الإمام الشيرازي الراحل .. المَرْجِعيّة أُبُوَّة ومسؤوليّة




(الذكرى الرابعة والعشرون لرحيله قدس سره)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

تعتبر المرجعية الدينية؛ في الفكر الشيعي، إحدى الركائز الأساسية لقيادة الأمة الإسلامية وهدايتها، وقد أولى المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ)، المرجعيّة الدينية اهتماماً ملحوظاً؛ في عدد من كتاباته ومحاضراته (الحوزوية والعامة)، لا سيما في كتاب "المرجعيّة الإسلامية" وكتيب "المَرْجِع والأمة"، حيث قدّم رؤية متكاملة تجمع بين الأصالة الشرعية ومواكبة التغيرات والتطورات.

تتجلّى رؤية الإمام الشيرازي الراحل (رضوان الله عليه) حول المرجعية الدينية في المحاور التالية:

(1) المرجعيّة: مسؤوليات

يرى الإمام الشيرازي أن على المرجع مسؤوليات جسيمة تشمل:

الهداية الروحية: عبر التمسك بالتقوى والزهد، وترسيخ القدوة الأخلاقية في المجتمع.

الإصلاح الاجتماعي: من خلال مواجهة الانحرافات الأخلاقية والفكرية، ونشر العدل.

التكليف العام: إدارة الشؤون العامة للمسلمين، دينياً ودنيوياً، من خلال التصدي للظلم والاستبداد، ونشر الإسلام والسعي الى تطبيقه.

يشير (قدس سره) الى أن المرجع وكيل عن الإمام (عليه السلام)، وعليه أن يكون مرآة صادقة لأخلاق الأنبياء (عليهم السلام)، ويؤكد (قدس سره) أنه "يجب أن يجعل المرجع حياة الأنبياء والأوصياء أسوة حسنة لحياته، وفي تعامله مع المعتدين والحاسدين، وقد كان الأنبياء على أفضل صور التعامل مع أعدائهم" (المرجعية الإسلامية - ص 26).

مبيناً أنه يجدر بالمرجع أن رؤيته "تذكِّر الناس بالأنبياء والصالحين، ما ينعكس أثر ذلك بصورة مباشرة في إيمان الناس وعقيدتهم" (المرجعية الإسلامية - ص 15).

(2) المرجع المُصلح: بين الزهد والانفتاح على العصر

يرى الإمام الشيرازي أن "الزهد ليس عدم التنعم بالحياة، فقد قال سبحانه وتعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، بل الزهد هو عدم التعلق بالحياة الدنيا، وعدم انغماس النفس في الشهوات البهيمية، والاحتياط في ارتكاب المشتبهات" (المرجعية الإسلامية – ص 15).

عليه، يميز الإمام الشيرازي بين الزهد السلبي؛ أو الانعزال عن المجتمع، والزهد الإيجابي الذي يتجلى في:

العيش ببساطة: تجنب الترف، ليكون قدوةً للفقراء.

الانخراط في هموم الناس: قضاء حوائجهم، والاستماع إلى انتقاداتهم البنّاءة.

التكيّف مع التحديات العصرية: كاستخدام التكنولوجيا في التبليغ، وتطوير مناهج الحوزات العلمية.

مؤكداً (قدس سره) أن الزهد ليس انعزالاً، بل هو تحرُّرٌ من قيود المادة لخدمة الحق.

(3) المرجعيّة المؤسساتية: نحو تنظيمٍ مستدام

يدعو الإمام الشيرازي إلى تحويل المرجعية من هيكل فردي إلى مؤسسة متكاملة تقوم على:

تقسيم المهام: إنشاء لجان متخصصة (ثقافية، واجتماعية، وسياسية).

التخطيط الاستراتيجي: وضع خطط خمسية لتطوير التعليم الديني، ونشر الكتب، وإرسال المبلغين.

الشفافية المالية: تنظيم الموارد المالية للمرجعية، وتوزيعها بعدل على المشاريع الخيرية والعلمية.

وينادي (قدس سره) بضرورة تحويل المرجعية إلى مؤسسة قادرة على الاستجابة لحاجات الناس والمتطلبات العامة، ومواجهة التحديات، والتعامل بكفاءة لإنجاز الخطط وتحقيق المكاسب والنجاحات.

(4) المرجعيّة والعالَم المعاصر: تحديات وفرص

يواجه المرجع – في نظر الإمام الشيرازي – تحدياتٍ كبرى، مثل:

التحدي الثقافي: الذي يستهدف تشويه صورة الإسلام، ليس بالضرورة أن يكون التشويه خارجياً، فقد يكون داخلياً، حيث هناك من يدعي الإيمان لكنه يفعل الآثام، ويعتدي على الناس باسم الدين.

الانقسامات الداخلية: بين التيارات والأحزاب والانتماءات الإسلامية. هذه الانقسامات عادة تشوه صورة الدين والمتدينين، وتهدر بحقوق الناس، وتُضعف الأمة.

التناقض الظاهري: كالفتاوى التي قد تبدو متعارضة بسبب اختلاف الظروف. لكنه يرى في اختلاف الآراء فرصاً لإثبات سعة الفقه الإسلامي ومرونته، عبر:

الحوار مع الآخر: استخدام المنطق القرآني في الرد على الشبهات.

توحيد الصف: عبر تعزيز الأخوّة الإسلامية ونبذ التعصّب المذهبي.

الاجتهاد المتجدد: تطوير الفقه ليتناسب مع المستجدات (كقضايا الطب الحديث، والاقتصاد الدولي).

(5) المرجعية والأمة: علاقة تكافلية

تميّز الإمام الشيرازي وتفرد بمواكبته الواقع؛ كما هو وبشكل مباشر ويومي، وذلك من خلال اهتمامه بالحديث مع الناس، سواء عبر المحاضرات التي يلقيها الى عموم المؤمنين والمؤمنات، أو عبر اللقاءات في أماكن خاصة. في الوقت، إنه كان مواظباً على متابعة يومية للأحداث، من خلال الإذاعات والصحف والمجلات، فضلا عن مطالعة متواصلة للكتب من شتى أرجاء الفكر. وهكذا، يؤكد (قدس سره) أن نجاح المرجعية مرهون بصلتها الوثيقة بالناس/ الشعب/ الأمة، وذلك عبر:

الاستجابة لحاجات الناس: كالقيام بالدفاع عن المظلومين، ومد يد العون والرحمة للمحرومين والمرضى والأرامل واليتامى، وإنشاء جمعيات لتزويج الشباب.

تعزيز الوَعي الجماعي: بنشر الثقافة القرآنية، والتعريف بعلوم آل محمد (عليهم السلام).

العدالة الاجتماعية: محاربة الفقر عبر توزيع الزكاة والخمس بحكمة وعدل.

مشيراً الى أن المرجع الناجح هو مَنْ يجعل الناس يشعرون أنه أب لهم.

(6) رؤية مستقبلية: نحو مرجعية عالمية

يتطلع الإمام الشيرازي إلى مرجعية عابرة للحدود، تقوم على:

تعريب الدعوة: ترجمة الرسائل العملية إلى لغات العالم.

التواصل مع المسلمين في الغرب: دعم الجاليات الإسلامية، وحماية هويتهم.

الاستثمار في الإعلام: استخدام القنوات الفضائية والإنترنت لنشر الفكر الإسلامي الوسطي.

خاتمة:

رؤية المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001م) للمرجعية تُقدّم نموذجاً متوازناً يجمع بين العمق الشرعي والواقعية، حيث يرى أن المرجع الناجح هو مَن يستطيع أن يكون حارساً للدين دون أن ينفصل عن هموم العصر، وأن يكون قائداً روحياً دون أن يفقد مقدرته على قيادة التغيير الاجتماعي.

يُلخّص (قدس سره) رؤيته وفلسفته عن المرجعية بأنها رسالة تُحمَلُ بالقلب قبل العقل، وهي جسر بين الأصالة والمعاصرة، والماضي والمستقبل، وقوة دافعة لنهضة إسلامية شاملة، تعلي شأن الدين، وتكرس التدين، وتدافع عن حقوق الناس، فـ "المرجع إنما يكرِّس حياته للخدمة والإرشاد" (المرجع والأمة – ص 23).

 

6 / شوال / 1446هـ