وقفة: كرامة المشهد الكاظمي ومكانته عند المسلمين




كرامات موسى بن جعفر ظاهرة ومناقبه باهرة، وهو المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجاته، وما مهموم قصد قبره فتوسل به إلّا وسهّل الله تعالى له ما أحب

 

موقع الإمام الشيرازي

 

لم يكن تلقيبه بباب الحوائج الى الله مصادفة، أو من باب الإطراء والتعزير، وإنما هي صفة قد أجمع عليها جمهور علماء المسلمين وفقهائهم ومؤرخيهم، في مقاربة شخصيته، التي قلّ ما يجود بشاكلتها التاريخ، حتى عدّت صفحة خالدة، في سفر التاريخ العربي الإسلامي، وقد لازمته هذه الصفة، في نشأته وسيرته وحياته، وفي الرسالة التي حملها، وإنجازاته العلمية، وأدواره المجتمعية، وحتى بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى، إذ تشرفت حاضرة المسلمين بغداد، باحتضان جسده الطاهر، ليكون على مر العصور، ترياقا لأهلها، كما عبر عنه إمام الشافعية، الذي ضاق به المقام فيها، بعد أن فارق المدينة سيدها.

حتى خلفاء بني العباس أنفسهم، وخاصة المتأخرين منهم، كانوا يتسابقون في تكريم المشهد وإنارته، والبذل على حراسه وخدمة زواره، ومن ذلك الشباك الثمين، الذي أوقفه الخليفة المستنصر العباسي، على قبر الإمام الكاظم (عليه السلام)، والذي لا يزال الى يومنا هذا، يعد من أهم موجودات المتحف الوطني العراقي، وتحفه ونفائسه.

ثم هذا الفقيه كمال الدين الشافعي، يقول بحق الإمام الكاظم، "لكثرة عبادته يسمى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج الى الله، تعالى، كراماته تحار منها العقول، وتفضي بأن له عند الله قدم صدق، لا يزال ولا تزول"، كما ورد في (مطالب السؤال، ص 83).

والى ذلك، يذكر العلامة أحمد بن يوسف الدمشقي، "المعروف عند أهل العراق بباب الحوائج، لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجاته، كراماته ظاهرة ومناقبه باهرة" (أخبار الدول، ص 112).

وكذا، شيخ الحنابلة، الفقيه أبو علي الخلال، الذي يذكر أنه "ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسلت به، إلّا وسهّل الله لي تعالى ما أحببت" (تاريخ بغداد للخطيب البغداي، ج1 ص20).

كما يذكر العلامة محمود البغدادي الحنفي: "أنّه سمي بالكاظم، لكظمه الغيظ، وكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفا عند أهل العراق، بباب قضاء الحوائج الى الله، وكان أعبد أهل زمانه، وأعلمهم وأسخاهم" (جوهرة الكلام، ص 139).

أيضاً، المؤرخ النسابة، محمد أمين السويدي، في كتابه المعتبر، (سبائك الذهب في أنساب وقبائل العرب)، الذي يذكر أنه "سمي كاظما، لفرط تجاوزه على المعتدين، له كرامات ظاهرة، ومناقب كثيرة".

فجميع تلك النصوص، تبين إجماع علماء المسلمين على مكانة الإمام موسى بن جعفر، وسمو الرسالة التي حملها، وموقعه في نفوس المسلمين جميعا، وذلك يؤشّر دالّة كبيرة، في نبذ التعصب المذهبي أو الطائفي، إذ كان المتقدمون مجتمعين في رؤى وثوابت، لا تفرّقهم ولا تدعو الى الخلاف المعمّق بينهم، مع اختلاف الاجتهادات وتباين الرؤى، والتفسيرات العلمية، ضمن المدارس الفكرية والفقهية، فتلك ظاهرة صحية، تدعو للانفتاح الفكري والتنوع الثقافي، وليس التعصب الأعمى، الذي يهدف الى الفرقة والصراع، وبالتالي فقدان السلم الأهلي والمجتمعي، والدين والمذاهب منها براء.

ثم أن مقابر قريش هذه، بعد أن تشرفت بالجسد الطاهر للإمام الكاظم (عليه السلام)، تحولت الى حضرة ومشهد جليل، باسم قبر الكاظم، ثم لتصبح مدينة الكاظم، أو الكاظمين، بعد أن تشرف ثراها أيضا، بالجسد الطاهر للإمام الجواد، حفيد الإمام الكاظم، (عليهما السلام)، ثم باتت تعرف بمدينة الكاظمية، تشرّفا وتيمّنا بمقام النازل فيها، إذ أصبحت تستقبل الزائرين من كل حدب وصوب، للدعاء عند المشهد، وطلب الحاجات، التي يقضيها الله تعالى، ببركة الضريح الشريف:

"بسم الله الرحمن الرحيم هنالك دعا زكريا ربّه"

ولا يزال المشهد الكاظمي، يعجّ بالملايين من الزوار، للتبرك والدعاء، أما أعداءه وظالموه وقتلته، فلا مقام يذكر لهم، عدا نهاياتهم غير الحميدة، بينما يزيّن الضريح الكاظمي الشريف دار السلام بغداد، حاضرة العرب والمسلمين، التي لا يقصدها زائر، إلّا وكانت وجهته صوب الكاظمية ومشهدها، وتلك إرادة الله تعالى وحكمته، مما يستوجب التدبّر والتأمّل، وبالتالي السيرة والسلوك الإنساني. 

وكأنّ رسالة الإمام الكاظم المجتمعية، مستمرة بديمومة عطائه الإنساني، حتى تحولّت الكاظمية، الى حاضرة للثقافة والعلم والبحث والدراسة، والفكر والأدب، فضلا عن كونها جوهرة بغداد، ومركزها التجاري والحضاري، إذ تتفرع عنها المسالك الى جميع أنحاء بغداد بغرابة، رغم أنها لا تتوسطها، مما يؤشر مكانتها الحضرية فيها، وأنها ملتجأ جميع البغدايين، فضلا عن الوافدين إليها. 

في الخامس والعشرين من شهر رجب عام 183هـ، كان موعد رحيل الإمام موسى بن جعفر الكاظم الى الرفيق الأعلى، فقد استشهد الإمام المظلوم بعد أن قضى ثلاث عشرة سنة في سجن السندي بن شاهك بأمر من الطاغية هارون العباسي، وبعد استشهاده (عليه السلام) أمر هارون أن يطاف بجثمانه بثوب خلق، ووضع على محمل، وحمله أربعة حمّالين، ومعهم منادٍ ينادي: "هذا إمام الرافضة فاعرفوه" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج48، ص 227).

ومن وصيته لـ هشام بن الحكم:

"يَا هِشَامُ؛ إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ، ولَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ.

يَا هِشَامُ؛ مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ: مَنْ أَظْلَمَ نُورَ فِكْرِهِ‏ بِطُولِ أَمَلِهِ، وَمَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ، وأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ‏ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ، ومَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ ودُنْيَاهُ.

يَا هِشَامُ؛ كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ وأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ عَقْلَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ، وأَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ" (تحف العقول: ص 413).

25/ رجب / 1446هـ