وصية نبويّة .. أوصي الحاضرين والغائبين بزينب




تقول مولاتنا زينب (عليه السلام): "خِف الله لقُدرته عليك واستحِ منه لقُربه منك" (أعيان الشيعة: 7/140)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

في الخامس عشر من شهر رجب من كل عام هجري، يحتفي الشيعة حزناً بشهادة بطلة كربلاء، وعقيلة الطالبيين، وعابدة آل علي، الحوراء زينب بنت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، وقد دأب ملايين الشيعة – في مثل هذه الأيام - على الحضور عند مرقدها الشريف في ضواحي العاصمة السورية دمشق.

روي أن "زينب بنت علي بن أبي طالب لما وُلدت أخبر بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاء إلى منزل فاطمة (عليها السلام) وقال: يا بنتاه! إيتيني بنيّتك المولودة، فلما أحضرتها أخذها رسول الله وضمها إلى صدره الشريف، ووضع خده المنيف على خدها فبكى بكاءً عاليا، وسال الدمع حتى جرى على كريمته الشريفة. فقالت فاطمة: مم بكاءك، لا أبكى الله عينيك يا أبتاه؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بنية فاطمة! اعلمي أن هذه البنت بعدك وبعدي ستبتلى ببلايا فادحة، وترد عليها مصائب ورزايا مفجعة" (الخصائص الزينبية، ص 32).

لا يخفى الدور الذي كان لسيدتنا زينب (عليها السلام) بعد واقعة الطف حيث قامت تثبيت حقيقة رسالة سيد الشهداء في كربلاء، وديمومة الدعوة الى الإسلام الذي جاء به جدها سيد الأنبياء، وأيضاً تقويض حكم الطاغية يزيد وإظهار زيف ادعاءاته، وقد أنجزت كل ذلك بشجاعة فريدة، ومجاهرة بالغة بالحق أمام أعتى سلطان جائر، فخاطبت يزيد في مجلسه بـ "يا بن الطلقاء"، وحطمت عنجهية ابن زياد بكلمات لا تعرف الخوف أو الانكسار: "ثكلتك أمك يا بن مرجانة"، وقد دُهش الناس لفصاحتها وشجاعتها، وبتلك المواقف الكبيرة التي يعجز عنها الأبطال.

وهكذا، فإن حفيدة نبي الإسلام، السيدة زينب (عليها السلام) قد كشفت عن حقيقة الصراع بين معسكر الحق والإيمان الذي يقوده أئمة أهل البيت وبين معسكر الكفر والضلال الذي يمثله الحكم الأموي وأمثاله وامتداداته.

يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي الراحل (قده):

"أدركَتْ السيدة زينب (عليها السلام) جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهي على الاصطلاح "صحابية"، وأدركت أمها فاطمة الزهراء (عليها السلام) ورأت مصيبتها، وسمعت خطبتها في المسجد النبوي الشريف، وروت ذلك، وشاهدت أذى القوم لها، وكسر ضلعها وسقط جنينها واستشهادها وتشييعها ودفنها ليلاً، وأدركت أبيها الإمام أمير المؤمنين، وكانت حاضرة خطبه وجهاده واستشهاده، وسمعت جبرائيل ينادي بين السماء والأرض: "تهدمت والله أركان الهدى"، وأدركت أخيها الإمام الحسن ومصائبه، وتسميمه، وقذف كبده من فمه، وتشييعه، ورمي جنازته بالسهام)، وحضرت كربلاء بكل تفاصيلها الدامية، ثم أدركها الأسر، وهي المرة التي تؤسر فيها بنات رسول الله، وكانت هي التي أوصلت صوت سيد الشهداء إلى العالم بأجمعه."

هذا، وقد نابت مولاتنا زينب (عليها السلام) عن ابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في أيام مرضه، فكانت تجيب عمّا يرد عليه من المسائل الشرعية، وقد قال (عليه السّلام) لها: "أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهّمة" (الاحتجاج، ج2، ص31).

مولاتنا زينب الحوراء كانت عظيمة بولادتها وتسميتها، وكانت عظيمة في إيمانها وصبرها وجهادها، وكانت سامقة بدفاعها عن الحق وأهله، وهي اليوم عظيمة في قلوب المؤمنين والمؤمنات، فيزور مرقدها الشريف الملايين على مدار السنة، دون انقطاع، يأتون من كل أنحاء العالم، احتراماً وإجلالاً وعرفاناً وتقديراً ومحبة لبنت بيت الوحي والنبوة والإمامة، فهي عزيزة سيد الأنبياء والمرسلين، وحبيبة أمير المؤمنين، وقرة عين سيدة نساء العالمين.

15/ رجب / 1446هـ