
|
تزامناً مع الزيارة الشعبانية .. الواقع الشيعي بين الأزمة والمراجعة |
|
|
|
|
|
|
|
|
"نحن وإنْ كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم"
موقع الإمام الشيرازي
ملخص: في خضم مآلات ما حدث؛ خلال العقدين الماضيين على الأقل، تتأكد أكثر اليوم الحاجة الى الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية: هل الشيعة اليوم في أزمة أم نكبة؟ ما مدى ضرورة تعريف جديد للهوية الشيعية؟ هل الشيعة بحاجة الى مراجعة شاملة لإنجاز تجديد يمتثل لمسؤولية حفظ الدين، ويستجيب لحاجات المجتمع، ويتفاعل مع هموم الناس وتطلعاتهم.
------------------------------ مع حلول شهر شعبان المُعّظَّم من كل عام، يتجدد الأمل بظهور المُنتَظَر لإنقاذ البشرية من شرور الظالمين والمستبدين والفاسدين، والذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. ومع تجدد الأمل بالخلاص ببركة "ذخيرة الأنبياء" المولود في النصف من شعبان، يتوهج في نفوس المؤمنين والمؤمنات الشوق لعهد حفيد سيد المرسلين والقائم من ولده، الذي سيقيم الناس على ملة جده النبي وشريعته، وهو "الجواد بالمال والرحيم بالمساكين". كما تتقد الأماني بدولة "الحادي عشر" من ولد إمام الموحدين وسيد العادلين علي بن أبي طالب، الدولة التي يعم فيها السلام والأمان والرخاء حتى أن المرأة تمشي بين العراق إلى الشام "لا تضع قدميها إلا على النبات، وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه" (بحار الأنوار: ج 52 / ص 384). واليوم، يطلَّ شهر شعبان والعالم يعيش اضطراباً بسبب تحديات دولية تتحرك بسرعة تبدو أكبر من قدرة كثير من الدول والشعوب على حلها أو حتى مواجهتها، وهذا الاضطراب المتسارع والمتفاقم ينعكس بشدة على الواقع من خلال انقسامات جيوسياسية خرجت عن السيطرة، وصراعات مسلحة ودامية، وافتقاد للسلام المجتمعي والدولي، وشيوع الفساد الحكومي، وتصاعد ضغط الديون، وتحجيم الحريات، وتقويض حقوق الإنسان، واضطهاد الأقليات، وقمع المعارضة، وتهديد الإعلام الحر، وانتشار عدم المساواة، وتفاقم الفقر والجوع والبطالة. كل ذلك، بموازاة تطور هائل بتقنيات جديدة دون توجيه أو تحكّم قد يغير شكل الحياة بالكامل، كما توقع خبراء أمميون. بالموازاة، تبدو المنظمات والهيئات والمؤسسات الدولية غير مؤهلة لمعالجة هذه التحديات الوجودية، حيث إنها أُسِسَتْ في عصر مضى له ظروفه الخاصة، بينما اليوم برزت ظروف جديدة تصطحب تحديات كبيرة ومتغيرة، وربما غير واضحة المعالم والغايات، لدرجة أن البشرية (دول وشعوب) اليوم "لا يمكنها أن تعرف على وجه التحديد ما يحمله المستقبل" بحسب القمة الأممية عن المستقبل التي عُقِدَتْ استقبالاً للعام الميلادي الجديد. في السياق، يعيش عموم الشيعة اليوم وضعاً مأزوماً؛ وتظهر الأزمة الشيعية هذه في مجال الحكم والحريات والحقوق والحياة، وأيضاً في مجال الإيمان والقيم والأخلاق. في الوقت، أن الأزمة الشيعية قد تجاوزت "الشيعية السياسية" أو ما بات يُعرَف مؤخراً بـ "الحاكمية الشيعية." فقد تسللت الأزمة الى أفكار وطبائع وسلوكيات عموم المجتمعات الشيعية، حتى انزوت القيم الدينية الأساسية عن "المتدينين"، وإذا ما وُجِدَتْ فتكون غالباً رسماً أو شكلاً. بل، الأزمة الشيعية تفاقمت لدرجة أن العراق، على سبيل المثال، ما زال يتصدر - ومنذ عقدين - دول العالم بالفساد المالي والإداري والقانوني والتعليمي الى جانب تردي الواقع الصحي والخدمي والحياتي. وغير ذلك، يشهد العراق انتشاراً لتجارة وتعاطي المخدرات، وتزايداً في حالات الانتحار، وتفشي الطلاق، وتفاقم الفقر والبطالة والأميّة، إضافة الى تصدر العراق بعدد طرق الموت التي تقتل آلاف العراقيين سنوياً، فقد عدّت وزارة التخطيط العراقية حوادث المرور "خطورة كبيرة" تضاهي عمليات الإرهاب، كما يتصدر العراق بعدد المدارس التي يحتاجها اليوم حيث يعاني قطاع التعليم من نقص بعدد المدارس يصل الى عشرة آلاف مدرسة، بحسب لجنة التربية البرلمانية العراقية. يوازي ذلك، عدم وضوح شكل العلاقة بين الشيعي (السياسي والمواطن) والدولة، وإن كانت هذه العلاقة الهجينة/المأزومة بين الشيعي والدولة لا تنحصر بالعراق، إنما تظهر واضحة في لبنان أيضاً وغير لبنان، لكن ما حدث ويحدث في العراق شكَّل واقعاً فارقاً يثير الاستغراب أو الاستهجان، وأطلق أسئلة كبيرة تدور في إطار الدولة والمجتمع والمواطنة وأيضاً في مجال الفقه، وهذه الأسئلة تتحرك في وجدان الشيعي نفسه، كما أنها في مدار بحث وتفكير غير الشيعة. والإشارة الى العراق هنا، باعتباره أنه بلد أهل البيت، والحوزات العلمية، وأن غالبيته شيعية، إضافة الى أن أصحاب الحكم والسلطة إسلاميون شيعة أو إسلامويون شيعة، ويزعمون أنهم يمتثلون لتوجيهات المرجعية الدينية، بل يعلنون أنهم حماة الإيمان والمذهب، كما أن العراق يُعَد من البلدان التي أنعم الله عليها بثروات كبيرة ومتنوعة. لكن بالرغم من كل ذلك، ما زال العراقيون يعانون من أزمات تفاقم أثرها واشتد وجعها وطال امدها، فيما ليس في الأفق ضوء يدل على إصلاح أو تغيير. بالتالي، الشيعة في العراق وغير العراق في وضع مكلوم بتداعيات حاضرة ومفخخ بمخاطر مستقبلية. فإن الشيعة عموماً تعيش اليوم أزمة داخلية - وذاتية - وهنا تكمن الخطورة ويكمن التحدي، وهذا الوضع أكثر ما يحتاج الى القدرة على النقد والمراجعة، وأيضاً يحتاج الى الشجاعة في الإجابة عن الأسئلة المتراكمة بلا أجوبة، وصولاً الى إنجاز التغيير والإصلاح. وهكذا، فإن العالم اليوم في خضم أحداث وتحديات منفتحة على تغيرات غير عادية، بموازاة واقع شيعي غير مستقر وقابل لتغيرات غير عادية بحكم شعور المجتمعات الشيعية بالخيبة إزاء استمرار الفشل وتفاقم الحال وافتقاد الأمل وانتظار الأصعب والأسوأ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، شعور المجتمعات الشيعية بالحيرة والقلق بسبب جمود ورتابة الحالة الدينية إثر عدم مواكبة المعارف الدينية لحاجات المجتمعات الشيعية والتطورات والتحديات العالمية، بالتالي هناك حاجة ماسّة لتجاوز حالة الفشل والجمود والحيرة التي ضربت الواقع الشيعي، وذلك من خلال تجديد فكري ومعرفي وفقهي يواكب تحديات الحاضر ويتفاعل مع هموم المجتمع، ويستظهر الكنوز المعرفية والأخلاقية للإسلام. وكل ذلك ينبغي أن يكون حاضراً لدى المحتفين بالذكرى المباركة للمولود في النصف من شعبان؛ الإمام المخلِّص والأمل الموعود، عسى أن تحمل الأيام القادمة نسائم إصلاح وتغيير وتجديد وصولاً الى واقع واعد وحياة كريمة. (وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة 105). 14 / شعبان المُعَظَّم / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|