
|
المقولة العَلويّة .. فهمٌ إنسانيّ نحو عالم يسوده العدل والسلام |
|
|
|
|
|
|
|
|
مبدأ الإمام علي أبي طالب ملهم لبناء مجتمعات تسودهاَ المساواة والتسامح، ويمكن أن يُعيد بناء جسور الثقة بين الشعوب، ويسهم في خلق عالم يسوده العدل والسلام
موقع الإمام الشيرازي
المقولة الشهيرة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) "الناس صِنْفَانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ" جاءت في سياق عهده (عليه السَّلام) لمالك الأشتر عندما ولَّاه مِصرًا، حيث قال في إحدى فقرات العهد: "وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ." تُعدّ هذه المقولة العلوية الشهيرة واحدة من أعمق التعبيرات عن المساواة الإنسانية في التاريخ. تحمل هذه المقولة أبعادًا فلسفية وأخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الزمان والمكان. (1) المعنى الحرفي والسياق المقولة تقسم الناس إلى صنفين أساسيين من منظور إنساني شامل: أخ لك في الدين: يشير إلى الرابطة الدينية التي تجمع الأفراد على أساس المعتقد المشترك. هذا الصنف يعكس الوحدة الإيمانية/ المعنوية التي تربط أبناء الديانة الواحدة، حيث يشعرون بالأخوة والإنتماء. نظير لك في الخلق: يشير إلى الرابطة الإنسانية العامة التي تجمع بين البشر بغض النظر عن دينهم أو معتقداتهم. كلمة "نظير" تعني المساواة في الجوهر الإنساني، أي أن كل إنسان يشترك مع الآخر في كونه مخلوقًا، له حقوق وكرامة. السياق التاريخي للمقولة يُظهر أن الإمام أمير المؤمنين كان يتحدث من منطلق قيادته مجتمع متنوع في الكوفة، حيث كان المسلمون يتعايشون مع أتباع ديانات أخرى. هذه المقولة جاءت لتؤسس مبدأ التعايش والمساواة ثم التواصل والتفاهم، بعيدًا عن التعصب أو التمييز. (2) الأبعاد الفلسفية والأخلاقية أولاً: المساواة الإنسانية المقولة العلوية تضع أساسًا فلسفيًا للمساواة بين البشر، حيث لا يتم الحكم على الإنسان بناءً على دينه أو عرقه أو لونه، بل بناءً على إنسانيته. "نظير لك في الخلق" تعني أن الإنسانية هي القاسم المشترك الأعظم، وهو ما يجعل الجميع متساوين في الحقوق والكرامة. ثانيًا: التسامح والتعايش المقولة العلوية تدعو إلى التسامح والتعايش السلمي، حيث لا يُشترط الاتفاق في الدين ليكون هناك احترام متبادل. هذا المبدأ كان ثوريًا في زمن كثرت فيه الصراعات الدينية والقبلية، ولا يزال ذا أهمية في عالم اليوم المليء بالتعصب والتطرف والتشدد الذي يلامس أحياناً الإرهاب. ثالثًا: التوازن بين الدين والإنسانية الإمام علي بن أبي طالب لا ينفي أهمية الدين كرابط أخوي، لكنه يضيف بعداً إنسانيًا أوسع، مما يحقق توازنًا بين الالتزام الديني والانفتاح على الآخر. هذا التوازن يعكس عمق فكر الإمام ورؤيته الدينية والإنسانية الشاملة. (3) ربط المقولة بالواقع المعاصر في عالم اليوم، حيث تتزايد الصراعات الدينية والعرقية، وتنتشر خطابات الكراهية، تأتي هذه المقولة كمنارة للإنسانية. لكن واقعنا المعاصر يظهر تناقضات مع هذا المبدأ: التعصب والتمييز: في كثير من المجتمعات، يُحكم على الناس بناءً على معتقداتهم أو أعراقهم، بدلاً من النظر إليهم كـ "نظير في الخلق". هذا يتناقض مع دعوة الإمام للمساواة. غياب التسامح: الحروب الطائفية والدينية في العالم الإسلامي وخارجه تُظهر افتقارًا للتسامح الذي دعا إليه الإمام. لو تم تطبيق هذه المقولة، لكان هناك تعايش أكبر، ولتجنبنا الكثير من المشاكل والصراعات والحروب. الحاجة إلى إحياء المبدأ: المقولة العلوية تدعو إلى بناء جسور بين الشعوب، سواء داخل الأمة الإسلامية أو مع الآخرين. يمكن أن تُلهم هذه الكلمات سياسات دولية ومحلية تركز على الحوار والعدالة. (4) استنتاجات ودلالات المقولة تُظهر رؤية الإمام أمير المؤمنين كقائد إنساني يتجاوز الحدود الضيقة للدين والمذهب. إنها دعوة للاعتراف بالإنسانية المشتركة كأساس للتعامل بين البشر، مع الحفاظ على الروابط الدينية كعامل وحدة لا تفرقة. هذا المبدأ لا يزال صالحًا لمعالجة قضايا العصر، مثل التعصب، التمييز، والصراعات. دلالة عالمية: اختيار الأمم المتحدة لهذه المقولة يؤكد أنها ليست حكرًا على المسلمين، بل هي مبدأ عالمي يمكن أن يُلهم العالم أجمع لبناء مجتمعات تسودها المساواة والتسامح. الدرس العملي: المقولة العلوية تحثنا على النظر إلى الآخر بعين الاحترام، سواء اتفقنا معه دينيًا أم لا. هي دعوة للتعامل مع الجميع على أساس القيم الإنسانية المشتركة، مما يجعلها درسًا حيًا لكل زمان ومكان. مقولة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "الناسُ صِنْفَانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ" تُعدّ جوهرة فكرية تُبرز عبقرية الإمام في الجمع بين الدين والإنسانية. تحليلها يكشف عن دعوة صريحة للمساواة والتسامح والتعايش، وهي قيم نحن بأمس الحاجة إليها اليوم. إن تطبيق هذا المبدأ يمكن أن يُعيد بناء جسور الثقة بين الشعوب، ويُسهم في خلق عالم يسوده العدل والسلام.
------------------------------ المقولة العلوية مذكورة في: 1. نهج البلاغة. خطب الإمام - ج 3 - الصفحة 84. 2. بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 74 - الصفحة 241. 22 / شهر رمضان المبارك / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|