
|
اليوم الدولي للعيش معاً في سلام .. دعوة الى تقبل اختلافاتنا وترسيخ قيم التعايش |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي
قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(الحجرات 13) وقال الإمام الباقر (عليه السلام): "صَلاَحُ شَأْنِ اَلنَّاسِ اَلتَّعَايُشُ" (بحار الأنوار: ج71 - ص167) ورُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: )وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا(، قال: "أَيْ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَمُخَالِفِهِمْ" (تفسير الإمام العسكري ج 1 - ص 354). في السادس عشر من آيار/مايو، يحتفل بـ "اليوم الدولي للعيش معًا في سلام"، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون دعوة سنوية للتسامح، والحوار، والتعايش، والاحترام المتبادل/ احترام الآخر. هذا اليوم الدولي يمثل رفض الضمير العالمي للانقسام، والتعصب، والعنف الذي يعصف بكثير من المجتمعات. وفي زمن تمزقه الصراعات، وتغذيه خطابات التفرقة والكراهية، نحتاج أكثر من أي وقت مضى لأن نتعلّم كيف نختلف دون أن نتحارب، وكيف نحاوِر مَنْ لا يشبهنا دون أنْ نُقصيه. وهكذا، فإن "العيش معًا في سلام" لا يعني ذوبان الاختلافات، بل يعني القدرة على التفاعل الإيجابي في ظلها، واحترام الآخر ككائن إنساني له حق الوجود والكرامة. في "اليوم الدولي للعيش معاً في سلام"، تتأكد أهمية الاستحضار المستدام للمقولة الشهيرة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) "الناس صِنْفَانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ" وتُعدّ هذه المقولة العلوية واحدة من أعمق التعبيرات عن المساواة الإنسانية في التاريخ، وتحمل أبعاداً إنسانية وأخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الزمان والمكان. بقوله "نظير لك في الخلق"، الإمام يشير إلى الرابطة الإنسانية العامة التي تجمع بين البشر بغض النظر عن دينهم أو معتقداتهم. فإن كلمة "نظير" تعني المساواة في الجوهر الإنساني، أي أن كل إنسان يشترك مع الآخر في كونه مخلوقاً، له حقوق وكرامة. في الوقت، أن السياق التاريخي للمقولة يُظهِر أن الإمام أمير المؤمنين كان يتحدث من منطلق قيادته مجتمع متنوع في الكوفة، حيث كان المسلمون يتعايشون مع أتباع ديانات أخرى. وهكذا، فإن هذه المقولة جاءت لتؤسس مبدأ التعايش والمساواة ثم التواصل والتفاهم، بعيداً عن التعصب أو التمييز. أيضاً، تتناول هذه المقولة العلويّة مسألة العلاقة بين "الأنا" و"الآخر"، وهي إحدى القضايا الأساسية في عموم العالم، والإمام (عليه السلام) يقدم تصوراً للعلاقة مع الآخر يتجاوز الصراع أو التنافس، ليؤسس لعلاقة قائمة على الاعتراف المتبادل. ومن هذا المنطلق، ينبغي التأكيد، في هذا اليوم، على أهمية دعم المبادرات التعليمية والتربوية التي تعزز ثقافة السلام والتعددية، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، أينما وُجِد، سواء في الإعلام أو السياسة أو الفضاء الرقمي، والاستثمار في الحوار والتفاهم بين الأديان والثقافات والمذاهب، بالإضافة الى تأكيد أن التعايش السلمي هو شرط لبناء مجتمعات مزدهرة، وإنسانية، وعادلة. في "اليوم الدولي للعيش معاً في سلام"، ينبغي تأكيد أن السلام ليس غياب الحرب فقط، بل حضور العدالة، والحرية، والمساواة، والرفاه. في كتابه "فقه السلم والسلام"، المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده) يؤكد أن الحوار هو الوسيلة الأمثل لحل الخلافات والصراعات، مستنداً الى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125). كما يصف (قده) السلام بمعناه الأعم والشمولي، وهو السلام الذي يجلب الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار. هذه الرؤية تحمل دلالات واسعة، إذ يتجاوز السلام كمفهوم سلبي "غياب الحرب" إلى مفهوم إيجابي يشمل الرفاه الاقتصادي والاجتماعي والروحي. ومن المسؤولية الإنسانية، يجدر السعي الى أن يكون "اليوم الدولي للعيش معاً في سلام" منصة مستدامة لنشر الوعي الإنساني، وبناء جسور التسامح والتواصل والتعايش، وتغليب صوت الحكمة على صوت السلاح، والحث على العمل معاً من أجل عالم لا يُقصي فيه إنسان إنساناً، ولا يُحرَم فيه أحد من حقه في الحياة الآمنة والحرية والكرامة. 18 / ذو القعدة / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|