سماحة المرجع الشيرازي: مفتاح توفيق الإنسان وعظمته بيده وبسعيه




 

موقع الإمام الشيرازي

 

زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في بيته بمدينة قم المقدّسة، جمع من مسؤولي وأساتذة وطلبة مدرسة الإمام الكاظم صلوات الله عليه العلمية الدينية من مدينة النجف الأشرف، في الثامن عشر من شهر ذي القعدة الحرام 1440 للهجرة، الموافق للثاني والعشرين من شهر تموز/يوليو2019م.

في بداية الزيارة، قدّم أحد أعضاء الوفد الزائر، لسماحة السيد المرجع، تقريراً عن فعاليات وأعمال المدرسة وتاريخ تأسيسها وافتتاحها، وكان مما ذكره أنّ المدرسة لها دوام مسائي أيضاً إضافة إلى دوامها الصباحي، والهدف من الدوام المسائي الذي جعلته بابه مفتوحاً للجميع، هو لكي يتمكّن كل من يرغب بدراسة العلوم الحوزوية في الانضمام إلى الدراسة والتعلّم، وبالأخص أصحاب الوظائف الحكومية والطلبة الجامعيين والكسبة وغيرهم.

بعدها استمع الضيوف الكرام إلى توجيهات سماحته، التي قال فيها:

يقول الله عزّ وجلّ: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) سورة النجم: الآية39. النفي والاستثناء من أدوات الحصر، أي لا يوجد غيرها، وإن كان الحصر إضافياً، لأنّ هناك مثل هذا الحصر أيضاً، ويضم ذاك إلى هذا. ومن النفي والاستثناء أيضاً، قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) سورة الفرقان: الآية 77، فعلى الإنسان الدعاء والسعي.

وأوضح سماحته: من أحد معاني السعي في اللغة العربية الركض، مثل قوله جلّ وعلا: (وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) سورة القصص: الآية20 ، أي جاء يمشي بسرعة وليس بهدوء أي يركض. ومن السعي هي الهرولة في الحجّ والعمرة.

وقال سماحته: إنّ كبار العلماء الماضين، منذ ألف سنة وأكثر وإلى هذا اليوم، وخصوصاً الذين كانوا في النجف الأشرف، كانوا مثلكم شباباً، وبتوجّههم إلى الله عزّ وجلّ وأهل البيت صلوات الله عليهم، أولاً، وثانياً بسعيهم، وفّقوا، ومنهم صاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، والمحقّق الأردبيلي، وقبله العلاّمة الحلّي، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليهم جميعاً. وأي واحد منكم إذا أراد أن يكون مثل اولئك الماضيين، فإنّ مفتاح توفيقه بيده هو، وخصوصاً الشباب، وإلاّ فسيكون التوفيق قليلاً للإنسان.

وقال سماحته: كتب السيّد محسن الأمين العاملي في كتابه (أعيان الشيعة) عن أستاذه الآخوند: ذات يوم قمت مع أحد الزملاء بعدّ عدد تلاميذ الآخوند فكانوا ألفاً ومئتين طالب. وكان هذا العدد من الطلبة ليوم واحد، وليس لطول السنة. ويمضي الآن أكثر من قرن على الآخوند، ولكن لا تجد ذكراً ولا حتى اسماً لهذا العدد الكبير من تلامذته سوى القليل منهم، مثل الميرزا النائيني، والشيخ العراقي، والشيخ الأصفهاني، والسيّد البروجردي، والسيّد القمّي. وبلى، إنّ اولئك الطلبة، أجرهم محفوظ عند الله تعالى، ولكن لم يصل الكثير منهم إلى مستوى وما وصل إليه الآخوند، الذي يُستفاد من كتبه ومؤلّفاته في الحوزات العلمية إلى اليوم وبالأخص في بحوث الخارج. وهكذا صار الشيخ المفيد، فبعد ألف سنة، لازال اسمه موجود وكتبه، وهكذا الشيخ الصدوق.

وأضاف سماحته: كتبوا أنّ الشيخ الأنصاري كان يحضر درس شريف العلماء في مدينة كربلاء المقدّسة، وكان عدد طلاّب درسه ألف طالب، أي كان الشيخ الأنصاري واحد بالألف من طلبة شريف العلماء، ومنهم أيضاً السيّد ابراهيم القزويني صاحب الضوابط، والسيّد مهدي القزويني. فلماذا لم يبق اسم وذكر هذا العدد من طلبة شريف العلماء، إلاّ القليل منهم، كالشيخ الأنصاري والسيّدين القزوينيين؟

وشدّد سماحته بقوله: إن شاء الله، عمركم طويل وفي خير وعافية، فحاولوا أن تكونوا ممن يُذكر اسمهم ويبقى ذكرهم، بعد مئة سنة أو مئتين وأكثر، وهذا يرجع إلى مدى اهتمامكم، ومدى سعيكم، وعمدة هذا الأمر، كلمتان، هما:

الأولى: التعبئة العلمية. أي انشغلوا، ليلاً ونهاراً، بمقدّمات علوم أهل البيت صلوات الله عليهم، وبعدها بعلومهم صلوات الله عليهم، ويعني بالدرس والتدريس والمباحثة والمطالعة والكتابة والتأمّل.

وذكر سماحته مثالاً حول ما ذكره في الكلمة الأولى، وقال: ممن عاصر الشيخ الأنصاري، وكان متقدّماً عليه، هو الشيخ محسن خنفر. وكتبوا في تاريخه، أيّام مرجعيته وتدريسه بحث الخارج في النجف الأشرف، انّه كان يحضر التدريس والدرس ولن يحمل معه أي كتاب، وكان يذكر الروايات ويقرأها عن ظهر القلب مع أسانيدها. أي كان حافظاً لمئات الروايات بأسانيدها.

أما الكلمة الثانية فهي: التقوى الحقيقية، وفي هذا الخصوص أذكر لكم قصّة أخرى عن الشيخ محسن خنفر رضوان الله عليه، تبيّن لكم التقوى الحقيقية، وهي:

مرض الشيخ محسن خنفر في أخريات حياته مرضاً أجلسه في البيت وألزمه الفراش، بحيث لم يستطع مزاولة شؤون المرجعية من التدريس، وتحقيق المسائل، والإجابة على الأسئلة الشرعية و...، وطال به المرض إلى أن توفي عام 1270 للهجرة، وتوفي الشيخ صاحب الجواهر قبله بأربع سنوات أي عام 1266 للهجرة، وفي الفترة ما بين وفاة صاحب الجواهر إلى وفاة الشيخ خنفر صارت المرجعية للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري. ونقلوا أنه جيء للشيخ الأنصاري بكيس كبير مملوءاً بالليرات الذهبية وكان الكيس يسع لمئة كغم، وبدون أن يفتحه الشيخ الأنصاري قال: احملوه إلى الشيخ محسن خنفر. فأتوا به إلى الشيخ خنفر فقال: ما هذا؟ قالوا: الشيخ الأنصاري يبلّغكم السلام ويقول هذا لك. فسأل عما فيه؟ قالوا: ليرات ذهبية. فجلس الشيخ خنفر وفتح الكيس وأخذ ليرة واحدة وكسر منها كسرة وأخذها وأرجع المتبقي منها في الكيس وقال: ارجعوا به إلى الشيخ الأنصاري، فهذا المقدار الذي أخذته يكفيني حالياً. وعندما أرجعوا الكيس إلى الشيخ الأنصاري قام بتوزيع ما فيه على الفقراء والأيتام وعلى المساجد والحسينيات وعلى مجالس أهل البيت صلوات الله عليهم وعلى المشاريع الخيرية الأخرى. وبعد أيام توفي الشيخ خنفر وتبيّن أنّ المقدار الذي أخذه من الليرة كانت حاجته وحاجة عائلته للأيام المتبقية من حياته.

وأردف سماحته: كان الشيخ محمّد رضا الأصفهاني من طلاّب المرحوم الآخوند الخراساني في النجف الأشرف، وبعد وفاة الآخوند جاء إلى مدينة قم المقدّسة وشرع بتدريس كتاب الكفاية. وقد نقل العديد من الفضلاء عنه كرامات عديدة، منها ما نقله أحدهم عن لسان الشيخ الإصفهاني وهي: في إحدى أيام شهر رمضان العظيم حيث صادف وقوعه في فصل الصيف ذهبت بعد الزوال إلى زيارة المرقد الطاهر لمولانا الإمام أميرالمؤمنين صلوات الله عليه. ولدى وصولي للمرقد رأيت أن عدد الحاضرين في الصحن الشريف لا يتجاوز العشرة لشدة الحرّ. فوقفت أمام الضريح الطاهر وبدأت بقراءة زيارة (أمين الله)، وتفاعلت شديداً مع عبارات الزيارة، رغم أنني كنت متعباً وجائعاً وعطشان جداً. وعندما وصلت إلى عبارة (وموائد المستطعمين مُعَدّة) رأيت أمامي مائدة واسعة وفيها أطيب الأطعمة والأشربة وأنا جالس آكل منها، فعلمت أنني في عالم المكاشفة. وبعد لحظات رجعت إلى حالتي الأولى ولكن وجدت نفسي شبعان ومرتوياً، وبقيت على هذه الحالة إلى الليل حتى أنني لم أجد رغبة لتناول الأكل أو شرب الماء حين الإفطار.

وقال سماحته: يحاول الشيطان وبكل قوّة، أن يلوّث الإنسان، وبالخصوص الشباب، ولكن الله تعالى قد منح الإنسان قوّة، ويمكنه بالقوّة أن يكون أقوى من الشيطان. فالذين وفّقوا، كانوا أقوى من الشيطان، وهذا بحاجة إلى عزم وتصميم وإرادة. فحقاً إنّه ليبعث على التأسّف أن يمضي عمر الإنسان ولا يكون قد وصل إلى ما وصل إليه الشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر، والشيخ محسن خنفر، فاهتموا بهذا الأمر، واعلموا انّ مفتاحه بيدكم أنتم.

وختم سماحته قائلاً: إنّ هاتين الكلمتين، أي التعبئة العلمية والتقوى الحقيقية، صعبة جدّاً، ولكن يمكن العمل بهما، والدليل هم الأعاظم الذين وفّقوا في التاريخ من العلماء الماضين. وأنتم في جوار مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأيّ جوار مثله في المنزلة والدرجات، استفيدوا من هذا الجوار للتعبئة العلمية والتقوى الحقيقية. وأنا أدعو لكم جميعاً وأنتم تدعون لي عند الإمام عليّ صلوات الله عليه.

 

23/ذو القعدة/1440ه

 

 


ـwww.s-alshirazi.com