المطارحات العلمية الرمضانية (2+3+4)




 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

‏ المطارحة العلمية الرمضانية الثانية

 

نصّ المطارحة العلمية الثانية للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444 للهجرة، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء يوم الجمعة 2 شهر رمضان العظيم1444 للهجرة (24/3/2023م):

1ـ لقد ذكر صاحب العروة في بداية كتاب الصوم هذه المسألة: ومن أفطر فيه ـ لا مستحلاً ـ عالماً عامداً يعزّر بخمسة وعشرين سوطاً (العروة الوثقى ج 3 ص 7) ومستنده هو خبر مفضل بن عمر (وسائل الشيعة، ج 10، ص 56، ح 12820) وقد نقله الشيخ الكليني بسنده قال: عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحد وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً. ويرد على هذه الرواية إشكالان: أـ لقد ضعّف جميع الرجاليين مفضّل بن عمر فتكون الرواية ضعيفة السند حينئذٍ. ب ـ موضوع الرواية هو الجماع ولايشمل الموارد الأخرى. مضافاً إلى أنَّ هذه الرواية يقابلها صحيحة بريد العجلي (وسائل الشيعة، ج 10، ص 248، ح 13334) التي نقلها الشيخ الكليني بسنده: عن بريد العجلي قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإنَّ على الامام أن يقتله وإن قال: نعم فإنَّ على الامام أن ينهكه ضرباً.بعد هذا التفصيل نودّ معرفة رأيكم في هذه المسألة؟

ج ـ هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء لوجوه ذكرتم أنتم بعضها في ضمن السؤال. ولم يقبل المرحوم الأخ (آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي رضوان الله عليه) برأي صاحب العروة وردّ عليه قائلاً: التقدير بخمسة وعشرين سوطاً في غير الجماع من المفطرات محل إشكال ولا يبعد إيكال تقديره إلى الإمام عليه السلام أو نائبه (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 10، ص 12) وقد ذكرتُ في حاشية العروة أنه: إيكال التقدير في غير الجماع بل فيه أيضاً إلى الإمام أحوط إن لم يكن أقرب. (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 3، ص 8).

في خصوص مفضّل بن عمر، لم يك جميع الرجاليين قد ضعّفوه وقد ذكرت سابقاً قرائن تدل على توثيقه، والبحث في وثاقة الراوي وعدمها أمر مبنائي، نعم في بعض الموارد لم يبق موضوع للبحث. وفي خصوص تعّدي الحكم من الجماع إلى غيره من المفطرات كما ذكره بعض الفقهاء فالمستند فيه إلغاء الخصوصية عن مورده بحسب استظهارهم من الدليل، ولا مناقشة في الاستظهار.

2ـ ما حكم أفعال المقلّد الذي لم يطّلع على تغيير رأي مُقَلّده؟

ج ـ إن كان المقلِّد ملتفتاً ولم يكن الفحص له حرجيّاً أو ضررياً وجب عليه الفحص عن رأي مقلّده، هل تغيّر أم لا؟ وفي غير هذه الحالة لم يكن مكلَّفاً بشيء، ويجب على مرجع التقليد عندما يتغير رأيه أن يعلن عن ذلك بكل الطرق الممكنة بشرط أن لا يكون ذلك حرجيّاً أو ضررياً له.

3ـ ما هو حكم عقد نكاح الرجل والمرأة من دون اذن الولي؟

ج ـ إنَّ هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء وذلك بسبب الاختلاف في الروايات في خصوص اذن الأب لتزويج البنت البالغة الرشيدة فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ إذن الولي في ذلك حكم تكليفي فإن العقد الواقع من غير إذن الولي وإن كان غير جائز وارتكب المكلّف حراماً إلّا أنَّ العقد في نفسه صحيح ولا خلل فيه ـ ويظهر لي أنَّ هذا القول هو الصحيح ـ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ إذن الولي في النكاح حكم تكليفي ووضعي معاً، فيكون العقد حينئذٍ باطلاً وقد ارتكب المكلّف حراماً، وقد ذهب غيرهم من الفقهاء كالسيد عبد الهادي الشيرازي إلى أنَّ إذن الأب في عقد النكاح ليس شرطاً تكليفياً ولا وضعياً وقد ذهب بعض آخر إلى الاحتياط الوجوبي في المسألة وقد فصّل بعض آخر بين العقد الدائم والمنقطع. (للتفصيل يمكن الرجوع إلى العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 4، ص 354، م 1).

إن قيل: إنَّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون الشرط وضعياً في العقود وفي ما نحن فيه من اشتراط إذن الولي في النكاح شرطاً وضعياً وتكليفياً. فيقال: وإن كان الحكم المذكور بحسب القاعدة صحيحاً، إلّا أنه بعد مراجعة الروايات المختلفة وآراء الفقهاء في المسألة يتّضح للمتتبّع أنَّ إذن الولي في زواج البالغة الرشيدة حكم تكليفي فقط وليس وضعياً.

4ـ هل يجوز للولي أن يمنع من زواج البنت ممّن هو كفؤٌ لها؟

ج ـ لا يجوز ذلك، لأنَّ الشارع قد جعل الأب والجد للأب ولياً لزواج البنت البالغة الرشيدة من كفوها فإن كان الرجل كفواً للبنت عرفاً ومع هذا منع الولي من زواجهما تسقط ولايته عليها، وإذا اعتبرت البنتُ، الرجلَ كفواً لها ولكن الولي لا يراه كذلك فإنَّ قول البنت مقدّم على الولي في هذه الصورة، نعم في البنت الصغيرة والمجنون يقدّم قول الولي إن وجد في زواجهما مصلحة لهما.

5ـ إذا زُوّجت الصغيرة من شخص فهل يجوز لها فسخ العقد بعد البلوغ؟

ج ـ لقد ذكر صاحب العروة هذه المسألة (في العروة الوثقى والتعليقات عليها ج 4، ص 355 و ص 365، من كتاب النكاح، اولياء العقد م 4 و م 29) قائلاً: لا خيار للصغيرة إذا زوّجها الأب أو الجدّ بعد بلوغها ورشدها، بل هو لازم عليها وكذا الصغير على الأقوى والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف وكذا لا خيار للمجنون بعد إفاقته. وقال أيضاً: إذا زوّج الصغيرين وليهما فقد مرّ أنَّ العقد لازم عليهما ولا يجوز لهما بعد البلوغ ردّه أو فسخه... وذهب مشهور الفقهاء إلى هذا القول أيضاً، بأنَّ العقد هذا وقع بالولاية ومراعاة المصلحة فيكون لازماً.

نعم ذهب المرحوم الأخ رضوان الله عليه في كتاب الفقه وبعض آخر من الفقهاء إلى خلاف المشهور وجعلوه حقاً للصغيرة إذا بلغت.

وعلى القول بجواز الفسخ فإنَّ الفسخ يعني إبطال العقد من الاصل الكاشف عن بطلان العقد من أول الأمر فلا يكون الرجل مشغول الذمة بالمهر لبطلانه بالفسخ. ونظير ذلك ما إذا تزوّج شخص واخته الرضاعية خطأً فالعقد يكون باطلاً ولا مهر على الزوج وكذا ما لو لم يُجِزِ المالك العقد الفضولي فيكون كاشفاً عن بطلان العقد من البداية والقول بالناقلية غير صحيح.

على القول بجواز الفسخ وحصوله لا يبعد القول بإرجاع الكلفة والنفقة التي صرفها إلى حين الفسخ.

6ـ ما هو حكم تعيين أجرة الرضاع وأمثاله؟

ج ـ إذا اشترط ذلك في ضمن العقد شرطاً لفظياً أو ارتكازياً ورضي بذلك طرفا العقد فلا إشكال فيه وإلا فلا يصح أخذ الأجرة على الرضاع.

بعبارة أخرى، إذا رضي بذلك طرفا العقد يصح اشتراطه في ضمن العقد بتعيين أجرة الرضاع لأحد والدي الطرفين أو أحد طرفي العقد أو شخص ثالث فيلزم من ذلك الوفاء به لأنه وقع شرطاً في ضمن عقد لازم.

7ـ لقد استدل الأصوليون بآية النبأ لاثبات حجية خبر الواحد الثقة في الاحكام، فهل خبر العدل الواحد في الموضوعات حجة أيضاً؟

ج ـ لا شك أنَّ خبر الواحد الثقة حجة في الأحكام وهذا من المسلّمات، وأما في خصوص حجيته في الموضوعات أيضاً فقد وقع الخلاف بين الفقهاء وعليه نرى كثرة الحواشي على العروة في خصوص ذلك والذي يظهر لي حجية خبر العدل الواحد في الموضوعات أيضاً.

8ـ ما هو حكم صوم المرأة الحامل، والشيخ والشيخة؟

ج ـ إن كانت المرأة الحامل ضعيفة بحيث إنَّ الصوم يضرّ بها أو بجنينها أو يخاف حصول الضرر لهما فلا يجب عليها الصيام، ثم إن لم تتمكن من قضاء ذلك إلى السنة القادمة وجب عليها دفع فديتين كما ذكره المرحوم النراقي والمرحوم الأخ أيضاً ـ وهو الصحيح عندي أيضاً ـ وإن ذهب بعض الفقهاء الی الفدية الواحدة.

ثم أنّه قد وردت في الروايات وفتاوى الفقهاء كلمة الحامل المقرب إلّا أنه لا خصوصية لها بل الملاك هو حصول الضرر أو خوف حصوله للأم أو الجنين أو كليهما (راجع العروة الوثقى والتعليقات عليها ج 3، ص 64) لا بد من الأخذ بعين الإعتبار أن الخوف من الضرر يكفي لافطار الصائم.

على أي حال يجب على المرأة الحامل فدية أو فديتان وهذه الفدية واجبة عليها لا على الزوج لأنَّ النفقة الواجبة على الزوج هي نفقة الزوجة وهي: 1ـ السكن في حدّ شأنها 2ـ الطعام في حدّ شأنها 3ـ واللباس في حدّ شأنها وبعد موتها الكفن والدفن واجبة عليه أيضاً.

بعبارة أخرى كل تكليف مالي من الفدية وغيرها، والكفّارة وغيرها إنما هو على الزوجة فإن كانت موسرة دفعت ما وجب عليها وإن كانت معسرة فبناء على الدليل العام أنَّ «الاستغفار كفّارة لمن لا كفّارة له» يجب عليها الاستغفار بدلاً عن ذلك.

أما الشيخ والشيخة إن كان الصوم لهما حرجياً أو شاقاً مشقة يعتنی بها فلا صوم عليهما ويدفعان الفدية (راجع العروة الوثقى والتعليقات عليها ج3، ص 63)

9ـ قد يقال: إنَّ الملاك في الآية الشريفة هي الاطاقة فقد ورد فيها «وَعَلَى الَّذِينَ يطِيقُونَهُ فِدْيةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» (البقرة، 184) فلا خصوصية للشيخ والشيخة؟

ج ـ إنَّ المسألة محل خلاف بين الفقهاء وقد ذكروا حواشي كثيرة في ذيلها بالعروة الوثقى والاطاقة الواردة في الآية ذكر لها معنيان: أـ لا يطيقونه. ب ـ قدر طاقتهم.

10ـ هل تجب الفدية على من أفطر تَقية؟

ج ـ إنّ في التقية بحثاً ونقاشاً. فقد ذكر المرحوم الأخ في كتاب الفقه أنَّ في التقية توسعةً وعليه لو أفطر الصائم تقية لا فدية عليه وقد أشكل على ذلك بعض الفقهاء وجعلوها كالضرورة، فقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليَّ من أن يضرب عنقي» (وسائل الشيعة ج 10، ص 132، ح 13034) وفي نقل آخر: قال صلوات الله عليه: «فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله» (وسائل الشيعة ج 10، ص 132 ح 13035) فعلى الرواية الاولى لا يجب القضاء وعلى الثانية يجب القضاء واذا شك في وجوب القضاء وعدمه فالاصل هو عدم الوجوب وعليه كانت المسألة خلافية بين الفقهاء، وبمقتضى الاصل الأولّي يجب القضاء.

كان المرحوم أخي رضوان الله عليه، يقول: إنه في ظرف التقية المكلف مخير بين إتيان العمل الموافق لمذهب المخالفین و بين ترك العمل من رأس.

11ـ ما هو المراد من هذه الآية الشريفة: «أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» (الانفال، 24)؟

ج ـ قال المرحوم صاحب الجواهر والشيخ الانصاري بأنَّ المراد هو الغفلة والنسيان العارض على الانسان .

12ـ لو كان البيت لشريكين فهل يجوز لأحدهما أن يوصي في المقدار المشاع أو هبته لشخص آخر أو إجارته، وكل ذلك من دون علم الشريك ولا إذنه؟

ج ـ كلّا، لا يجوز. فكل تصرّف في المال المشترك لا بد وأن يكون برضا الشريك.

 

=============

 

‏ المطارحة العلمية الرمضانية الثالثة

 

نصّ المطارحة العلمية الثالثة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444 للهجرة، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء يوم السبت 3 شهر رمضان العظيم1444 للهجرة (25/3/2023م):

1ـ هل العدول إلى المرجع الأعلم المساوي جائز؟

ج ـ ذهب المشهور إلى عدم جواز العدول من حي إلى حي آخر إلا في صورة كون المرجع الثاني أعلم من المرجع الأول فيجب حينئذٍ العدول إليه.

كتب صاحب العروة في هذه المسألة: «لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي إلّا اذا كان الثاني أعلم» (العروة الوثقى مع التعليقات عليها، ج 1، ص 15، كتاب الاجتهاد والتقليد، م 11.)

نعم لو كان المراجع في مستوى واحد من حيث الأعلمية فيجوز حينئذٍ أن لا يقلّد من أحدهم بالخصوص بل یجوز له التبعيض في التقليد بأن يقلّد أحدهم في بعض المسائل وأبواب الفقه ويقلّد الآخر في بعض آخر وهكذا، ومع تقليد أحدهم والعمل بفتواه لا يجوز له العدول إلى الآخر.

قال صاحب العروة: «إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيهما شاء ويجوز التبعيض في المسائل...» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 1، ص 21، كتاب الاجتهاد والتقليد، م 33). وفي صورة عدم اختيار أحد المراجع بالخصوص وكانوا جميعاً في زمرة الأعلم ولم يختلفوا في الفتوى إلّا في اعلان حلول شهر رمضان أو عيد الفطر فوقع الخلاف بينهم فحينئذٍ لم يكن الأمر كاختلاف الحجج لدى الفقيه فيتساقطون عند التعارض بل هو مخيرٌ في اتّباع أيهم شاء.

2ـ لو أجبر الزوج زوجته على الجماع في شهر رمضان المبارك، فعلى من الكفّارة؟

ج ـ نقول في المقدمة: إنَّ أمر الله تعالى مقدّم على أوامر غيره وصرّح بذلك النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام بقولهم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (وسائل الشيعة، ج 16، ص 154، ح 21226). فإطاعة الزوج في هذا الأمر حرام شرعاً، فإذا أجبر الزوج زوجته على ذلك يجب عليها  قدر الامكان عدم الخضوع له والامتناع من ذلك فإن لم تقدر على ذلك ووقع الجماع وجبت كفّارته، وكفّارة الزوجة على عاتق الزوج لوجود دليل خاص في هذه المسألة.

3ـ ما حكم المطاعم ومحلاّت تقديم الوجبات السريعة التي تقدّم الطعام في نهار شهر رمضان المبارك؟

ج ـ يجب مراعاة حرمة شهر رمضان على الجميع وعدم هتك حرمته. أكل الطعام وتقديمه لصاحب العذر لا إشكال فيه إن كان مستوراً وغير منكشف كما لو أطعم ضيفاً في بيته. لكن المطاعم والمحلات التي تقدّم الطعام علناً فانها من مصاديق هتك حرمة شهر رمضان، فقد ورد في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «ما من صائم يحضر قوماً يطعمون إلّا سبّحت له أعضاؤه وكانت صلاة الملائكة عليه وكانت صلاتهم استغفاراً» (وسائل الشيعة، ج 10، ص 156، ح 13099) وورد عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: «إذا رأى الصائم قوماً يأكلون أو رجلاً يأكل سبّحَت كل شعرة منه» (وسائل الشيعة، ج 10، ص 156، ح 13098).

صدق الهتك على مثل هذه التصرفات انما هو من مرتكزات المتشرعة وكبراه ثابت اجماعاً وصغراه متحقق أيضاً. وليس الهتك محصوراً بالصيام فقط بل هتك حرمة جميع العبادات له الحكم نفسه، نعم تذكر مسألة الاكل وتقديم الطعام في شهر الصيام أكثر من غيرها لأن المرتكز عند المتشرعة هو هذا النوع من الهتك. نعم إن تمكنت المطاعم أو محلات بيع الوجبات السريعة من تقديم الطعام سراً ولم يعد عملهم هذا هتكاً لحرمة شهر رمضان فلا إشكال فيه وإن كان صاحب المطعم يعلم سابقاً أنَّ المكلّف بالصيام غير المبالي يشتري منه أيضاً وهذا نظير قول الامام الصادق عليه السلام حيث قال في مسألة أخرى: «بعته حلالاً فجعله حراماً فأبعده الله». (وسائل الشيعة، ج 17، ص 222، ح 22407) لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الاستخفاف عنوان قصدي يتبع قصد الشخص ولكن هتك الحرمة من العناوين العرفية التابع لفهم العرف.

4ـ نقل الفيض الكاشاني رواية مرسلة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «ليس العلم في السماء فينزل إليكم ولا في تخوم الارض فيخرج لكم، ولكن العلم مجبول في قلوبكم، تأدّبوا بآداب الروحانيين يظهر لكم» (قرة العيون ص 439) فمع ملاحظة هذه الرواية كيف يمكن الجمع بينها وبين كون العلم اكتسابيا؟

ج ـ مع غض النظر عن كون الرواية معتبرة أو لا، فلا بد من ملاحظة روايات المعصومين عليهم السلام من حيث المجموع للوصول الى النتيجة الصحيحة. قال الله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا» (النحل، 78) فمع ملاحظة هذه الآية الشريفة وروايات أهل البيت عليهم السلام يظهر أنَّ المراد من الرواية ـ محل البحث ـ وجود قابلية الاكتساب عند كل شخص وإن لم تكن العلوم متوفرة لدیه فعلاً.

5ـ لو حصل للمكلّف سفر في ضمن كفّارة الصوم بحيث خرج قبل الظهر ولم يتمكن من العود قبل الظهر ليكون صومه صحيحاً فما هو حكم كفّارة صومه حينئذٍ؟

ج ـ إن كان سفره هذا ضرورياً عرفاً أو شرعاً ولم يتمكن من الرجوع قاصراً لا مقصراً لم يخلّ ذلك بتوالى صومه وإلّا وجب عليه الاعادة وصوم 31 يوماً متتالياً. قال صاحب العروة رحمه الله في خصوص هذه المسألة: «إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار كالمرض والحيض والنفاس والسفر الاضطراري دون الاختياري لم يجب استئنافه بل يبني على ما مضى ومن العذر ما إذا نسي النية حتى فات وقتها بأن تذكر بعد الزوال.

ومنه أيضاً: ما إذا نسي فنوى صوماً آخر ولم يتذكر إلا بعد الزوال.

ومنه أيضاً: ما إذا نذر قبل تعلّق الكفارة صوم كل خميس، فإن تخلّله في أثناء التتابع لا يضرّ به، ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر.

نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفّارة اتجه الانتقال إلى سائر الخصال. (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 3، ص 81، فصل في صوم الكفّارة، م6).

في خصوص نذر صوم كل خميس ذكرت في حاشية العروة: «بعنوان الخميس بالخصوص وإلّا فان كان حال النذر ناوياً لصوم الخميس أعمّ من أيّ عنوان فانه لا تخلّل أصلاً» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 3، ص 81، فصل في صوم الكفّارة، م6).

6ـ ما حكم غيبة الوالدين لأولادهما؟

ج ـ إنَّ الإخبار عن المؤمن بحيث يعدّ ذلك تنقيصاً له وكانت النقيصة موجودة فيه مع عدم علم السامع بها، يعدّ ذلك غيبة. ولا فرق في حرمة الغيبة بين الوالدين وغيرهما. نعم لو كان كلامهما لتربيتهم أو لنصح المستشير أو صدق عليه عنوان من العناوين المستثناة في مسألة الغيبة، فلا إشكال فيه.

7ـ شخص يقرأ القرآن خطأً وهو يعلم ذلك فهل يعدّ قراءته للقرآن من مصاديق الكذب على الله؟

ج ـ كلا ليس كذلك. فلو أنَّ شخصاً يقرأ بعض القرآن خطأ وكانت الموارد ضمن الشبهة غير المحصورة فلا مانع من قراءته ولا يعد افتراءً على الله تعالى. نعم من الجيد أن يسعى ويتعلّم القراءة الصحيحة. أما لو كانت الاخطاء ضمن شبهة محصورة فعليه أن يترك مواضع الخطأ ولا يقرأها.

وردت رواية في خصوص الدعاء الملحون وهي: «الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله» (وسائل الشيعة، ج 6، ص 221، ح 7781).

8ـ ما حكم نية المكلّف بالصوم وهو يعلم أنه مسافر قبل الظهر أو المرأة تنوي الصوم وهي تعلم بحصول الحيض قبل الغروب؟

ج ـ تعريف الصوم هو الامساك من طلوع الفجر الى غروب الشمس، قال تعالى: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ» (البقرة، 187) فمثل هذا الشخص لا ينوي الصوم حقيقة وإنما ينوي الامساك عن المفطرات فإن لم يسافر أولم يحصل الحيض لها ونوى الصيام فصومه صحيح. لكن جواز الإفطار متوقف على السفر الشرعي أو حدوث الحيض لها.

9ـ لو امتنع المكلّف من الصوم عصياناً. فهل يشمله احكام المفطرات و كفّارات الصوم؟

ج ـ إنَّ المستفاد من الادلة عدم خصوصية كفّارات الصوم للصائم فقط وانحصارها به، فلو أنَّ شخصاً وجب عليه الصوم ولم يصم تجري عليه جميع الأحكام في ظرف شهر رمضان. فإذا أتى بإحدى المفطرات وجب عليه الكفّارة كما قال به أغلب الفقهاء.

10ـ إذا جاء الصائم بعدة مفطرات أو كرّر المفطر الواحد عدة مرات فما هو حكمه؟

ج ـ أما تكرار المفطر الواحد فقد ذهب صاحب العروة وجماعة من الفقهاء إلى وجوب كفّارة واحدة ما لو كرّر نوعاً واحداً من المفطرات وذهب بعضهم إلى تعدّد الكفّارات ما لو أتى بالنوع الواحد من المفطرات في عدة جلسات وذهب بعض آخر إلى وجوب الكفّارة لكل لقمة يأكلها ـ وإن كان هذا محل اشكال ـ و ممّا لا شك فيه أنَّ إتيان كل مفطر في نفسه يعدّ ارتكاباً للمحرّم وإن لم تتكرّر الكفّارة. نعم لو جاء بعدّة مفطرات متنوعات فقد ذهب الجميع إلى تعدّد الكفّارات عليه (راجع العروة الوثقى، ج 3، ص 44 و ص 46، م 2 و م 7).

11ـ ما هو إجزاء الأمر الظاهري؟

ج ـ إنَّ الأوامر الظاهرية لو انكشف خلافها للواقع لا تكون مجزية وإن كان في باب التقليد مجزية اجماعاً فاذا تغيّر رأي مرجع التقليد أو عدل المقلّد من مرجعه إلى آخر تكون اعماله السابقة على العدول مجزية (راجع العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 1، ص 26، م 53).

وأحد المعاصرين رحمة الله عليه كان مصرّاً على عدم تمامية هذا الاجماع في الاصول وكان يشكك فيه لكنه في الفقه ذهب إلى ما ذهب إليه المجمعين. وأما مثل الميرزا القمي فقد اعتبره تاماً من باب انسداد باب العلم، لكن الشيخ الانصاري ذكر ملخص كلامه في كتاب الرسائل وردّ على أدلته.

12ـ ما هو وجه حجية الاجماع والشهرة؟

ج ـ طرق الاطاعة والعصيان عقلائي والاجماع بل شهرة أهل الخبرة حجة عند العقلاء بحيث إذا أصاب الواقع كان منجزاً وإن كان مخالفاً له كان معذّراً. نعم لا يدلّ هذا الكلام على كون الاجماع أو الشهرة في عرض الكتاب والسنة بل هو حجة كحجية الظواهر.

مثال ذلك هو أن شخصاً أراق الماء قبل وقت الصلاة ليصير مضطراً إلى التيمّم فانه وإن لم ترد رواية في حرمة ذلك إلّا أن العقلاء يصفونه بالعصيان، فقد جاء بالمحرّم لكن تيممه صحيح تجوز الصلاة معه.

13ـ لو علم المكلف أنه لو نام قبل صلاة الصبح بساعتين لا يتمكن من القيام للصلاة، فهل هذا جائز له؟

ج ـ إن لم يك السهر حرجياً أو ضررّياً لا يجوز له النوم حينئذٍ ويجب عليه السهر إلى وقت صلاة الصبح والاتیان بها.

ذكر بعض الفقهاء نظير هذه المسألة في خصوص من ینام بعد طلوع الفجر في شهر رمضان، فالمكلف يعلم بحصول الاحتلام إذا نام، فقد ذهب صاحب العروة إلى الاحتياط الاستحبابي في عدم النوم وأوجبه بعض آخر من الفقهاء وأفتى بعضهم بحرمته من باب المقدمّية لعنوان الاستمناء (راجع العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 10، ص 74، م 14).

 

 

================

 المطارحة العلمية الرمضانية الرابعة

 

نصّ المطارحة العلمية الرابعة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444 للهجرة، في بيته بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء يوم الأحد 4 شهر رمضان العظيم1444 للهجرة (26/3/2023م):

1ـ يشير صاحب العروة إلى تداخل الأسباب في الصوم بقوله: «اذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب أو جهات من الاستحباب أو من الأمرين فقصد الجميع أثيب على الجميع، وإن قصد البعض دون البعض أثيب على المنوي، وسقط الأمر بالنسبة إلى البقية» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 3، ص 12، م12) وعليه هل يمكن أن ينوي المكلّف عدة عناوين من الوجوب والاستحباب في صوم واحد؟ وهل يمكن أن ينوي الجمع بين صومين استيجاريين في يوم واحد؟

ج ـ إن الأصل في جميع الأمور هو عدم التداخل، نعم يمكن حصول التداخل في صومين غير مستقلّين، ولا تداخل بين عنوانين مستقلّين ومفرّدين في صوم واحد. فالصوم الاستيجاري هو من هذا القبيل لصدق عنوان مفرّد عليه فلا يمكن للمكلّف أن ينوي التداخل فيه.

ومثال التداخل هو: ما إذا كان بذمّة المكلف قضاء صوم يوم واحد من شهر رمضان المبارك، فقضاه في يوم النصف من شعبان فإنه يستحق الثوابين معاً، فإما هو من قبيل عامين أو من قبيل العام والخاص اللذين لا تنافي بينهما وهذا هو ما يستظهر من الادلّة.

2ـ ما هو رأيكم في تداخل صلاتين مستحبّتين؟ بعبارة أخرى هل الاصل في الصلوات المستحبة هو التداخل؟ لأنَّ الذي يظهر من الأدلة أن كل نافلة مستقلة عن غيرها؟

ج ـ كلّما استظهرنا من الادلة تفرّد النافلة فلا تداخل بينهما وفي غير ذلك من الموارد فإنَّ الظاهر من الروايات هو التداخل بين النافلتين. ويستظهر من الرواية الحاكية لفعل الامام الرضا عليه السلام حيث قرأ أربع ركعات من نافلة الليل على صورة صلاة جعفر الطيار سلام الله عليه أنَّ النوافل ليست مفرّدة. (راجع العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 2، ص 406، م 4).

فلو قيل: إنَّ هذه الرواية غير حاكية لقول الامام عليه السلام، يقال: إنّها تحكي فعل الامام عليه السلام فالراوي المصاحب للامام عليه السلام نقل لنا ظاهر فعل الامام فيستفاد من حكايته ما تقدم وكل الاحتمالات التي على خلاف ذلك بعيدة جداً.

ذهب جماعة من الفقهاء إلى جواز اعتبار صلاة الغفيلة من نوافل المغرب فيصلي أربع ركعات وإن كان بعضهم يرى أن نافلة المغرب بانضمام صلاة الغفيلة هي ست ركعات.

3ـ نظراً إلى ما تفضلتم به فإنه يجوز الاتيان بقضاء الصلوات في زمان النوافل ـ مع مراعاة الآداب ـ ويكون ذلك مجزياً عنها؟

ج ـ في خصوص هذه المسألة ذهب الشيخ البهائي وعدة أخرى من الفقهاء إلى إجزاء ذلك فمثلاً يجوز ادخال قضاء صلاة الصبح في نافلة الصبح فيكون القضاء مجزياً عن الاثنين، ولا إشكال في هذا القول صناعة إلّا في موارد يستفاد منها مفرّدية النافلة فلا تداخل حينئذٍ.

4ـ في كتاب الصلاة، ذكر الفقهاء تقابلاً بين الصلاة التبرعيّة وبين صلاة النافلة فيقتضي ذلك الفرق بينهما في الاحكام؟

ج ـ تسمية الصلاة بالتبرعيّة وصلوات النوافل والتقابل بينهما إنما هو من كلام الفقهاء ولم يرد ذلك في الادلة، فيحتمل عدم تقابلهما حقيقة، بل المستفاد من رواية «الصلاة خير موضوع» (وسائل الشيعة، ج 5، ص 248، ح 6461) عدم تقابلهما حقيقة. قال بعض الفقهاء ما كان من الصلاة المستحبة ذات وقت فانّها نافلة والصلاة التبرعيّة هي كلّ صلاة لا توقيت فيها وجعلوا ذلك فارقاً بين الصلاتين فلا يصح القول بتداخلهما، إلّا أنّ ما نحن فيه لا فارق بين الصلاتين من هذه الجهة.

5ـ هل يصحّ للمكلّف أن يأتي في وقت نافلة الليل مثلاً بصلاة تبرعيّة؟

ج ـ نعم يجوز ولا إشكال فيه. إلّا أنَّ ثواب النافلة متوقف على الاتيان بالصلاة بنية نافلة الليل.

6ـ لو أراد المكلف أن يقسم السورة خمسة أقسام في صلاة الآيات فهل يجوز له أن يقرأ أقل من الآية الواحدة؟

ج ـ قال صاحب العروة: «...ثم يقرأ بعدها آية من سورة أو أقل أو اكثر...» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 2، ص 241، فصل في صلاة الآيات).

7ـ ذكرتم في الجلسة السابقة حكم احتلام الصائم في يوم شهر رمضان، ويقول صاحب العروة في هذا الخصوص: إنه لو كان الصائم عالماً بالاحتلام جاز له النوم، وذهب أكثر المحدثين إلى جواز ذلك وقال بعضهم كآية الله العظمى السيد البروجردي بالاحتياط الوجوبي في ترك النوم، فما هو وجه هذا النهي؟

ج ـ وجه ذلك هي القاعدة المسلَّم عليها أن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، وقد ورد النهي عن الاستمناء في الصوم في الروايات كرواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: كفّارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً أو يعتق رقبة» (وسائل الشيعة، ج 10، ص 40، ح 12780).

وقد يرد استناداً إلى قاعدة لو كان لبان هذا الإشكال أنَّ الحكم إن كان كذلك لكان واضحاً وبيّناً؟ لكنه غير صحيح لأن ما نحن فيه ليس تام الاجزاء لينطبق عليه هذه القاعدة. فإنَّ المسألة المذكورة لم تثبت كثرة الابتلاء بها.

لو قيل: إنَّ ادلة الاحتلام مطلقة تشمل ما نحن فيه أيضاً ولا حرج في ذلك. يقال: إنَّ ادلة حرمة الاستمناء مطلقة أيضاً تشمل هذا المورد أيضاً كما لو علم الشخص أنه لو نام بكيفية خاصة أو أكل طعاماً خاصاً أو دواء احتلم فإنَّ الاحتلام ينسب إليه ولا منافاة فيه فيصدق عليه إجناب النفس حينئذٍ. فوجه تسمية الاحتلام هو خروج المني في النوم، فلم يكن الاحتلام مبايناً لإجناب النفس.

ولا يمكن الاستناد إلى رفع القلم عن النائم في ما نحن فيه فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (وسائل الشيعة، ج 1، ص 45، ح 81) ذلك أنّ ما بالاختيار لا ينافي الاختيار لأنَّ العمل ينسب إليه كما لو أن شخصاً رمى بنفسه من سطح الدار فانه في وسط الطريق لم يكن مختاراً في الاصطدام بالارض أو عدمه ولكن ينسب إليه الفعل لحصول الرمي اختياراً.

وقد استند بعضهم في ذلك إلى المقدمة المنتجة وهو تام هنا إلّا أنه مع وجود قاعدة ما بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا حاجة إليها في ما نحن فيه.

 

8ـ هل يجوز أخذ دواء أو أكل طعام يوجب الافطار من الصوم في خلال النهار؟

ج ـ كلا، لا يجوز ذلك فانه كالاحتلام العمدي الذي لا يجوز، تقول القاعدة الكلية لا يجوز للمكلّف الاتيان بما يتولّد منه الحرام.

9ـ لقد ذكر في المجلس السابق مسألة الصوم لمن يعلم حصول العذر له خلال اليوم المانع من الاتيان به. فلا إشارة لصاحب العروة إلى الفتوى التي ذكرتموها سابقاً بل يقول: «اذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخص وقد عدّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله» (العروة الوثقى والتعليقات عليها، ج 3، ص 62، م 4) وظاهر كلامه أعم ممّا ذكرتموه سابقاً؟

ج ـ هنالك فرق فارق بين الممسك والصائم ويظهر من كلام صاحب العروة ـ وإن لم يكن نصاً فيه ـ أنَّ المكلّف إذا علم بحصول العذر في اثناء النهار، فلا يتمكن حينئذٍ أن ينوي الصوم لأنَّ الصوم من العبادات فيلزم فيها النية ومثله الشخص الذي يسافر لمدة خمسة أيام وهو يعلم أنه لا يطول سفره أكثر من ذلك ومع هذا ينوي الاقامة عشرة أيام ليتم صلاته ويتمكن من الصوم.

ويكون كالمصلي الذي يصلي في مكان مزدحم فانه یعلم بحصول الانحراف عن القبلة في اثناء صلاته بسبب كثرة اصطدامه بالناس أو تفقد الصلاة صورتها الصحيحة لذلك فقد صرّح جمع من الفقهاء ببطلان صلاته من أول الأمر. أو كالساجد على موضع يعلم عدم حصول السجدة في اثناء الصلاة لخلل يقع في محل سجوده فصلاته باطلة أيضاً. لانه مع العلم بعدم الاستمرار لم يتمكن من النية إلى نهاية ذلك.

إنَّ وقت الصوم هو من طلوع الفجر الى اذان المغرب فينوي الشخص فيه الامساك عن المفطرات، فعدم امساكه عنها حرام أيضاً، كالفاسق الذي لا ينوي الصوم فعليه قضاء وكفّارة. وإن لم يحصل عنده اليقين بحصول العذر المانع من تكميل صومه فالنية الولائية لا إشكال فيها بل ويجب الامساك أيضاً.

10ـ إن لم يحصل العذر للشخص الذي أمسك عن المفطرات فما هو حكم صيامه؟

ج ـ لقد عمل المكلّف حينئذٍ بتكليفه الشرعي وهو الإمساك وبهذا الاعتبار يكون صومه صحيحاً، فهو كالمسافر الذي يصل إلى وطنه قبل اذان الظهر ولم يرتكب أياً من المفطرات وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى عدم خصوصية للمسافر الوارد في الدليل الخاص بل يتعدی الحكم إلى غيره من الموارد ويظهر لي صحة إلغاء هذه الخصوصية. ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن وقت تدارك نية الصوم في شهر رمضان هو إلى الزوال وللصوم المستحب إلى المغرب.

فقد ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام ـ ما مضمونه ـ عندما كان يرجع إلى البيت كان يسأل عن الطعام إن وجد أكل وإلا نوى الصوم لذلك اليوم. ويمكن التعدي إلى جميع المصاديق التي يتزلزل فيها نية الصوم، بوجوب الامساك فيها فإذا انكشف الخلاف فصومه صحيح إلّا إذا ورد دليل خاص أو ذكرت احتمالات تمنع من حصول الامساك. ففي مثل هذه المصاديق يمكن أن يكون الاستصحاب الاستقبالي مصححاً للصوم.

إن قيل: إنَّ ما نحن فيه انما هو من مصاديق المثبتات للاستصحاب فلا حجية لها. نقول: إنَّ المستصحب إنما هو حكم شرعي ففي ما نحن فيه المستصحب هي القدرة لا اثره وما يلازمه.

يجب الاشارة إلى هذه النقطة أنَّ الاصل العقلائي في كل شيء هو العدم إلّا في القدرة فالاصل وجود القدرة في المستقبل وبناء العقلاء دائماً يوجب بقاء القدرة وذلك من دون تمسك بالاستصحاب الاستقبالي أيضاً.

11ـ هل يجب تبييت النية في صوم شهر رمضان؟

ج ـ التبييت مأخوذ من بات. لقد ورد لزوم تبييت النية في صوم شهر رمضان في رواية معتبرة وعمل بها  بعض الفقهاء المعاصرين أيضاً، إلّا أن المشهور أعرضوا عن هذه الرواية وأفتوا بلزوم مقارنة النية لطلوع الفجر وذلك في صورة عدم الاحتمال المعارض.

12ـ ما هو حكم من سبَّ النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام؟ وقيل: إنَّ تطبيق الحكم عليه غير متوقّف على اذن الفقيه؟

ج ـ لتطبيق الحكم على الشخص المذكور، لابد من توفر شروط إلّا أن إجازة الامام ليست من شروطه. نعم من الشروط المهمّة المذكورة كراراً هو أن لا يكون تطبيق الحكم عليه يوجب وهن الدين وقد ورد في عدة روايات عن اهل البيت عليهم السلام. فإذا أوجب تطبيق الحكم وهناً للدين فلا يجوز إجراء الحكم عليه.

من تلك الروايات التي تشير إلى تلك الملاحظة الظريفة قوله صلى الله عليه وآله: «لو لا أنّي أكره أن يقال: إنَّ محمّداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير». (وسائل الشيعة، ج 28، ص 333، ح34887) ويظهر من هذه الرواية أنَّ مسألة وهن الدين أهم من إجراء الحدّ وإن ورد في الادلة عدم جواز تأخير إجراء الحد، ولكن دفع الوهن في الدين مقدّم على اجراء الحد.

14/ شهر رمضان/1444هـ