه الوصية إلى سياسات عملية يتطلب إرادةً سياسيةً ومجتمعيةً تُعيد الأولوية إلى القيم بدلاً من المصالح الضيقة. وكما قال الإمام في وصيته الأخيرة: «لا تتركوا الأمر بالمعروف... ثم تدعون فلا يُستجاب لكم» – فالسكوت عن الفساد يُضيع الحقوق، ويُغري الطغاة والفاسدين بالاستمرار. * عديدة المصادر الحديثية والتاريخية التي ذكرت هذه الوصيّة، مع بعض الاختلافات بين مصدر وآخر، مع ذلك، فإن أهم المصادر هي: (1) الكافي للشيخ الكليني (فروع الكافي ج 7 / ص 52-53). (2) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ج 4 / ص 140-142). 20 / شهر رمضان المبارك / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|