
|
الوصيّة الأخيرة .. قراءة عملية برؤية إصلاحية |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي
وصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ بعد ضربه من ابن ملجم، تُعدّ وثيقة تاريخية تحمل دروسًا إيمانية وإنسانية عميقة. الوصية تبدأ بدعوة لتقوى الله: "أوصيكما بتقوى الله وألّا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما". هذا يعكس أولوية الإمام في وضع القيم الإيمانية والمعنوية فوق المادية، محذرًا من الانشغال بالدنيا على حساب الآخرة. كما يدعو إلى العدالة بقوله: "كونا للظّالم خصماً وللمظلوم عوناً"، مؤكدًا ضرورة مقاومة الظلم ودعم الضعفاء، وهو مبدأ جوهري في قيادته. الإمام يدعو أيضًا إلى التكافل الاجتماعي من خلال الاهتمام بالأيتام والجيران، ويحذر من التفرقة: "إيّاكم والتّدابر والتّقاطع". كما يشدد على "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، محذرًا من أن إهماله سيؤدي إلى سيطرة "الشرار". وفي موقف يعكس تسامحه، يطالب بعدم التمثيل بابن ملجم، بل الاقتصاص العادل: "اضربوه ضربةً بضربة". بالتالي، الوصيّة دستور أخلاقي يركز على التقوى، العدالة، التكافل، ونبذ الظلم، حتى في أحلك اللحظات. الوصية والواقع المعاصر دول المسلمين عموماً اليوم تعاني من الفساد السياسي والمالي والإداري، وأزمات في الصحة والتعليم، وغياب العدل، وقمع الحريات، وضمور الاستقرار. هذه التحديات تتناقض مع وصية الإمام أمير المؤمنين في القضايا التالية: مواجهة الظلم: قوله "كونا للظّالم خصماً" يناقض واقعًا يسوده قمع المظلومين وسلب حقوقهم، وتزايد أعداد الفقراء والمحرومين. وهكذا، فإن تطبيق هذا المبدأ يتطلب مقاومة الفساد ودعم الفقراء والمضطهدين. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تحذيره من سيطرة الأشرار "شراركم" تحقق في دول يحكمها فاسدون بسبب غياب هذا الواجب. هذا يدعو إلى نشاط حقوقي ومدني وثقافي يطالب بالإصلاح. التكافل الاجتماعي: دعوته (عليه السلام) للاهتمام بـ "الأيتام" لا ينسجم مع واقع تفاقم به وضع الأيتام بسبب تزايد أعدادهم بسبب الحروب الطائشة، والصراعات العبثية، وسوء الخدمات الحياتية. بالموازاة، الوصية حثت على الاهتمام بـ "الجيران" في واقع يتسع فيه الفارق بين الأغنياء والفقراء، مما يستدعي سياسات تدعم الضعفاء، في الوقت تتأكد الحاجة الى بذل الجهد في تعليم مكارم الأخلاق في المجتمع وترسيخها. وهكذا، فإن الوصية تُظهر أن الحل يكمن في العودة إلى العدالة، والتكافل، والمسؤولية الاجتماعية لمواجهة الفساد والظلم، وتنمية الثقافة الأخلاقية. كيف نقرأ الوصية؟ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، صاحب هذه الوصيّة، يقدم نموذجًا إنسانيًا عالميًا، وهكذا فإن قراءة وصاياه تتطلب: التأمل والتطبيق: لا يكفي ترديد الوصيّة، بل يجب استخلاص دروس تناسب عصرنا، مثل ترجمة دعوة الإمام الى دعم العدالة إلى سياسات شفافة وعملية وشاملة. الربط بالواقع: وصايا أمير المؤمنين موجَّهَة للجميع، ليس فقط للناس، إنما أيضاً الوصيّة موجّهَة الى الحكّام والى أصحاب الجاه والتأثير من رجال دين وحوزات ومثقفين ومفكرين وإعلاميين. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي." قيل: يا رسول الله! ومن هما؟ قال: "الفقهاء والأمراء" (الخصال: 37 / 12). وفي رواية عن أحد من أجلاء أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وهو الحارث بن المغيرة قال: "لقيني أبو عبد الله (الصادق) في طريق المدينة، فقال: "من ذا، حارث؟" قلت: نعم، قال: "لأحَمِلَن ذنوب سفهائكم على علمائكم" (الكافي. الكليني، ج 8 – ص 162). وإن تحذير أمير المؤمنين من سيطرة الشرار يدعو للتفكير بالإصلاح، والمطالبة بالإصلاح، والعمل على الإصلاح. التوجه الإنساني: يجب ربط الوصية بالقيم العالمية، كما فعلت الهيئات والمنظمات والمؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، لأن العدالة والرحمة أسس لأي مجتمع مستقر. إن وصيّة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خريطة طريق للإصلاح في زمن الفساد والظلم. تحليلها يُظهر أهمية التقوى والعدالة، وربطها بالواقع يدعو لمقاومة الفساد ودعم المظلومين، وقراءتها تتطلب التطبيق العملي. لنأخذ من هذا الوصيّة الخالدة درسًا لبناء مجتمع عادل ومستقر. ---------------------------- * عديدة المصادر الحديثية والتاريخية التي ذكرت هذه الوصيّة، مع بعض الاختلافات بين مصدر وآخر، مع ذلك، فإن أهم المصادر هي: (1) الكافي للشيخ الكليني (فروع الكافي ج 7 / ص 52-53). (2) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ج 4 / ص 140-142). 21 / شهر رمضان المبارك / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|