
|
من الغدير .. احفظوها فإن فيها ما فيها |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي
"حبّذا لو يحفظ المؤمنون والمؤمنات خطبة يوم الغدير، فإن فيها مختصراً لأصول الدين وفروعه" سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)
لا شك في أن خطبة الغدير الغرّاء التي ألقاها نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) في يوم الثامن عشر من ذي الحجة، في العام الهجري العاشر، أثناء عودته من حجة الوداع، من أهم الخطابات المحورية في التراث الإسلامي. وقد أُلقيت هذه الخطبة في موضع "غدير خم" بين مكة والمدينة، وسط ظروف مناخية قاسية، حيث حرارة الشمس اللاهبة، وكانت تحمل مضموناً روحياً وفكرياً عميقاً، يلامس وجدان الأمة وضميرها الجمعي. جوهر خطبة الغدير يكشف عن اهتمام عميق عند النبي (صلى الله عليه وآله) بمصير الأمة من بعده، حيث يدعو المسلمين/الناس إلى التمسك بالقرآن الكريم وأهل بيته، لا كأشخاص فحسب، بل كرموز للهداية والمعرفة والقيم. في خطبة الغدير، تتجلّى دعوة واضحة إلى الوفاء، والعدل، والصدق، وعدم التلاعب بالدين أو التفريط بمسؤولية القيادة. وتزخر خطبة الغدير بالمفاهيم التوحيدية التي تمجّد الخالق وقدرته وعدله، ثم تنتقل لتؤكد أن الدين لا يكتمل إلا بالقيادة التي لديها صفات خاصة، فحينما قَدَّمَ النبي (صلى الله عليه وآله) علياً بن أبي طالب (عليه السلام)، كوصيّ وخليفة من بعده، لم يكن ذلك مجرّد تعيين ديني وسياسي، بل تأكيد على أن القيادة الحقيقية يجب أن تكون قائمة على العلم والعدل والورع والتضحية، لا على المصالح العابرة أو القوة الزائلة. فلم يقل (صلى الله عليه وآله) للمسلمين "اتبعوا عليّاً لأنه الأقوى"، وهو الأقوى والأشجع، بل لأنه الأعلم والأتقى والأقرب إلى روح الرسالة، مما يجعل الولايةَ له امتداداً لولاية الله ورسوله، وليست مجرد ولاية دنيوية. تحمل خطبة الغدير الدعوة إلى التقوى والوحدة، حيث حذّر (صلى الله عليه وآله) من الفرقة والتنازع، وذكَّر بأن الانحراف عن الحق لا يُفسِد الفرد وحده، بل يهدد كيان الأمة كلها. وهنا تظهر القيمة الاجتماعية لهذه الخطبة المباركة، التي أرادت بناء مجتمعٍ متماسك، لا يقوم على العصبيات، بل على الالتزام بالمبادئ والولاء للقيم. فلم تكن كلمات النبي (صلى الله عليه وآله) مجرد توجيهات فردية، بل كانت مشروعاً أخلاقياً متكاملاً لبناء حضارة إنسانية تقوم على الإيمان والعمل الصالح. أيضاً، تعكس خطبة الغدير مبدأ عميقاً في الفكر الإسلامي، وهو أن النبوة لا تنفصل عن المسؤولية. فالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يكن مجرد ناقل للوحي، بل كان قائداً مؤتمَناً على مصير الأمة، ومؤسِسَاً لبنية أخلاقية ومجتمعية راسخة. وحين أعلن عن وصاية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كان ذلك امتداداً لرسالته، لا مجرد إجراء رمزي. إذ إن حِفْظ الدين لا يكتمل بمجرد العقيدة، بل بالقيادة العادلة والعالمة التي تحمي جوهر الرسالة وتخدم الإنسان. فالمكانة النبوية تكليف جليل يحمل في جوهره همّ العدالة، وصون الكرامة، ومواصلة الهداية بعد الرحيل. ومن المهم الإشارة الى أن خطبة الغدير ليست منغلقة على زمنها، بل وَضَعَتْ إطاراً عاماً للقيادة العادلة في كل عصر، حيث أكدت أن الإمامة ليست منصباً، بل مسؤولية تجاه الله والناس. وهنا تظهر "العالمية" في الخطبة، التي لم تقل "إن عليّاً خليفة العرب"، بل جعلت الإمامة مبدأً لكل البشر، بغض النظر عن العرق أو اللون أو المكانة الاجتماعية. فإن الله قد نصب علياً بن أبي طالب "ولياً وإماماً وفرض طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين بإحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى العجمي والعربي، وعلى الحر والمملوك، والصغير والكبير وعلى الأبيض والأسود، وعلى كل موجود" وفقاً لخطبة الغدير. بل، إن الله قد نصب علياً بن أبي طالب "ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل موجود" وفقاً لصاحب خطبة الغدير. بالتالي، تصبح خطبة الغدير نداءً إنسانياً خالداً يُذكِّر بأن: التوحيد هو أساس كل قيمة، وأن العبودية لله لا تعني الانزواء، بل تعني تحمُّل المسؤولية تجاه الآخرين، وأن القيادة الحقيقية هي خدمة لا سلطة، وأن الحقَّ لا يُقاس بالغلبة، بل بالاستقامة والحكمة. وهكذا، فإن خطبة الغدير المباركة، بمضمونها الأخلاقي العميق، تدعو إلى وحدة القيم، لا إلى صراع الهويات. وهي تذكير بأن النبوة لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الحُكْم يقوم على الرحمة، وأن الإيمان لا يكتمل إلا بالعمل الصادق الذي يهدف خدمة الإنسان وحفظ كرامته، وإن "أحب الناس إلى الله أنفع الناس للناس"، كما يقول صاحب خطبة الغدير. خطبة يوم الغدير .. كاملة وفيما يلي الخطبة كاملة، كما ذكرها السيد رضي الدين علي بن الطاووس الحلي الحسني (589 - 664هـ) في كتابه "التحصين لأسرار ما زاد من أخبار كتاب اليقين" (ص579 القسم 1 ب29): عن زيد بن أرقم قال: لما أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع، جاء حتى نزل بغدير خم بالجحفة بين مكة والمدينة، ثم أمر بالدوحات (الدوحة: الشجرة العظيمة المتصلة) بقَمِّ (قمَّ: كنس) ما تحتهن من شوك، ثم نودي بالصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم شديد الحر، وإن منا من يضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر والرمضاء، ومنا من يضعه فوق رأسه، فصلى بنا (صلى الله عليه وآله) ثم التفت إلينا فقال: الحمد لله الذي علا في توحيده ودنا في تفرده وجل في سلطانه وعظم في أركانه وأحاط بكل شيء وهو في مكانه وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، حميداً لم يزل ومحموداً لا يزال، ومجيداً لا يزول، ومبدياً ومعيداً، وكل أمر إليه يعود، بارئ الممسوكات، وداحي المدحوات، متفضل على جميع من برأه، متطول على كل من ذرأه، يلحظ كل نفس، والعيون لا تراه، كريم حليم ذو أناة، قد وسع كل شيء رحمته ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه، ولا يبادر إليهم بما يستحقون من عذابه، قد فهم السرائر، وعلم الضمائر، ولم يخف عليه المكنونات، ولا اشتبه عليه الخفيات، له الإحاطة بكل شيء، والغلبة لكل شيء، والقوة في كل شيء، والقدرة على كل شيء، ليس كمثله شيء، وهو منشئ حي حين لا حي، ودائم حي وقائم بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. جلَّ أن تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، لا يلحق وصفه أحد من معاينة، ولا يحده أحد كيف هو من سر وعلانية إلا بما دل هو عز وجل على نفسه، أشهد له بأنه الله الذي ملأ الدهر قدسه والذي يغشى الأمد نوره وينفذ أمره بلا مشاورة ولا مع شريك في تقدير ولا يعاون في تدبيره، صور ما ابتدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد ولا تكلف ولا اختبال، شاءها فكانت، وبرأها فبانت. فهو الله لا إله إلا هو المتقن الصنعة والحسن الصنيعة، العدل الذي لا يجور، والأكرم الذي إليه مرجع الأمور، أشهد أنه الله الذي تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لهيبته، مالك الأملاك ومسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثاً، قاصم كل جبار عنيد وكل شيطان مريد، لم يكن له ضد ولم يكن معه ند، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إلها واحداً ماجداً، شاء، فيمضي ويريد ويقضي ويعلم ويحصي ويميت ويحيي ويفقر ويغني ويضحك ويبكي ويدني ويقصي ويمنع ويعطي، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا يولج لليل في نهار ولا مولج لنهار في ليل، إلا هو مستجيب للدعاء، مجزل العطاء محصي الأنفاس رب الجنة والناس، الذي لا يشكل عليه لغة ولا يضجره مستصرخ لا يبرمه إلحاح الملحين، العاصم للصالحين والموفق للمفلحين مولى المؤمنين ورب العالمين، الذي استحق من كل خلق أن يشكره ويحمده على كل حال. أحمده كثيراً وأشكره دائماً على السراء والضراء والشدة والرخاء، وأؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله، أسمع لأمره وأطيع وأبادر إلى رضاه وأسلم لما قضاه، رغبة في طاعته وخوفاً من عقوبته؛ لأنه الله الذي لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره، أقر له على نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبية، وأؤدي أن لا إله إلا هو، لأنه قد أعلمني أني إذا لم أبلغ ما أنزل إلي لما بلغت رسالته، وقد ضمن لي العصمة، وهو الله الكافي الكريم. أوحى إلي: (بسم الله الرحمن الرحيم يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(المائدة: 67) ـ إلى آخر الآية ـ. معاشر الناس، وما قصرت فيما بلغت، ولا قعدت عن تبليغ ما أنزله، وأنا أبين لكم سبب هذه الآية: إن جبرئيل هبط إلي مرارا ثلاثا، فأمرني عن السلام رب السلام، أن أقوم في هذا المشهد، وأعلم كل أبيض وأسود: علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ووليكم بعد الله ورسوله نزل بذلك آية هي: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ)(المائدة: 55) وعلي بن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله تعالى في كل حال. فسألت جبرئيل أن يستعفي لي السلام من تبليغي ذلك إليكم أيها الناس؛ لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين ولأعذال الظالمين وأدغال الآثمين وحيلة المستشرين، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بأنهم: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)(الفتح: 11) ويحسبونه (هَيِّناً وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)(النور: 15)، وكثرة أذاهم لي مرة بعد أخرى، حتى سموني أذنا، وزعموا أني هو لكثرة ملازمته إياي وإقبالي عليه وهواه وقبوله مني، حتى أنزل الله تعالى في ذلك لا إله إلا هو: (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)(التوبة: 61) ـ إلى آخر الآية ـ ولو شئت أن أسمي القائلين بأسمائهم لأسمينهم، وأن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكني والله بسترهم قد تكرمت. وكل ذلك لا يرضى الله مني إلا أن أبلغ ما أنزل إلي (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)(المائدة: 67) ـ إلى آخر الآية ـ. واعلموا معاشر الناس ذلك وافهموه. واعلموا أن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، فرض طاعته على المهاجرين والأنصار وعلى التابعين بإحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى العجمي والعربي، وعلى الحر والمملوك، والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كل موجود، ماض حكمه وجاز قوله ونافذ أمره، ملعون من خالفه ومرحوم من صدقه، قد غفر الله لمن سمع وأطاع له. معاشر الناس، إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر ربكم، فإن الله عز وجل هو مولاكم وإلهكم، ثم من دونه رسولكم محمد وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وإمامكم بأمر الله ربكم، ثم الإمامة في ذريتي من ولدي إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا حلال إلا ما أحله الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، عرَّفني الحلال والحرام، وأنا أفضيتُ بما علَمَني ربي من كتابه وحلاله وحرامه إليه. معاشر الناس، فَضِّلُوهُ. ما مِنْ عِلْم إلاّ وَقَدْ أَحْصاهُ اللهُ فِيَّ، وَكُلُّ عِلْم عُلِّمْتُ فقد علمته عليا، وهو المبين لكم بعدي. معاشر الناس، فلا تضلوا عنه ولا تفروا منه، ولا تستنكفوا عن ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، ويزهق الباطل وينهى عنه، لا تأخذه في الله لومة لائم، أول من آمن بالله ورسوله، والذي فدى رسول الله بنفسه، والذي كان مع رسول الله، ولا يعبد الله مع رسوله غيره. معاشر الناس، فضلوه فقد فضله الله، واقبلوه فقد نصبه الله. معاشر الناس، إنه إمام من الله، ولن يتوب الله على أحد أنكره، ولن يغفر الله له، حتماً على الله أن يفعل ذلك، وأن يعذبه عذاباً نكراً أبد الأبد، ودهر الدهر، واحذروا أن تخالفوا فتصلوا بنار (وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِين)(البقرة 25). معاشر الناس، لي والله بشرى لأكون من النبيين والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين، فمن شك في ذلك فقد كَفَرَ كُفْرِ الجاهلية الأولى، ومن شك في شيء من قولي فقد شك في الكل منه، والشاك في ذلك في النار. معاشر الناس، حباني الله بهذه الفضيلة منَّاً مِنْهُ عَلَيَّ وإحسانا منه إليَّ، لا إله إلا هو، ألا له الحمد مني أبد الأبد، ودهر الدهر على كل حال. معاشر الناس، فضلوا علياً فهو أفضل الناس بعدي من ذكر وأنثى، ما نزل الرزق وبقي الخلق، ملعون ملعون من خالفه مغضوب عليه، قولي عن جبرئيل، وقول جبرئيل عن الله عز وجل، فلتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله أن يخالفوه إن الله خبير بما تعملون. معاشر الناس، تدبروا القرآن وافهموا آياته ومحكماته، ولا تبتغوا متشابهه؛ فوالله لن يبين لكم زواجره، ولن يوضح لكم تفسيره، إلا الذي أنا آخذ بيده، ومصعده إلي، وشائل عضده ورافعها بيدي، ومعلمكم، من كنت مولاه فهو مولاه، وهو علي بن أبي طالب أخي ووصيي، أمر من الله نزله علي. معاشر الناس، إن عليا والطيبين من ولدي من صلبه هم الثقل الأصغر، والقرآن الثقل الأكبر، وكل واحد منهما مبني على صاحبه، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، أمر من الله في خلقه وحكمه في أرضه. ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد نصحت، ألا إن الله تعالى قال، وأنا قلت عن الله، ألا وإنه لا أمير للمؤمنين غير أخي هذا، ألا ولا يحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره. ثم ضرب بيده إلى عضده فرفعه، وكان أمير المؤمنين منذ أول ما صعد رسول الله منبره على درجة دون مقامه، متيامنا عن وجه رسول الله كأنهما في مقام واحد، فرفعه رسول الله بيده وبسطها إلى السماء، وشال علياً، حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: معاشر الناس، هذا علي أخي ووصيي، وواعي علمي، وخليفتي على من آمن بي، وعلى تفسير كتاب ربي، والدعاء إليه، والعمل بما يرضاه، والمحاربة لأعدائه، والدال على طاعته، والناهي عن معصيته، خليفة رسول الله، وأمير المؤمنين، والإمام والهادي من الله، بأمر الله، يقول الله عز وجل: (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)(ق: 29) بأمرك أقول: اللهم، وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، والعن من أنكره، واغضب على من جحده، اللهم، إنك أنزلت الآية في علي وليك عند تبين ذلك ونصبك إياه لهذا اليوم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(المائدة: 3)، (ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)(آل عمران: 85)، اللهم، إني أشهدك أني قد بلغت. معاشر الناس، إنما أكمل الله لكم دينكم بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة والعرض على الله، فـ (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)(التوبة 17) لا يخفف العذاب عنهم ولا هم ينظرون. معاشر الناس، هذا أنصركم لي، وأحق الناس بي، والله عنه وأنا راضيان، وما أنزلت آية رضا إلا فيه، ولا خاطب الله الذين آمنوا إلا بدأ به، وما أنزلت آية في مدح في القرآن إلا فيه، ولا سأل الله بالجنة في (هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسان)(الإنسان: 1) إلا له، ولا أنزلها في سواه، ولا مدح بها غيره. معاشر الناس، هو يؤدي دين الله، والمجادل عن رسول الله، والتقي النقي الهادي المهدي نبيه، خير نبي، ووصيه خير وصي. معاشر الناس، ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب عليّ. معاشر الناس، إن إبليس أخرج آدم من الجنة بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، أهبط آدم بخطيئته وهو صفوة الله، فكيف أنتم؟ فإن أبيتم فأنتم أعداء الله. ما يبغض عليا إلا شقي، ولا يوالي عليا إلا تقي، ولا يؤمن به إلا مؤمن مخلص، في علي والله نزل سورة والعصر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، والْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ)(العصر: 1ـ 2) إلا علي، الذي آمن ورضي بالحق والصبر. معاشر الناس، قد أشهدني الله وأبلغتكم، (وما عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِين)(النور: 54). معاشر الناس، (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(آل عمران: 102). معاشر الناس، آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلناه (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ)(النساء: 47). معاشر الناس، النور من الله تعالى فيّ، ثم مسلوك في علي، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي، الذي يأخذ بحق، وبكل حق هو لنا، بقتل المقصرين والغادرين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين من جميع العالمين. معاشر الناس، إني أنذر لكم أني رسول الله، قد خلت من قبلي الرسل، فإن مت أو قتلت (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)(آل عمران: 144) ألا إن علياً الموصوف بالصبر والشكر، ثم من بعده ولدي من صلبه. معاشر الناس، على الله فينا ما لا يعطيكم الله ويسخط عليكم ويبتليكم بسوط عذاب، إن ربكم لبالمرصاد. معاشر الناس، سيكون بعدي أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. معاشر الناس، إن الله تعالى وأنا بريئان منهم. معاشر الناس، إنهم وأشياعهم وأنصارهم وأتباعهم (فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(النساء: 145) و(فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)(غافر: 76). معاشر الناس، إني أدعها إمامة ووراثة، وقد بلغت ما بلغت، حجة على كل حاضر وغائب، وعلى كل أحد ممن ولد وشهد، ولم يولد ولم يشهد، يبلغ الحاضر الغائب، والوالد الولد إلى يوم القيامة، وسيجعلونها ملكا واغتصابا، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان من يفرغ و(يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ)(الرحمن: 35). معاشر الناس، إن الله تعالى لم يكن ليذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب. معاشر الناس، إنه ما من قرية إلا والله مهلكها قبل يوم القيامة، ومملكها الإمام المهدي، والله مصدق وعده. معاشر الناس، قد ضل قبلكم أكثر الأولين، والله فقد أهلك الأولين بمخالفة أنبيائهم، وهو مهلك الآخرين»، ثم تلا (صلى الله عليه وآله) الآية إلى آخرها. ثم قال: معاشر الناس، إن الله أمرني ونهاني، وقد أمرت علياً ونهيته، وعلم الأمر والنهي لديه، فاسمعوا لأمره، وتنهوا لنهيه، ولا يفرق بكم السبل عن سبيله. معاشر الناس، أنا صراط الله المستقيم الذي أمركم الله أن تسلكوا الهدى إليه، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمة الهدى، يهدون بالحق وبه يعدلون. ثم قرأ (صلى الله عليه وآله) الحمد(فاتحة الكتاب). وقال: فيمن ذكرت ذكرت فيهم، والله، فيهم نزلت، ولهم والله شملت، وآباءهم خصت وعمت، أولئك أولياء الله (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ)(يونس: 62) و(حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)(المائدة: 56)، ألا إن أعداءهم هم الشقاء والغاوون وإخوان الشياطين، الذين (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)(الأنعام: 112)، ألا إن أولياءهم الذين ذكر الله في كتابه، المؤمنين الذين وصف الله فقال: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ)(المجادلة: 22) ـ إلى آخر الآية ـ، ألا إن أولياءهم المؤمنون الذين وصفهم الله أنهم (لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ)(الأنعام: 82) ألا إن أولياءهم الذين آمنوا ولم يرتابوا، ألا إن أولياءهم الذين يدخلون الجنة بسلام آمنين، وتتلقاهم الملائكة بالتسليم أن (طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ)(الزمر: 73) ألا إن أولياءهم لهم (الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ)(غافر: 40)، ألا إن أعداءهم الذين (سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)(النساء: 10)، ألا إن أعداءهم الذين يسمعون لجهنم شهيقا، ويرون لها زفيرا (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها)(الأعراف: 38) ـ إلى آخر الآية ـ، ألا إن أعداء الله الذين قال الله: (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ)(الملك: 8) ـ إلى آخر الآية ـ، ألا (فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ)(الملك: 11)، ألا وإن أولياءهم (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ)(الملك: 12). معاشر الناس، شتان ما بين السعير والأجر الكبير. معاشر الناس، عدونا كل من ذمه الله ولعنه، وولينا كل من أحبه الله ومدحه. معاشر الناس، ألا إني النذير وعلي البشير. معاشر الناس، إني منذر وعلي هاد. معاشر الناس، ألا إني نبيّ وعليّ وصيّ. معاشر الناس، ألا إني رسول، وعلي الإمام، والأئمة من بعده ولده، والأئمة منه ومن ولده، ألا وإني والدهم وهم يخرجون من صلبه. ألا وإني والدهم، وخاتم الأئمة منا، القائم المهدي الظاهر على الدين. ألا إنه المنتقم من الظالمين. ألا إنه فاتح الحصون وهادمها. ألا إنه غالب كل قبيلة من الترك وهاديها. ألا إنه المدرك لكل ثار لأولياء الله. ألا إنه ناصر دين الله. ألا إنه المصباح من البحر العميق الواسم لكل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله. ألا إنه خيرة الله ومختاره. ألا إنه وارث كل علم والمحيط بكل فهم ألا إنه المخبر عن ربه والمشيد لأمر آياته. ألا إنه الرشيد السديد. ألا إنه المفوض إليه. ألا إنه قد بشر به كل نبي سلف بين يديه. ألا إنه الباقي في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في علانيته وسره. معاشر الناس، إني قد بينت لكم وأفهمتكم وهذا علي يفهمكم بعدي. ألا وعند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على يدي ببيعته والإقرار له ثم مضافقته (مصافقته) بعد يدي. ألا إني قد بايعت الله وعلي قد بايع لي وأنا أمدكم بالبيعة له عن الله عز وجل: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)(الفتح: 10) ـ إلى آخر الآية ـ. معاشر الناس، ألا وإن الحج والعمرة من شعائر الله (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ)(البقرة: 158) ـ إلى آخر الآية ـ. معاشر الناس، حجوا البيت، فما ورده أهل بيت إلا تموا، وأبشروا ولا تخلفوا عنه إلا تبروا وافتقروا. معاشر الناس، ما وقف بالموقف مؤمن إلا غفر له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجته استؤنف به. معاشر الناس، الحجاج معانون ونفقاتهم مخلفة عليهم والله لا يضيع أجر المحسنين. معاشر الناس، حجوا بكمال في الدين والتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بتوبة إقلاع. معاشر الناس أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة كما أمرتكم، فإن طال عليكم الأمد فقصرتم أو نسيتم فـ عليٌّ وليكم الذي نصبه الله لكم، ومن خلقه مني وأنا منه، يخبركم بما تسألون، ويبين لكم ما لا تعلمون. ألا وإن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيها وأعدها، فآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، وأمرت فيه أن آخذ البيعة عليكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به من الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأوصياء من بعده الذين هم مني ومنه إمامة فيهم قائمة خاتمها المهدي إلى يوم يلقى الله الذي يقدر ويقضي. معاشر الناس كل حلال دللتكم عليه وكل حرام نهيتكم عنه فإني لم أرجع عن ذلك ولم أبدل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه، وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيروه، ألا وإني أجدد القول، ألا فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، إن رأس الأمر بالمعروف أن تنتهوا إلى قولي، وتبلغوه من لم يحضره، وتأمروه بقبوله، وتنهوه عن مخالفته، فإنه أمر من الله تعالى." 14 / ذو الحجة / 1446هـ |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|