إضاءة: الاستبداد يقصي الاستقرار والازدهار ويجلب الفوضى والخراب




 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

عدم الأخذ بالشوروية "أو الديمقراطية" سيخلق فاصلة كبيرة بين الحاكم والشعب، فيأخذ كل طرف باتهام الآخر لتزعزع الثقة بينهما، وعندها يبدأ الصراع ويتصاعد بمرور الأيام، فيأخذ الحاكم "إسلامي أو غير إسلامي" بمهاجمة معارضيه بمختلف التهم؛ مثل أن المعارضين ضد الثورة أو ضد النظام، أو عملاء للأجنبي أو الأعداء، أو جهلة ولا دراية لهم بمجريات الحكم والأحداث، إلى غير ذلك من التهم والافتراءات.

مع ذلك، فإن المشكلة لا تنحصر فقط بالحاكم المستبد والمتزلفين الذين يدورون حوله وينالون من ماله وجاهه، فيسحقون وجدانهم، ويكيلون الثناء والمديح له جُزافاً، ويعملون بأوامره حتى لو كانت بها قتل الأبرياء وهتك الأعراض ونهب الأموال، بل المشكلة والطامة الكبرى في الرحم التي تولّد الحاكم المستبد؛ وهي الأمة، فإذا لم تكن الأمة ضعيفة ولم تكن عندها القابلية للاستبداد، لما كان بإمكان الديكتاتور أو الطاغية من السيطرة عليها، فالأمة إذا أصبحت كالجسم الضعيف يتسلط عليها المرض من كل مكان، بينما الجسم القوي لديه المناعة في منع الأمراض من اختراقه.

ولذا، فإن مهمة الوعاة الأحرار، من أهل العلم والفكر والقلم، إنقاذ الأمة من مرض "القابلية للاستبداد" لتكون محصنة من الخضوع ومحمية من تسلل الديكتاتورية وتقبُّل المستبد، فإن الأمة لن تكون حيّة وحرة ومتقدمة وكريمة وزاهرة إلا إذا كانت محصنة من الاستبداد ومكافحة  للديكتاتورية، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز" (شرح نهج البلاغة. ابن أبي الحديد، ج1، ص202).

إن الاستشارة، أو تبادل الآراء، "أو الشوروية أو الديمقراطية" خير مظهر للعقل والحكمة، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا يستغني العاقل عن المشاورة"، "مَنْ شاور ذوي العقول استضاء بأنوار العقول"، "المستشير متحصن مِن السقط"، "المستشير على طرف النجاح"، "ما تشاور قومٌ إلا هُدوا إلى رشدهم" (غرر الحكم: 8634، 1509، 1207، 1217، 1857، 4156).

وعليه، فإن الشوروية "أو الديمقراطية" سبيل للوصول إلى أَحسن الآراء وأفضل النتائج، وإذا تم الأخذ بها في كل شؤون الحياة، وفي القرية والمدينة والدولة، وفي الاتحادات والجمعيات والهيئات والنقابات والمنظمات والمدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات والأحزاب والحوزات والحكومات، سيتصدر أهل الخبرات والكفاءات مراكز السلطة ومناصب المسؤولية، وهكذا، يمكن تجنب الأخطاء والفشل والسقوط والخراب والفوضى والهلاك، وفي الوقت نفسه تتقدم عجلة الاستقرار والازدهار، ويحظى الشعب بحياة كريمة معززة بالرفاه والرخاء والخيرات والبركات.

المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)

3/ رجب/1446هـ