تقرير الجلسة الرمضانية العلمية الخامسة




 

موقع الإمام الشيرازي

 

في ليالي شهر رمضان العظيم يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحته دام ظله يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين

والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين

من فروع التزاحم

في ابتداء الجلسة طرحت هذه المسألة: لو أنّ امرأة ـ والعياذ بالله ـ ارتكبت الزنا وحملت منه، وزوجها تاجر، فإن قالت أنّ الولد ليس منه يقتلها، وإن أخفت ذلك سيلحق الولد به ويرثه من دون حق، فما هو التكليف؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: هذا أحد مصاديق التزاحم، والتزاحم قد يقع بين واجبين، أو بين حرامين، وحتى في المستحب والمكروه أيضاً. ففي باب التزاحم لابدّ أن يلاحظ أنّ أياًّ منهما أهم بحسب الأدلّة، وفي هذا المثال من جهة أنّ موضوع القتل في البين والقتل من المحرّمات الشديدة السبعة ومن الكبائر الأولية فالتجنب من القتل أهم، هذا إذا كان الموضوع يقينياً البتّة.

المستحبّ التوصلي

ثم جرى البحث حول المستحب التوصلي ونقل نصّ كلام لصاحب الجواهر: (نعم وقوعه على وجه العبادة يتوقف على أن يكون الفعل لأجل أمر الشارع وإرادته، ولا كلام فيه. فإنّ كل أمر مطلوب يصير بالنية وقصد الامتثال عبادة، ويحصل به التقرب، وهذا لا يقتضي توقّف حصول المطلوب مطلقاً على ذلك) جواهر الكلام ج 29 ص 22.

قال دام ظله: لا كلام أنّ العبادات تتوقف على قصد القربة، وبنحو كلي هنا مسألتان:

1ـ اللفظ المطلق، فإن له ظهوراً في الإطلاق.

2ـ ارتكاز المتشرّعة. فإن كبراه مسلّم وحجّة.

ذكر مثال بالبارحة: لو أنّ أحدًا قدّم رجله اليمنى عند الدخول إلى المسجد لكن لا من جهة الاستحباب، فهل يترتّب على ذاك العمل ثواب؟ أو وصل رحمه، لا لله تعالى بل من جهة كونه مأخوذا بالحياء، فهل لهذا العمل ثواب؟

هذا يتبع لهاتين المسألتين المذكورتين آنفاً، فمن جانب الإطلاق مقتضاه أنّ هذا عمل مستحبي ويترتب عليه الثواب، وأما لو كان الارتكاز على خلافه فيكون هو قرينته على الانصراف. وفي موارد ـ مثل احترام الوالدين أوحسن الخلق ـ يستفاد من الادلة أنها مطلوبة مطلقا ولو لم ينو القربة، وربما يعطى أجرين في مثل هذه الموارد: أجر لأصل العمل، وآخر لنية القربة فيه. ولكن الكلام هنا في موارد لا يستفاد المطلوبية مطلقا بمناسبة الحكم والموضوع والقرائن الداخلية والخارجية.

تعليم هارون وماروت السحر للناس

سأل أحد الحضور حول هاروت وماروت وتعليمهما الناس السحر كما جاء في القرآن العظيم: «وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ» (البقرة، 102). وأنّه كيف كانا يعلّمان السحر وهو حرام؟

أجاب دام ظله: مع أنّ تعليم السحر وتعلّمه حرام وجاء في رواية: «مَنْ تَعَلَّمَ شَيئاً مِنَ اَلسِّحْرِ قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً فَقَدْ كَفَرَ وكَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِرَبِّهِ» ولكن لا إشكال في تعلميه وتعلّمه لإبطال السحر ويمكن أن يكون واجباً في بعض الأحيان. والملكان هاروت وماروت، كانا يعلّمان السحر لأجل إبطال سحر السحرة، وما كانا يعلّمان من أحد إلاّ وقالا له: لا تكفر ولا تسحر أحداً فترتكب سوء الفعال فتكفر.

سأل أحد من الفضلاء عن حكم صوم الحامل المقرب والمرضع إذا أضرّ الصوم بها أو بولدها؟

أجاب دام ظله: في هذه المسألة ثلاثة أقوال وجاءت في العروة وحواشيها. من كانت حاملاً مقرباً ـ ولا خصوصية للمقرب لأنها مورد الرواية لا موضوعها ـ أو كانت مرضعة قليلة اللبن فلو أضّر الصوم بهما أو بولدهما يجوز إفطارهما بلا خلاف ويجب عليهما فدية. ولو تمكّنتا من القضاء إلى شهر رمضان القادم قضيتا، وإلاّ فلتؤديّا فدية اخرى لسقوط القضاء عنهما. وصورة اخرى للمسألة:

لو تضرّرت بنفسها لضعف بنيتها ـ مثلا ـ فيجوز لها الإفطار؛ لأنها من مصاديق المريض عرفا أو هي في حكم المريض أصلاً.

الصورة الثالثَة: لو يتضرر الوالد، قال جمع من الفقهاء: يجوز لها الإفطار لأنها ملحقة بالمريض.

حكم ذي العطاش

في ذي العطاش ـ والعطاش نوع مرض ـ كلام هل أن إحساس العطش له موضوعية أو طريقية؟ ويلوح أنّ له طريقية، فمن له مرض كليوي ـ ربما لا يحس هو بالعطش لكنه يحتاج شرب الماء ـ يجوز له شرب الماء.

والحاصل المقرب والمرضعة قليلة اللبن تعدان مريضين عرفاً لأنّ ضعف البنية في حكم المرض عرفا، ففي هذه الصورة يمكن التمسك باطلاق الدليل فيها.

تعارض الاستخارة مع قول الطبيب

سُئل سماحته: شخصٌ له عقيدة خاصة بالاستخارة وتعارض قول الطبيب الحاذق مع الاستخارة فما هو التكليف؟ مثلاً قال الطبيب الصوم يضرّه وكانت الاستخارة على خلافه؟

قال سماحته دام ظله: الاستخارة ليست بحجّة وأما الطبيب الخبير فقوله حجّة.

نعم، لو علم المكلّف ـ على خلاف رأي الطبيب ـ أنّ الصوم لا يضرّه، أو علم أنّه يضره، فالملاك تشخيصه نفسه، وهذه المسألة مطروحة في العروة: إنّ ملاك فعلية الضرر أو احتماله هو تشخيص المكلّف، فلو قال الطبيب الحاذق الثقة إنّ الصوم لا يضرّه وأحرز الشخص نفسه أنّ له ضرر عليه أو احتمل الضرر فقوله هو الملاك.

أمّا قولنا: إنّ احتمال الضرر في حكم الضرر، هذا لما أنّ احتمال الضرر مرتبة من الضرر عرفاً وعقلائياً، ومن جانب آخر لو لزم إحراز الضرر، للزم الإضرار في كثير من الموارد، ويقع المكلف في الضرر، وربما يمكن أن لا يحرز الضرر وكان احتماله احتمالاً عقلائياً، فالاحتمال منجز في هذه الصورة. نعم لو لم يحرز الضرر ـ لا سلباً ولا إيجاباً ـ لنفس الشخص بمعنى أنه يشك في ذلك، فيقدّم حينئذ قول الطبيب ويعمل عليه في هذه الصورة.

سأل أحد الحضور: أليس يلزم أن يكون احتمال الضرر عقلائياً بأن يحتمله عموم العقلاء، وإلاّ يمكن أن يتذرّع بعض فلا يصوم؟

أجاب دام ظله: قال المرحوم صاحب العروة: لابدّ أن يكون الاحتمال عقلائياً ولكن استشكل جماعة من الفقهاء فيه، ويبدو أن هذا الإشكال في محله يعني أن احتمال الضرر بينه وبين ربّه يكفي ولا دليل لنا، اعتباراً، أن يكون الاحتمال عقلائيا. بلى التذرّع أمر آخر ونفس الشخص واقف عليه وبصير.

سُئل سماحته: لوكان شخص قطاعاً أو وسواساً فكيف؟

أجاب دام ظله: القطع حجّة عند العلماء مطلقاً، سوى انّ المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء قال: قطع القطّاع ليس بحجّة. فعلى هذا لو قطع شخص ولم يلتفت أنّه قطّاع فقطعه حجة لنفسه، والحاصل أن لا ضرر ولا حرج كل منهما امر شخصي وليس بنوعي، يعني أن الملاك هو احتمال نفس الشخص. فقيل: عبّروا عن القطاع بالمريض: المريض الذهني؟

قال دام ظله: ليس هذا دليلاً على أن نقسّم القطع إلى قسمين، والقطع حجّيته ذاتية، وليست قابلة للجعل والرفع.

قيل: نعم القطع حجّة ذاتاً فكيف عند احتمال الضرر؟ فلو احتمل القطّاع الضرر فهل هذا الاحتمال حجّة له، وله أن يفطر؟

أجاب دام ظله: كما يرفع الضرر المقطوع عن القطّاع فلابدّ من القول برفع الضرر المحتمل أيضاً عنه، لأنّ احتمال الضرر أيضاً منجز.

فسّئل سماحته: لو فرضنا الحجّية بمعنى المنجزّية والمعذّرية، فهل يحسب العقلاء القطاع معذوراً؟

أجاب دام ظله: نعم، يحسبونه معذورا، لو استيقنوا أنّه قاطع وليس بمتمحّل، وهذا القطع وإن كان قطعاً غير متعارف إلاّ أنّه معذّر ومنجّز.

مثلا في باب استطاعة الحجّ، احد شروط الاستطاعة أن يكون مخلّى سربه، وهذا أمر شخصي وليس بنوعي، فإنّ الأشخاص مختلفين، فأحدهم يكون شجاعاً ويقدم على السفر، وآخر جبان لا يقدم عليه، فعلى هذا الضرر والحرج واحتمالهما أمر شخصي.

سئل: لو احتال أحد أنّه مريض ولم يصم فانكشف أنّ الصوم لم يضرّه فما هو حكمه؟

أجاب دام ظله: يترتّب الحكم على اليقين الفعلي، وكشف الخلاف شيء آخر، فحسب «لا ضرر» لو علم الضرر أو احتمله فلا تكليف عليه فعلاً، وأما لو انكشف الخلاف فعليه القضاء.

فسئل سماحته: ما هو الحكم في القطع الموضوعي؟

أجاب دام ظله: لا كلام في القطع الموضوعي، فلابدّ من لحاظ أن الشارع، أي حدود جعل له، وماذا يستفاد من الدليل.

كل المباحث إنّما هي في القطع الطريقي، وأما القطع الموضوعي فمثّلوا له بنحو الشهادة، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انظر إلى الشمس، فلو رأيت مثل هذا وكان الأمر بيّناً عندك مثل هذا فاشهد وإلاّ فلا. وروى ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وآله سئل عن الشهادة فقال: «‌تَرَى الشمسَ؟ على مِثلِها فَاشهَدْ أو دَعْ». المبسوط: ج 8 ص 172.

مع أن في مورد الرواية ـ أي الشهادة ـ له أن يشهد اتكالاً على الأمارة والبيّنة. ولا يخطر بذهني الآن مثالٌ للقطع الموضوعي في الأحكام الشرعية، نعم مثل بعض النذر، إذا نذر أحد لو قطع بشفاء مريضه يتصدّق، فقطع بأنّ مريضه شفي ولم يشفى بالواقع أو بالعكس: شفي المريض ولم يقطع هو به فما هو حكمه؟ فقال بعضهم: إنّ هذا مصداق للقطع الموضوعي.

كذلك سأل أحد من الحضور: ما هو حكم قطع القاضي؟

قال دام ظله: المسألة محلّ خلاف. في بعض الموارد يمكن أن يكون قطعه حجّة لنفسه ولو كان غير متعارف، وأما لغيره فهو كلام آخر.

سُئل سماحته: لو قطع المقلّد بخطأ مجتهده فما هو الحكم؟

أجاب دام ظله: المتسالم عليه بين الفقهاء أنّه لو قطع المقلّد بخطأ مجتهده في الحكم أو في مستند الحكم فلا يجوز له تقليده في هذا المورد، لأنّ دليل التقليد ليس بأعمّ.

الكذب على الله

وسأل أحد الحضور: من المعلوم أنّه لو قال الصائم كذباً: شهد الله أنّ الأمر الفلاني كذا وكذا، فبهذا كذب على الله قطعاً، وأما لو قال: أشهد الله أنّ الأمر الفلاني كذا وكذا ويقول كذباً، فما هو حكمه؟

أجاب دام ظله: يحسب الأول كذباً ومبطلاً للصوم. وأما الثاني لوعدّ عرفاً مساوياً للأول ـ والظاهر أنّه كذلك ـ فهو أيضاً كذب على الله ومبطل للصوم.

شخصية زيد بن الإمام السجّاد عليهما السلام

في ختام الجلسة، سأل أحد الحاضرين عن زيد عليه السلام ابن مولانا الإمام زين العابدين صلوات الله عليه، هل ممدوح أو مجروح؟ وجاء في رواية برجال الكشي أنّ الإمام الصادق عليه السلام ترحّم عليه.

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: الروايات في زيد بن علي عليه السلام مختلفة ومتعارضة، والمستفاد منها أنّ زيداً كان شخصاً مقبولاً وممدوحاً وجيّداً ولا غبار عليه ولا بأس به، والترجيح مع الروايات المادحة، فإن هو اشتبه في قيامه فمعذور عند الله تعالى، وهذا يطابق وجهة نظر عدد من الأكابر، ومثل هذا الاختلاف جاء في شخصية المختار الثقفي أيضاً.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

 

15/شهر رمضان/1442هـ

 


www.s-alshirazi.com