مما ينبغي أن نستقبل به عاشوراء




عاشوراء فرصة لنراجع سلوكياتنا، ونعيد بناء علاقتنا مع الدين كحامل للعدالة والفضيلة لا كغطاء للمصالح، ومع المذهب كهوية قِيَمية وأخلاقية لا كتعصّب فكري، ومع الوطن كمسؤولية مبدئية وإنسانية لا كغنيمة

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

"دَخَلَ الْحُسَیْنَ بْنَ عَلِيّ یَوْماً إِلَى الْحَسَنِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَیْهِ بَکَى، فَقَالَ لَهُ مَا یُبْكیكَ یَا أَبَاعَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: أَبْكي لِمَا یُصْنَعُ بِكَ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: إِنَّ الَّذِی یُؤْتَى إِليّ سُمٌّ یُدَسُّ إِلَيّ فَأُقْتَلُ بِهِ، ولَکِنْ لَا یَوْمَ کَیَوْمِكَ یَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، یَزْدَلِفُ إِلَیْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ یَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّنَا مُحَمَّدٍ، ویَنْتَحِلُونَ دِینَ الْإِسْلَامِ، فَیَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِكَ، وسَفْكِ دَمِك، وانْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ، وَسَبْيِ ذَرَارِیكَ ونِسَائِكَ، وانْتِهَابِ ثِقْلِكَ، فَعِنْدَهَا تَحِلُّ بِبَني أُمَیَّةَ اللَّعْنَةُ، وتُمْطِرُ السَّمَاءُ رَمَاداً ودَماً، ویَبْکِي عَلَیْكَ کُلُّ شَي‏ءٍ حَتَّى الْوُحُوشِ فِی الْفَلَوَاتِ وَالْحِیتَانِ فِی الْبِحَارِ" (الأمالي: ص115).

-----------------------------------------

قال الإمام الحسين (عليه السلام): "إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" (بحار الأنوار: ج44 – ص329). بهذا الشعار الخالد، أعلن سيد الشهداء، الإمام الحسين (عليه السلام)، أهداف نهضته، التي تحوّلت إلى واحدة من أعظم المحطات في التاريخ الإنساني، ليس فقط لكونها مأساة دامية هزّت وجدان الأجيال، بل لأنها مشروع أخلاقي وإصلاحي شامل، لا يزال نداءه يتردد في ضمائر الأحرار.

ومع مطلع كل عام هجري، تتجدد ذكرى عاشوراء، لا بوصفها طقساً عاطفياً وحسب، بل كصرخة وعي ومراجعة ومحاسبة، وكفرصة لتأمل الذات وتقييم المسارات، وقياس مدى التزام الفرد والمجتمع بقيم هذه الثورة الحسينية: العدالة، والكرامة، والحرية، ورفض الظلم، ونصرة المظلوم.

لكن كيف ينبغي لنا، كأفراد ومجتمعات، أن نستقبل هذه الذكرى العظيمة؟ هل يكفي أن نلبس السواد، ونقيم الشعائر، أم إنه ينبغي لنا أن نتبنى مشروعه الإصلاحي ليكون بوصلة نهضتنا؟

لا يمكن لعاشوراء أن تنهض بنا إنْ بقينا نحصرها في دائرة الشعائر الحسينية التي هي إحدى أبرز العوامل لبقاء شعلة الثورة الحسينية متقدة الى اليوم. فإن الإمام سيد الشهداء ليس فقط شهيد كربلاء، وسبط سيد الأنبياء والرسل، بل هو رمز مشروع إصلاحي واجه الانحراف السياسي والديني بشجاعة نادرة وفداء فريد. ومن هنا، فإن قراءة سيرة الإمام وأصحابه (رجالًا ونساء، كباراً وصغاراً) هي مدخل جوهري لفهم منطلقات الثورة وأبعادها. فإن التأثر الحقيقي يبدأ من معرفة القيم التي قاتلوا لأجلها، ثم محاكاتها في حياتنا اليومية، وفي علاقاتنا، وفي مسؤولياتنا، وفي سلوكنا.

إحياء ذكرى عاشوراء لا يكتمل إلا بتحمّل المسؤولية تجاه المجتمع، فإن خدمة المجالس والمواكب والفعاليات الحسينية، ليست شعائر وحسب، بل فعل جماعي ينبع من روح التعاون والتكافل والتضامن. ومن واجب كل فرد، مهما كان موقعه، أن يبحث عن دوره في خدمة القضية الحسينية، سواء بالمساهمة التنظيمية أو الثقافية أو الخدمية أو الإعلامية.

الإمام سيد الشهداء خرج للإصلاح، لا للثأر أو الانتقام، ولا طلباً لسلطة. بالتالي، ذكرى عاشوراء تُعَدّ مناسبة للتربية والترويض على القيم الكبرى، كـ تقوى الله، والتضحية، والصبر، والإخلاص، والأمانة، ونصرة المظلوم، والتكافل الاجتماعي، وهذا أهم ما ينبغي الالتفات إليه.

عليه، إذا كنا صادقين في الولاء لسيد الشهداء، فذلك يقتضي تجسيد مبادئه في جميع مؤسساتنا: أن يكون القاضي حسينياً في عدالته، والمعلم حسينياً في رسالته، والطبيب حسينياً في إنسانيته، والسياسي حسينياً في أمانته، والشرطي حسينياً في حمايته للمظلوم لا في سطوته.

وهكذا، فإن الدولة العادلة تبدأ من الفرد الواعي، وعاشوراء هي المنصة التي تُمكِّن كل إنسان من مراجعة ذاته، نحو مشروع إصلاحي حيّ يشمل المجتمع كله.

في ذكرى عاشوراء، حريٌ بنا أن نجعل من ذكرى الإمام سيد الشهداء مناسبة لتجديد العهد مع قيم الإصلاح، ولنتذكّر أن الوفاء لكربلاء لا يكون فقط بالحزن، بل أيضاً بالعقل، وبالعمل، وبالوقوف في وجه الظلم، أيًّا كان شكله.

ذكرى عاشوراء استذكار لفاجعة دامية، ومقتل آخر بنت نبي على وجه الأرض، ومعه أهله وصحبه، بالتالي، ومن الاحتفاء بهذه الذكرى اتشاح البلاد والعباد بمظاهر الحزن، والعمل وفقاً لحقيقة أن عاشوراء للإصلاح والبناء. في الوقت، أن كربلاء دعوة لكل واحد منا الى أن نكون حسينيين، في الصدق، والنزاهة، والعدل، والشجاعة في قول الحق، وتحمّل مسؤولية الإصلاح والتغيير، فذلك هو المعنى العميق لحبنا الحقيقي للإمام الشهيد، ومصداق انتمائنا الصادق لثورته.

1 / محرَّم الحرام / 1447هـ