أمير المؤمنين .. المساواة منهج حياة




"أترضون أن يُقال: علي بن أبي طالب يعطي أقرباءه وأنصاره ويظلم الناس؟! والله ما فعلت ولا أفعل"

 

موقع الإمام الشيرازي

 

يُعدّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) رمزًا بارزًا للمساواة والعدالة في التاريخ الإسلامي بل والتاريخ الإنساني، حيث تجلّت هذه القيم في أقواله وأفعاله وسياسته خلال خلافته (35- 40هـ / 656-661م). الإمام يرى أن المساواة منهج حياة يقوم على احترام الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو وضعه الاجتماعي، وهو ما عكسته مواقفه وإدارته للدولة الإسلامية التي امتدت أطرافها من الحجاز إلى العراق وما وراءهما.

في فكر الإمام، المساواة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعدل، فهو القائل: "الناس كالشجر، شرابه واحد وثمره مختلف" (غرر الحكم: 1882)، وقال: "الناس إلى آدم شرع سواء" (بحار الأنوار. ج 1 – ص 82)، أي سواء في النسب وكلهم ولد آدم. وهي مقولة تختصر رؤيته للمجتمع الذي لا يميز بين غني وفقير أو قوي وضعيف. وقد تجسّد هذا المبدأ في تعامله مع الناس، سواء في حياته الشخصية أو في قيادته للأمة. فعلى سبيل المثال، عندما تولّى الخلافة، رفض أن يأخذ من بيت المال أكثر مما يأخذه أفقر الناس، بل عاش حياة زاهدة تتساوى مع حياة عامة الشعب، مؤكدًا أن القائد لا يعلو على رعيته أو على حساب رعيته.

من أبرز مظاهر تمسك الإمام بالمساواة، سياسته في توزيع بيت المال. فقد أصرّ على توزيع الأموال بالتساوي بين المسلمين دون تفضيل قبيلة أو أسرة أو طبقة، وهو ما أثار استياء بعض النخب التي اعتادت على الامتيازات في عهود سابقة. كما عُرف عنه أنه كان يرعى الفقراء واليتامى بنفسه، ويحرص على القضاء على الفقر في دولته، حتى قيل إنه لم يكن هناك فقير في عهده، وفق ما أجمع عليه المؤرخون، وهذا يعكس مدى اهتمامه بتحقيق العدالة الاجتماعية.

لم تقتصر رؤية الإمام (عليه السلام) للمساواة على المسلمين فقط، بل امتدت لتشمل أهل الذمة (غير المسلمين الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية). ففي إحدى الروايات، عندما رأى شيخًا مسيحيًا يتسوّل، قال: "استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال" (وسائل الشيعة. ج 15 - ص 66)، ثم أمر بصرف راتب له من بيت المال، مؤكدًا أن الدولة مسؤولة عن كل فرد فيها بغض النظر عن دينه.

في خطبه وكلماته، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يُظهِر بوضوح التأكيد على المساواة كأساس للحكم الرشيد. فقد دعا إلى احترام الحقوق، ورفض الظلم، وحذّر من الانحراف عن العدل الذي يضمن تماسك المجتمع. وهكذا، كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مثالًا حيًا للقائد الذي يجمع بين الحكمة والنزاهة والمساواة، تاركًا إرثًا فكريًا وعمليًا يُلهم الأجيال حتى اليوم.

25 / شهر رمضان المبارك / 1446هـ