في ذكرى باقر علوم الأنبياء .. الكون يعمل وفق نظام أخلاقي




 

حريٌ أن تكون أيام أئمتنا محطات للتعرف على تراثهم والتأسي بهم، لا مجرد مناسبات للتذكر والتبرك، فالمحبة تقتضي أولاً تعلّم علومهم والامتثال لوصاياهم

 

موقع الإمام الشيرازي

 

يحتفي المسلمون الشيعة بذكرى استشهاد الإمام محمد بن علي الباقر (57 – 114 هـ / 676 – 733 م)، في السابع من شهر ذي الحجة، وفقاً للتقويم الهجري.

الباقر، محمد بن الإمام علي (زين العابدين) بن الإمام الحسين (الشهيد) بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) هو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذي يُعتبَر رمزاً للعلم والفقه والأخلاق. يُعرَف الإمام الباقر (عليه السلام) بلقب "باقر العلم"، حيث لقبه به جده، النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام" (بحار الأنوار. العلامة المجلسي: ج 46 – ص 225). هذا اللقب "الباقر" هو - بلا شك -  تأكيد على قدرته العلمية الاستثنائية والفريدة على إحاطته على استنباط المعارف وتفسير العلوم الدينية والدنيوية. وقد أسس مدرسة علمية فقهية كبرى في المدينة المنورة، جذبت طلاب العلم من مختلف الأنحاء، وساهمت في إثراء الفكر الإسلامي.

رحل الإمام الباقر الى ربه جل في علاه، مسموماً، في المدينة المنورة، وهو في سن السابعة والخمسين، في ظروف سياسية معقدة تحت حكم الأمويين. ومع أن حياته كانت مليئة بالتحديات، فقد ترك إرثاً يتجلى في تعاليمه المباركة ومواعظه الجليلة التي لا تزال تلهم الملايين حتى اليوم، وهي محط إعجاب وتقدير الشيعة وغير الشيعة، والمسلمين وغير المسلمين.

من مواعظه (عليه السلام): "ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته، قُضِيَتْ أو لم تُقض، إلّا اُبتلي بالسعي في حاجة فيما يُأثَم عليه ولا يُؤجَر، وما مِنْ عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يُرضي الله إلّا اُبتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله" (بحار الأنوار: ج75 – ص 173).

تتضمن هذه الموعظة المباركة درساً عميقاً في الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، حيث تعكس قيم التضامن والإيثار، وهما ركيزتان أساسيتان في بناء مجتمع متماسك. الإمام الباقر (عليه السلام) يشدد على أن مساعدة الناس ليست مجرد عمل خيري اختياري، بل هي واجب أخلاقي يرتبط بمصير الفرد ومكانته الروحية. فإن الامتناع عن مساعدة الآخرين، حتى لو لم تتحقق النتيجة المرجوة، قد يؤدي إلى عواقب سلبية، ليس فقط على المستوى الاجتماعي، بل على مستوى الفرد نفسه، حيث يجد نفسه مضطراً لخدمة أغراض غير أخلاقية أو مضرة.

هذه الفكرة تتماشى مع المبادئ الإنسانية العالمية التي تدعو إلى العطاء دون توقع مقابل، لأن العطاء يعزز الروابط الاجتماعية ويحقق التوازن في المجتمع. موعظة الإمام تحذر من الأنانية والبخل، معتبرة إياهما ليسا فقط آفات أخلاقية، بل سبباً لاختلال التوازن الروحي والمادي في حياة الفرد. فعلى سبيل المثال، الشخص الذي يرفض مساعدة أخيه قد يجد نفسه لاحقاً في موقف يضطر فيه إلى بذل مجهود أكبر في سياقات لا تتوافق مع قيمه ومبادئه.

بموعظته الطيبة، الإمام الباقر (عليه السلام) يعرض فكرة أن الكون يعمل وفق نظام أخلاقي، حيث تترتب على الأفعال السلبية (كالامتناع عن المعونة أو البخل) نتائج تعكس طبيعة تلك الأفعال. هذا المفهوم يتماشى مع الفلسفات الأخلاقية التي ترى أن الأفعال ليست معزولة، بل جزء من سلسلة سببية تؤثر على الفرد والمجتمع.

على صعيد آخر، يمكن ربط موعظته (عليه السلام) بفكرة مسؤولية الفرد تجاه اختياراته. فالإمام يشير إلى أن قرار الامتناع عن العطاء أو المساعدة ليس مجرد فعل عابر، بل هو اختيار يشكل هوية الفرد ومصيره. كما أن الإشارة إلى "النفقة فيما يرضي الله" تتجاوز المعنى المادي لتشمل كل أشكال العطاء، سواء كانت مادية، أو عاطفية، أو فكرية، مما يعكس رؤية شاملة للأخلاق كجزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني.

في سياق العصر الحديث، حيث تسود الأنانية والمادية في كثير من المجتمعات، تأتي موعظة الإمام (عليه السلام) لتذكّر الأفراد بأهمية العمل الجماعي والتضامن. في عالم يعاني من الفقر، والحروب، والتفاوت الاجتماعي، فإن دعوة الإمام الباقر للعطاء والمساعدة تصبح أكثر إلحاحاً. إنها دعوة لإعادة التفكير في القيم التي تحكم سلوكنا، وتذكير بأن الأفعال الصغيرة من العطاء قد تكون لها تأثيرات كبيرة على الفرد والمجتمع.

ترك الإمام الباقر (عليه السلام) كل هذا التراث العلمي العظيم رغم أنه عاش في فترة صعبة سياسياً، حيث كانت السلطة الأموية الغاشمة تفرض قيوداً على أهل البيت وأتباعهم. ومع ذلك، استطاع من خلال علمه وصبره أن يؤسس إرثاً فكرياً وأخلاقياً وإنسانياً لا يزال حياً غضاً حتى اليوم.

ذكرى استشهاد الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ينبغي أن تكون فسحة للتأمل في إرثه العلمي والأخلاقي، للاقتداء به، وهذا هو الأهم. موعظته عن العطاء والتضامن تحمل في طياتها حكمة إنسانية وعالمية، تدعو إلى بناء عالم أكثر عدلاً وتراحماً.

7 / ذو الحجة / 1446هـ