(وقل اعملوا): إذا تغيروا سيقع التغيير




 

زوال النِعَم والأمن والرخاء

موقع الإمام الشيرازي

 

 

 

قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأنفال 54)

(ذلك) العقاب الذي حلّ بأولئك وهؤلاء، ليس اعتباطاً وابتلاءً من الله سبحانه بلا استحقاق، بل بسبب أعمالهم، لــــ (أن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما).

أي الحالة الصحيحة التي كانت (بأنفسهم) إن الصحة والرخاء والأمن والغنى أحوال لاصقة بأنفس الناس، منحها الله إياهم، وطلب أن يعملوا برضاه فيها، فإذا غيّروا ما طلب منهم بالنسبة إليها، بأن صرفوا تلك النعم إلى المعاصي، غيّر الله تلك النعم فأبدل الصحة مرضاً، والرخاء ضنكاً، والأمن اضطراباً، والغنى فقراً.

وهذا بالإضافة إلى كونه مرتبطاً بما وراء المادة، مرتبط بالمادة أيضاً، فإن الصحة تنحرف باستعمال المحرمات الضارة، والرخاء ينحرف بعدم التعاون والعداء مما يسبب تفكك المجتمع فلا يزرع بمقدار ما كان التعاون يسببه، وهكذا، والأمن ينحرف إذا نوى كل إنسان الشر بأخيه، والغنى ينحرف إذا كسل الناس عن العمل، أو عملوا أعمالاً غير مثمرة لا تجلب مالاً.

ومن المعلوم أنه لا يلزم أن يكون الناس مؤمنين ثم يكفرون، بل هنالك مناهج بشرية عامة قرّرها سبحانه إذا سادت المجتمع كانوا في أمن ورفاه، فإذا غيّروها تغيرت النعمة، مثلاً الظلم والقتل قبيحان، والتعاون والإحسان حسنان، أما بالنسبة إلى من بدّل الإيمان كفراً ومناهج الشريعة أهواءً، فذلك أوضح.

(وأن الله سميع) يسمع أقوال الناس (عليم) بضمائرهم، فإذا رأى تغييراً في النيات، وانحرافاً في الكلمات غيّر ما أعطاهم من نعمة وما تفضّل عليهم من أمن وراحة.

"تقريب القرآن الى الأذهان" للإمام الشيرازي الراحل (قدس سره)

 

22/ ذو الحجة/1445هـ