الكلمة الرمضانية العاشرة للمرجع الشيرازي: عظيمة هي خديجة وعظيمة




 

موقع الإمام الشيرازي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لا نظير لخديجة

بعد وفاة خديجة رضوان الله تعالى عليها بسنوات، قالت أمّ سلمة أنّه ذكرنا اسم خديجة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فبكى وقال: (خديجة، وأين مثل خديجة). ثم قال صلى الله عليه وآله: (صدّقتني حين كذّبني الناس، وآزرتني على دين الله وأعانتي عليه بمالها). وهذا التعبير من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يقول عنه القرآن الحكيم: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) سورة النجم: الآية4. ويعني أنّ كل كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله هي وحي ومن عند الله عزّ وجلّ.

إنّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله (وأين مثل خديجة) هو استفهام، ويقال عنه في العلوم العربية إنكار إبطالي، يعني استفهام بالظاهر ولكنه كنابة عن إنكار هذا المطلب، وإبطاله، أي بطلانه. ومعناه: ليس مثل خديجة أحد. أي لا يوجد مثلها. وهذا التعبير من رسول الله صلى الله عليه وآله لعله لم يصدر عنه مثله لغير المعصومين لأحد، أي لشخص آخر. وأما المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم فهم خارجون بالتخصّص كما هو معلوم في الأدلّة القطعية المتواترة من القرآن الكريم والروايات المتواترة. فلا يوجد مثل خديجة في البشر وفي الملائكة.

ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث كلمات هي بمثابة جزئيات وأسباب لقوله (وأين مثل خديجة). فقد قال صلى الله عليه وآله: صدّقتني حين كذّبني الناس.

 

أوّل مسلمة

كان أوّل من أسلم بالظاهر هو الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو مسلم بالأزل، يعني من يوم خلق الله عزّ وجلّ المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم في عالم النور، هم مسلمون. وكان عمر الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه عشر سنوات في اليوم الذي أعلن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله الإسلام أوّل البعثة. والثاني ممن أسلم هي خديجة رضوان الله عليها، وبعدها أبو طالب وبعده شيئاً فشيئاً بعض المسلمين. وقوله صلى الله عليه وآله (صدّقتني) يعني على النبوّة وآمنت بي حين كذّبني الناس، أي حين كذّب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس، ومنهم من أقربائه وأكثر قريش، وحتى بنو هاشم، وأكثر عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله.

ذكر التاريخ انّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان عشرة أعمام أو تسعة، وأسلم منهم ثلاثة وهم أبو طالب وحمزة والعباس الذي أسلم في المدينة المنوّرة بعد ما جاء به المشركون إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله، واُسر في الحرب، فأسلم بعدها. والباقي الستة لم يسلموا، ولم يذكر التاريخ إسلام أحد من الستة. فأكثرهم كذّبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهم أعمامه، وكذلك كذّبه أولادهم. وذكروا انّ للنبيّ صلى الله عليه وآله ست عمّات، ثلاث منهنّ أسلمن، وثلاث لم يسلمن.

 

الناصرة بأموالها

قوله صلى الله عليه وآله (وآزرتني على دين الله) أي أعانتني بمالها. فقد كانت خديجة، لعلّها، أكثر مالاً من أي شخص آخر، في كل الحجاز والجزيرة العربية. فلقد كان تجّار قريش عمّالاً عند خديجة، حيث كانوا يأخذون الأموال منها ويتاجرون بها، ثم يأخذون قسماً من الربح، ويعطون لخديجة قسماً آخراً. حتى ذكروا أنّه ذات يوم جاء التجّار بأموال خديجة، أي بأصل الأموال وأرباحها التي تتعلق بخديجة، وكانت الأموال ذلك الزمان دراهم ودنانير من ذهب وفضّة. فأداروا (وضعوها) الأموال بين الجالسين، فصارت مجموعة كثيرة وارتفعت بحيث الجالسون في طرف الأموال لم يروا الجالسين في الطرف الآخر والجانب الآخر من الأموال، أي صارت حائلاً بينهم! وكان هذا قسم من أموال خديجة رضوان الله تعالى عليها.

لقد بذلت خديجة رضوان الله عليها كلّ مالها في سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث صرفها النبيّ في مكّة المكرّمة على المؤمنين وغيرهم، وعلى المسلمين وغير المسلمين، أي لكل من يحتاج ولكل فقير ولكل من طلب المال. وما بقي من الأموال صرفت في أيّام شعب أبي طالب. وكانت خديجة في الشعب، وبذلت آخر دينار ودرهم لها في الشعب الذي كان فيه مجموعة ممن أسلموا وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وغيرهم. فبذلت خديجة رضوان الله عليها أموالها على اولئك حتى انتهت، بحيث بقيت خديجة لا تحصل على وجبة أكل، وهي في الشعب، ولم تبدي ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله حتى مرّة واحدة.

 

عظيمة هي وعظيمة

إنّ كل كلمة من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله التي قالها بحقّ خديجة رضوان الله عليها، هي عالم من العظمة، وهي من فم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا (يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى). فعظيمة هي خديجة وعظيمة.

لقد حزن على خديجة المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم، أي زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وصهرها أمير المؤمنين، وابنتها السيّدة فاطمة الزهراء، وأولادها الأحد عشر المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين.

 

ينبغي إحياء ذكرى وفاتها

لذا، ينبغي وبمقتضى (يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا) على المؤمنين والمؤمنات، في كل مكان، في أرجاء العالم، أن يظهروا الحزن في وفاة خديجة وفي أيّام وفاتها. وينشروا وفاة خديجة في أطراف العالم، عبر الفضائيات والجرائد والمجلاّت والكتب والتمثيليات، وفي مختلف وأنواع النشر. فزكاة العلم نشره، أي كل ما يعلمه الإنسان هو مما ينبغي نشره. وهذا مما ينبغي نشره بكل تأكيد. وكذلك عليهم أن يتّخذوا يوم رحيل خديجة رضوان الله تعالى عليها يوم وفاة، ويعقدون المجالس. فلا شكّ انّ يوم وفاة خديجة هو يوم حزن للمعصومين الأربعة عشر كلّهم صلوات الله عليهم.

أسال الله عزّ وجلّ أن يوفّق الجميع في كل مكان من أطراف الدنيا لإقامة مراسيم العزاء والحزن بمناسبة وفاة أمّ المؤمنين خديجة رضوان الله عليها. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

تقرير: علاء الكاظمي

23/شهر رمضان/1441هـ


www.s-alshirai.com