تقرير الجلسة الرمضانية العلمية الرابعة




 

موقع الإمام الشيرازي

 

في ليالي شهر رمضان العظيم يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحته يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

الصوم لمريض الأعصاب

في ابتداء الجلسة سأل أحد من الفضلاء: هل يجب الصوم على من به مرض الأعصاب بحيث يقدر على الصوم باستعمال الأقراص؟ وهل حكمه حكم المريض؟

أجاب سماحة السيد المرجع: قوله تعالى: (ومن كان مريضاً) له إطلاق يشمل المورد، وتسالم الفقهاء على أنّ المرض لا يعتبر فيه الفعلية، فلو احتمل أحدٌ أنّه لو صام مرض أو يشتدّ مرضه يسقط عنه الصوم لأنّ احتمال الضرر ضررٌ عرفاً، فمن به مرض الأعصاب وبجاجة إلى استعمال الأقراص لو تمكن من أن يتناولها ليلاً ويصوم نهاراً فيجب عليه الصوم وأمّا إذا اضطر إلى ذلك بالنهار فهو في حكم المريض بل هو مريض موضوعاً ولايجب عليه الصوم، ولو استطاع من قضائه فهو، وإلّا فعليه الفدية.

حكم المرائي بقصد التنبيه والتعليم

سئل: لو أنّ أحداً يأتي بعمل أوعبادة ليتنبّه غيره بأهمية هذا العمل ويهتموّن به أو يجوّد بالقراءة في الصلاة لتعليم غيره، فهل يعدّ عمله هذا رياء ويبطل؟

قال دام ظله: ما جاء في الآية الشريفة (رئاء الناس) وما جاء من التعابير الشديدة في الرياء بالروايات حتى عبر عنها بالشرك الخضي، هو إذا كان الرئاء للشهوات النفسانية، وأما إذا أظهر عبادته للآخرين لامتثال أمر إلهي مثل أنه يقوم بصلاة الليل لتعليم الزوج والأولاد فهذا الرئاء ليست بحرام وليس مبطلاً للعمل، لأنّ الله تعالى أمر بتعليمهم، حتى جاء في بعض الروايات بهذا المضمون: له أن يصلّي صلاة الليل جهراً كي تنتبه زوجه وأولاده فيصلوا هم أيضاً، فإنّ أصل هذا الرئاء قصد القربة وامتثال أمر إلهي. والملاك في مثل هذه الأعمال أنّه لو انتهى العمل إلى الله فهو جائز بل واجب في بعض الموارد (وأنّ إلى ربك المنتهى)، فلو عمل عملاً بقصد تعليم الآخرين فليس عمله هذا رئاء شرعياً مع أنّه رئاءٌ لغوي وما جاء في الروايات من أن الرئاء شرك خفي وذلك لما أنّ المرائي يعلم في نفسه أنّ عمله ليس الله تعالى ولو تظاهر أنّه كذلك.

بلع ريق فيه قرص

سأل أحد الفضلاء: لوجعل الصائم قرصاً صغيراً جدّاً في فمه وجمع ريقه بحيث يستهلك القرص فيه فهل يجوز له بلعه ولا يبطل صومه؟

قال دام ظله: لو استهلك في الريق حقيقةً يجوز بلعه ولا يبطل صومه لأنّه لا يصدق عليه الأكل، كما سبق في الدم الخارج من اللثة وقد استهلك في الريق وقد قلنا يجوز بلعه ولايجوز أكل الدم في غير الصوم، وأما إذا استهلك الدم فلا يصدق عليه عنوانه.

قال أحد من الحاضرين: بينهما فرق، فإنّ الدم في داخل الفم والقرص دخل الفم من الخارج أليس هذا فارقاً بينهما؟

أجاب دام ظله: ليس بفارق ظاهراً ولا فرق بين ما كان داخل الفم وبين ما دخل من الخارج. فإذا استهلك يجوز بلعه، لأنّ الموضوع تغيّر ولا يصدق عليه الأكل. وبلع الريق لا إشكال فيه في حدّ نفسه وحتى لو كان بتذكر الحامض ـ على تعبير صاحب العروة. ومسألة أخرى جاءت في العروة وهي: لو أدخل خيطاً في الفم فابتلّ ثم أخرجه فأدخله فمه مرّة أخرى ثم بلع ريقه فهذا يبطل صومه، ولكن علّق بعض الأعاظم على قوله وقال: لو استهلك في الريق فلا إشكال.

التدخين والصوم؟

وسؤال آخر طرحه أحد الحضور، وهو: أنّ التدخين لم يعدّ مبطلاً للصوم مع أنّه ليس بأكل والاشرب؟

قال دام ظله: كونه مبطلاً ليس من باب صدق الأكل والشرب عليه بل من باب فهم عدم خصوصية الغبار، وقد جاء في الرواية: «أوكنس بيتاً فدخل في أنفه وحلقه» ولكن العلماء احتاطوا فيه وجوباً، لأنّ الرواية فيها إشكال سندي على بعض المباني.

سُئل سماحته: ماذا تقولون بالنسبة لبخاخ التنفّس هل هو مبطل للصوم؟

أجاب دام ظله: لا، ليس بمبطل لأنّه لا يشمله ملاك الغبار وهو مورد شك، وعند الشك، يكون الأصل عدم الشمول.

تزاحم صلة الرحم وتأييد الظلم

بعدها سأل أحد الحضور: إذا كان الرحم شخصاً ظالماً وتعدّ زيارته تأييداً للظلم فما هو التكليف؟

أجاب دام ظله: قطع الرحم من المحرّمات وإذا تزاحم مع واجب أو حرام أهمّ فترتفع حرمته، والمستفاد من الأدلةّ أنّ حرمة تأييد الظالم أشدّ، فلو عدّ زيارته تأييداً للظلم أو تأييداً له ففي هذه الصورة لا يجوز زيارته.

علماً بأنّ هذه المسأله تختلف بحسب الأشخاص والأمكنة والمصاديق والأعراف.

وسئل سماحته: لو تبرّع أحد مبلغاً لإفطار الصائمين، وعند إفطارهم تواجد بينهم غير صائمين من الصغار والمسافرين وغيرهم، فهل يجوز إطعامهم من ذلك؟

قال دام ظله: مرّة تكون نيّة الباني أن يصرف هذا المبلغ في مائدة الإفطار، حتى لو كان بينهم غير صائمين أيضاً، أو علم هذا من القرائن المخارجية بحيث لو أخبر هو بعدها بذلك ليقول: كنت راضياً به فلا إشكال فيه حسب الفرض، وأما لو لم يتيّقن بذلك بل شكّ فيه فلا يجوز، لأنّ هذا المبلغ أمانة ولابدّ أن يصل إلى أهله.

ترتّب الثواب في المستحبّات

كذلك سأل أحد من الحضور: هل يتوقف ترتّب الثواب في الأعمال المستحبّة على قصد القربة، أم يترتّب عليها الثواب ولو لم يقصد القربة؟

أجاب دام ظله: هذا بحث مشكل وفيه قولان: قال بعض ـ ولعلّه منهم أخي المرحوم ـ يستفاد من الإطلاقات أنّ هذا العمل له محبوبية وعليه أجر وثواب ولو لم يقصد القربة، ويدل عليه أعمال المعصومين وكذلك إطلاقات كلامهم (عليهم السلام) مثل رواية «ثمرات على الريق» أو «أكل التفاح». ومن جانب آخر قال بعض: من مرتكزات المتشرّعة والمتديّنين أنّ العمل المستحبّي لا بد وأن يقع بقصد القربة حتى يترتّب عليه الثواب ولا خلاف في حجيّة كبرى ارتكاز المتشرّعة، والظاهر أنّه متسالم عليه، و بالنتيجة هنا استظهاران ولابدّ من أن يلاخط الإطلاقات وكذلك الارتكاز معاً، فنرى أي واحد منهما يترجّح على الآخر. نعم لو لم يحرز هذا الارتكاز أو كان محرز العدم، نتمسّك بالإطلاقات.

ولو قال أحد: مفاد الإطلاقات لزوم الامتثال، يعني مطابقة المأتي به مع المأمور به. فيقال في الجواب: المسألة هي: ما هو المأمور به؟ فهل هو صرف العمل مطلقاً، أم هو عمل بقيد قصد القربة ولله تعالى؟

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

 

14/شهر رمضان/1442هـ

 


www.s-alshirazi.com