الإمام الشيرازي الراحل .. رؤية تجديدية للسلام في زمن الصراعات




(الذكرى الرابعة والعشرون لرحيله قدس سره)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

في عصر تتصاعد فيه أصوات العنف والسلاح وتتوارى قيم الحوار والتفاهم، يبرز فكر المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347 – 1422هـ) كمنارة تُضيء دروب السلام في فضاءات الإسلام السياسي والاجتماعي، بل العالم أجمع. عُرف (قدس سره) بكونه مرجعاً دينياً مُجدِّداً، جمع بين العمق الفقهي والرؤية الإصلاحية، حيث دعا في مؤلفاته العديدة إلى ترسيخ ثقافة السلام واللاعنف والحوار، مُستنداً إلى نصوص القرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). وفي كتابه "فقه السلم والسلام"، يقدم رؤية شاملة تجعل من السلام مبدأً وجودياً وأخلاقياً قبل أن يكون تكتيكاً سياسياً.

الأسس الفكرية للسلام

(1) السلام كفريضة دينية

انطلق الإمام الشيرازي من فكرة أن السلام ليس خياراً ثانوياً، بل هو "أصل في الشريعة الإسلامية"، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (الأنفال: 61). ويرى أن العنف يُشوّه صورة الإسلام، بينما السلام يجسّد "روح الرسالة المحمدية التي جاءت رحمة للعالمين".

(2) اللاعنف: منهجاً لا ضعفاً

رفض الإمام الشيرازي فكرة أن اللاعنف يعني الاستسلام، بل اعتبره "قوة روحية وأخلاقية تُغير الواقع من جذوره"، مشيراً إلى أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) حوَّل العداء إلى تحالف عبر صلح الحديبية، مبيناً أن السلام لا يعني التخلي عن المبادئ، بل هو فن تحويل الخصوم إلى شركاء في بناء الحضارة.

(3) العدالة الاجتماعية: شرط السلام الدائم

أكد الإمام الشيرازي أن السلام الحقيقي لا يتحقق دون عدالة، حيث يرى أن لا سلم مع الظلم... الظلم يُنتج الاحتقان، والاحتقان يُفجّر الحروب. ودعا إلى إصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية كمدخل لتحقيق الاستقرار.

فقه السلم والسلام: قراءة في المنهج

في كتابه "فقه السلم والسلام"، يُعيد الإمام الشيرازي فهم النصوص الدينية لتكون منصّة للتعايش، مُبرزاً أن:

* الجهاد في الإسلام دفاعيٌ بحتاً، وليس هجومياً.

* الحوار هو الوسيلة الأمثل لحل الخلافات والصراعات، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125).

* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكونا باللسان لا بالسلاح، ما لم يُفرض القتال اضطراراً.

ويُشدّد (قدس سره) على أن العنف يخلق حلقة مفرغة من الدماء، بينما الصبر والحكمة يفتحان أبواباً للإصلاح.

واقع المسلمين المعاصر: من المأساة إلى الأمل

(1) المسار المسلح: فشل مُكلف

يواجه العالم الإسلامي اليوم أزماتٍ مركبة جرّاء تحوّل بعض الجماعات إلى العنف، والتي زعزعت استقرار دولٍ بأكملها. هنا ينتقد الإمام الشيرازي هذه النزعات، مؤكداً أن مَنْ يزرع الرصاص يحصد الدمار... والدم لا يُطهّر الأرض، بل يُدنّسها.

(2) ثقافة السلام: بديلٌ حضاري

يقدم فكر الإمام الشيرازي خريطة طريقٍ لمواجهة التطرف:

* تعليم قيم التسامح عبر المناهج الدينية والتعليمية.

* تمكين الحوار بين المذاهب بدلاً من تكفير الآخر.

* دعم المبادرات المجتمعية التي تُعزز التعايش، كالوقف الخيري والعمل التطوعي.

إحياء التراث السلمي

في زمنٍ يئنّ تحت وطأة الحروب، يصبح إحياء فكر المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001) ضرورةً إنسانية وأخلاقية ووجودية. إنَّ دعوته (قدس سره) إلى السلام ليست تنظيراً فقهياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً يُعيد للإسلام دوره كرسالة إنسانية، ويعيد للبشرية السلام الذي لا غنى لها عنه. فإن " القاعدة في الإسلام هي السلام، والحرب استثناء وتكون في أقصى حالات الضرورة والاضطرار، كماً وكيفاً" (السلم والسلام – ص 228)؛ كما يقول (أعلى الله مقامه).

7 / شوال / 1446هـ