وقفة.. آية الله السيد محمد رضا الشيرازي في ذكرى رحيله السابعة عشرة

(الفقيد السعيد .. السعيد حقاً)




 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

يقول الامام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله تعالى):

"من الضروري الاهتمام بتراث العلماء الماضين رضوان الله عليهم."

وعلى هذا، جدير بالمحتفين بالذكرى السنوية لرحيل العالم الجليل والفقيه الكبير والعبد الصالح، آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي رحمه الله تعالى، ليس فقط أن يستذكروا مواقفه وتراثه، بل يجدر أيضاً أن يعيشوا المبادئ التي عمل بها ودعا إليها حتى فاضت روحه ووفد مظلوماً في سبيلها الى ربه حيث (النبِيينَ والصِّدِّيقِين وَالشهداء والصالحين وَحَسُنَ أُولئكَ رفيقاً) وهو منهج العلماء العاملين المخلصين و(لِمِثْلِ هذا فلْيَعْمَلِ العاملون).

في يوم رحيله، قال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): "كان الفقيد السعيد .. السعيد حقاً، في درجات العدالة بلا شك، فحاولوا أن تكونوا عادلين، وكان على درجة عالية من الخلق الرفيع مع الصديق والعدو، مع القريب والغريب، مع مَنْ كان يتواضع له أو يتكبر عليه، فحاولوا أن تطبقوا على أنفسكم هذه الانطباعات التي لكم عنه."

وقال سماحته (دام ظله): "لقد كانت السمة البارزة، لأخي في العلم وابن أخي في النسب آية الله السيد محمد رضا الشيرازي قدس الله سره، السمة التي لعلّي لمستها أكثر من غيري، ولمسها كلّ من عاشره ولو لنصف ساعة والأكثر أكثر، التمثيل الشخصي للإنسان المسلم الصحيح في أقواله وفي سيرته، وفي نظراته واستماعه، وفي دعوته وإجابته. وهذا مما يندر وجوده في كل زمان ولاسيما في زماننا هذا، وكلّ من كان أقرب إليه كان أكثر معرفة بهذا الأمر منه، فلقد كان قدّس سرّه يمثّل الإيمان والعمل الصالح. ونعم ما أعدّ لمثل هذا اليوم نفسه طيلة حياته."

عُرف واشتهر الفقيه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) بغزارة علمه، وتبحره بتاريخ الأديان، واطلاعه على ثقافات الأمم والحضارات، وكان مواكباً لمستحدثات المسائل ومستجدات الأحداث، كما كتب العديد من المؤلفات المتينة، وصدرت له آلاف المحاضرات القيمة، فكان (قده) باحثاً متبحراً، ومصلحاً باسلاً، ومثقفاً ناقداً، وتميزت محاضراته بالعمق والإحاطة، فيغور في التفاصيل وما يحيط بها، دون اختلال بملازمة موضوعه، ودون أن يربك إنشداد المستمع له.

كان (قده) آية في الورع، وعلَماً في الفقه، ومربياً بارعاً، وخطيباً مميزاً، وكان باهراً في جميل الخصال، فكان أستاذ علم ومعرفة، وعالم أخلاق، ومرشد حياة، لذا مازال لحضوره وهجه وبريقه.

كان (قده) يحث على التفقه في الدين، وخاصة العقائد التي هي "أصل كل شيء، وعليها يبنى كل شيء، كما أن التفقه بالأحكام الشرعية يضمن للإنسان استقامة العمل" بحسب قوله، ويؤكد ضرورة تفقه المؤمنين والمؤمنات فيقول: "يمكن للإنسان أن يخصص في كل يوم مقداراً من وقته لهذه الغاية حتى ولو كان مقداراً قليلاً جداً".

ويرى (رحمه الله) أن من أفضل الأعمال "الاهتمام بتشكيل لجان لخدمة المجتمع، دينياً وثقافياً وإنسانياً، فإن في ذلك أجراً عظيماً"، مذكراً بـ "قضاء حوائج الإخوان"، مبيناً أن "نجاح اللجان العاملة يستند معظمه إلى تطبيق قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم)(الشورى 38).

ومن إرشاداته: "في يوم من الأيام سينقضي عمر الإنسان ويصبح عاجزاً عن العمل، فإن (اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)، وعلى الإنسان أن يتزود من العلم والعمل الصالح قبل فوات الأوان، حيث يقول (رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت)، فيأتيه الجواب (كلا)، والإنسان مهما عمل، فهو قليل في جنب الله تعالى، فعليه ألاّ يستشعر الاكتفاء، بل يستشعر التقصير الدائم".

ويقول (قدس سره) موضحاً: "تنبع صعوبة الورع من أنّ كثيراً من المحرّمات متشابكة مع حياة الإنسان، كالغيبة مثلاً، فإنّ احتمال سماعها، يواجه المرء أينما ذهب. فعدم الاغتياب وعدم الاستماع إلى الغيبة، طيلة عمر بأكمله، ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلّب عزيمة قوية، وهكذا الحال مع كثير من المحرّمات. وعلى كّل حال، فترك المحرمات، ومثله الإتيان بالواجبات، أمرٌ عظيم، وهو يمثّل المرتبة الأولى من المراتب المعنوية، ولو أن أحداً استطاع أن يتجنب المحرّمات، ويأتي بالواجبات، وأن يتجنب ما أمكنه من المكروهات، ويأتي بما وسعه من المستحبات، فقد بلغ مرتبة رفيعة، وفاز فوزاً عظيماً."

26/ جمادى الأولى/1446هـ