
|
في ذكرى رحيل الإمام الجواد .. الشرف بالعلم والسؤدد بالتقوى |
|
|
|
|
|
|
|
|
الغاية هي الاتباع .. قال الإمام الجواد (عليه السلام) لرجل من شيعته: "أبلِغْ شيعتنا؛ أنه لا يُنال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلِغْ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة مَنْ وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره، وأبلِغْ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أُمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 2 – ص 29).
موقع الإمام الشيرازي في آخر شهر ذي القعدة لعام 220 هـ، الموافق للرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 835، رحل الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) الى ربه مظلوماً، تاركاً إرثاً عظيماً من العلم والأخلاق والتقوى، ومدفنه في مقابر قريش؛ في مدينة الكاظمية المقدسة، بجوار جده، الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، في العاصمة العراقية، بغداد. رحل الإمام مسموماً شهيداً، بعد أن قضى حياته القصيرة التي لم تتجاوز 25 سنة و3 أشهر و12 يوماً في نشر تعاليم الإسلام الحنيف وهداية الأمة، في ظروف عكست التحديات الكبيرة التي واجهها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تلك الحقبة. وُلِد الإمام الجواد (عليه السلام) في المدينة المنورة عام 195هـ، وهو الإمام التاسع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام). اشتهر (عليه السلام) بعلمه الغزير رغم صغر سنه، كما لُقِّب بـ "الجواد" لكرمه الواسع وسخائه المدهش. أيضاً اشتُهِر بـ "باب المراد" لما عُرِف عنه من كثرة قضاء الحوائج في التماسها عند قبره الشريف.
تولّى الإمامة بعد استشهاد والده،
الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وهو في الثامنة من عمره، وهو ما
يبرز مكانته العلمية والروحية الاستثنائية، فقد كان يخاطب القلوب والعقول
بحجج ناصعة، ويجيب كبار علماء زمانه بأجوبة باهرة، ما جعل خصومه "السياسيين قبل وفاته، أعلَن الإمام الجواد لكبار الشيعة وثقاتهم أن الإمام من بعده هو ابنه، علي الهادي (عليه السلام)، وسلم إليه ودائع الإمامة، مؤكداً استمرارية الخط الإلهي في هداية الأمة. وقد كان هذا الإعلان خطوة حاسمة في الحفاظ على وحدة الشيعة في ظل التحديات السياسية والاجتماعية التي كانت تواجههم. ترك الإمام الجواد (عليه السلام) تراثاً غنياً من المواعظ التي لا تزال تلهم المسلمين، بل البشرية عموماً، حتى اليوم، وإن أفضل ما نقوم به في أيام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) هو التزود من علومهم لاتباعهم كما يجب، وهو الغاية وصولاً الى رضا الله سبحانه، ومما ورد عنه (عليه السلام): "تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر الله (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 6 – ص 30). كما قال: "موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، وحياته بالبر أكثر من حياته بالعمر" (مكارم الأخلاق. الشيخ الطبرسي، ص 362). وقال (عليه السلام): "الشريف كلّ الشريف مَنْ شرَّفه علمه، والسؤدد كلّ السؤدد لمن اتقى الله ربّه، والكريم كلّ الكريم مَنْ أكرم عن ذلّ النار وجهه" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي، ج 75 – ص 82). أيضاً، رُوي أن رجلاً قال له: "أوصني." قال (عليه السلام): "وتقبل؟". قال الرجل: "نعم." فقال (عليه السلام): "توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون" (تحف العقول. ابن شعبة الحراني، ص 455). تُبرز هذه الكلمات عمق رؤيته الأخلاقية والإيمانية والحياتية، وحثه على التقوى والصبر والابتعاد عن مغريات الدنيا. على الرغم من قصر حياة الإمام الجواد (عليه السلام)، فقد كان له دور كبير في ترسيخ العقيدة الشيعية من خلال مناظراته العلمية وتعليمه لأصحابه. وقد واجه تحديات جمة، منها محاولات السلطات العباسية للحد من تأثيره، لكنه استطاع أن يحافظ على الإرث الإنساني والفكري والفقهي والإيماني لأهل البيت (عليهم السلام). في ذكرى الإمام محمد الجواد التقي المنتجب، تتجدد الأسئلة حول العلاقة بين الفقهاء والسلطة، وبين اهل الفكر والتحرر وأهل الحكم والسطوة، ودور القادة الشباب في التغيير، وأهمية الوضوح في الرؤية والبصيرة في زمن الأزمات. فإن ذكرى الإمام الجواد (عليه السلام) ليست لحظة استحضار عابرة، بل خطًّاً ممتدّاً من الوعي الإيماني الذي يعلّمنا أن القيادة الحقّة ليست بالسنّ، بل بالفكر والحكمة والعطاء والبصيرة.
29 / ذو القعدة / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|