الجلسات العلمية الرمضانية (18)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* المغصوب حقّها:

في بداية الجلسة، سأل أحد السّادة: وردت في زيارة السيّدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها):

«المغصوبةُ حقُّها»، فهل تُقرأ «حقُّها» بالرفع أم بالنصب؟ وبالنّظر إلى أن كلمة «الحق» المذكّر، ألا يُقرأ «المغصوبُ حقُّها»؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: هناك أمران بالنّسبة إلى هذه الجملة: وهما:

الأول: حول كلمة «المغصوبة».

الثاني: حول كلمة «حقّها».

أمّا بالنسبة إلى كلمة «المغصوبة» التي جاءت مؤنّثة، فقد وردت في كتاب (السيوطي)، و(المغني) والكتب النّحوية الأخرى، أنه لو وقعت كلمة بين التّأنيث والتّذكير فيجوز لها الوجهان: التّذكير والتّأنيث، وكلمة «المغصوبة» باعتبار أنها وصفاً للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومن جهة أخرى، فالشّيء الذي اغتصب هو: حقّ، وهذه الكلمة وقعت بين التّذكير والتّأنيث، ولذلك يجوز كلا الوجهين: «المغصوبةُ حقُّها»، و«المغصوبُ حقُّها»، وقد وردت على هذا المنوال كثيراً في الكلام الفصيح. أمّا بالنسبة إلى إعراب كلمة «حقُّها» فيبدو جواز الوجهين أيضاً، الرّفع والنّصب، وبالرّفع لأنّها نائب فاعل «للمغصوبة»، وبالنّصب لأنّها شبه مفعول الثّاني، أو بعبارة أخرى بدل، كما يُقال: «غصب زيدٌ عمرواً ماله»، ويمكن أن يكون بتقدير فعل محذوف، كمثل «أعني».

وسأل أحد الفضلاء بالنّسبة إلى زيارة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وقال: نقل هذه الزّيارة الشيخ في (التهذيب)، ولكن المرحوم الشيخ خضر بن شلال لم يذكرها في كتابه (أبواب الجنان)، وقال: بأنها غير مرويّة.

قال سماحته: من الممكن أنه لم ير هذه الرّواية، ولذلك قال بأنها غير مرويّة، ولكن يُستبعد أنّ الأصحاب جعلوا هذه الزّيارة من دون أن يُشيروا إليها.

 

* الشيخ خضر شلال:

ثمّ قال سماحته: كان المرحوم الشيخ خضر بن شلال من تلامذة المرحوم السيّد بحر العلوم، وله كتباً أصولية وفقهية جيّدة، ولكن لم تُطبع مع الأسف، والكتاب الوحيد المطبوع له هو هذا الكتاب (أبواب الجنان)، وهو كتاب شبيه بكتاب (مفاتيح الجنان)، وقد بحث في بعض أبوابه بحوثاً استدلاليةً. والمرحوم الشيخ خضر هو الشخص الوحيد الذي رأيت قد كُتب عنه: «كان صاحب سرّ المرحوم السيّد بحر العلوم». وقد ذكر بنفسه عن المرحوم السيّد بحر العلوم، بأنه قد قال:

رأيتُ مرّة الإمام الحجّة (سلام الله عليه، وعجّل الله فرجه الشّريف) فوق رأس الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، وكان الإمام (عليه السلام)، يقول له: «تنحّ». فهنا تقف فوق رأس الضّريح. وكأنّ السيّد بحر العلوم كان ملتصقاً بالضريح، فقال الإمام الحجّة (عليه السلام)، له: ابتعد قليلاً، ولتكن فجوة وفاصلة بينك وبين الضّريح.

لهذا السبب حينما كان يتشرّف المرحوم السيّد بحر العلوم إلى زيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، كان يقف بعيداً عن الضّريح، ويقرأ الزيارة. وأنا ما زلت أتذكّر حينما كنّا نتشرّف بمعيّة والدي إلى زيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، كنت أراه غير ملتصق بالضّريح، وكانت هناك فجوة بين السيد والضريح.

في تلك الأيام قام تاجران من التجّار المحترمين، أحدهما المرحوم السيّد عبد الحسين البهبهاني، والآخر المرحوم الحاج علي الأصفهاني، بالاتفاق على صنع ضريح جديد للإمامين العسكريين (عليهما السلام)، وقد استجازا من المرحوم والدي من سهم الإمام (عليه السلام)، ومع أنّ المرحوم الوالد كان له احتياطاً شديداً بالنسبة إلى سهم الإمام (عليه السلام)، ومع ذلك أعطى إجازة كتبية بأن يصنعا الضريح الجديد، ولكن بشرط أن تكون هناك فاصلة قصيرة وفجوة قليلة عن مكانه السّابق، حتّى لا يكون فوق القبر الطّاهر مباشرة.

 

* الإفطار المتكرر:

سُئل: إذا أفطر شخص عامداً في شهر رمضان المبارك، فالصيام باطل وعليه الكفّارة، ولكن إذا تكرّر الإفطار منه مرّتين، فهل يجب عليه كفارتان؟ وإذا لم يكن لشخص نية الصيام منذ أول رمضان ولم يصم بتاتاً، إذا كرّر الإفطار، هل تتكرّر الكفّارة أيضاً؟

أجاب سماحته: بناءً على القول المشهور بين الفقهاء لا يختلف بأنه كان صائماً، وبعد ذلك أبطل صومه، أو أنه لم ينوي بنية الصيام منذ أول الشهر، ولكنه حينما يكرّر الإفطار، فإنّ الكفّارة تتكرّر، وفي كلا الحالتين تتكرّر الكفارة أيضاً، والبعض قالوا مع تكرّر المفطر لا تتكرّر الكفارة، وفي كلا الحالتين عليه كفارة واحدة.

 

* المراد من صلة الرحم:

وسأل أحد الحاضرين في الجلسة: ما المراد من الصّلة في صلة الرّحم؟ وهل يكفي صرف الارتباط؟ أم لابدّ أن يُهدي بهدية أيضاً؟

قال سماحته: الصّلة في بعض الرّوايات هي بمعنى إعطاء المال، ووردت في الروايات بأنّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يُعطون الصلة، أيّ مالاً. لكن الصّلة ليست منحصرة بالمال فقط، وكلمة «صلوا أرحامكم»، من الوصل في مقابل القطع، ومن أيّ نوع من الضدّين هما، فمبحثه في مكانه. و«الصلة» بمعناها العُرفي هي أن تكون وصلاً، وليس قطعاً، وللوصل مصاديق كثيرة، منها الذّهاب للقاء، إعطاء المال، إرسال الهدايا، كتابة الرسالة، الاتصال هاتفياً، وبناءً على هذا لا يستلزم أن تكون الصّلة إلى جانب المال، أو الهدية، على الدّوام.

سُئل: إذا لا يلتقي برحمه أساساً، ولكنه يُرسل إليه بالهدية، فهل يصدق صلة الرحم؟

قال سماحته: نعم، هذه أيضاً من مصاديق صلة الرحم، ولكن إذا مالَ التّرك نحو الخصومة، فهذا يُعدّ قطعاً للرحم.

الخلاصة أنّ معنى الصّلة والقطع هو كما عرّفه العُرف، فأينما يصدق عرفاً قطع الرحم، فحرام، ولذلك من الممكن أن يكون هناك لقاء، ولكن لا يصدق القطع عُرفاً، فإنّ صرف ترك اللقاء لا يكون قطعاً للرحم على الدّوام، ومن الممكن نستطيع القول: قطع الرحم مصاحب مع الخصومة، وبناءً على هذا إذا لم يلتقي رحمان مدّة من الزّمان لعدم وجود سبب ما، والآن وبعد مرور عدّة أشهر التقيا بمناسبة ما، فأحدهما سلّم، والآخر أدار ظهره، ولم يردّ عليه، فهذا قطع للرحم. على كلّ حال، وبناءً على المشهور والمنصور، جميع مصاديق صلة الرحم مستحبّة، وقطع الرحم حرام.

سُئل: هل يوجد لدينا قطع الرّحم الجائز أيضاً؟

قال سماحته: إذا تزاحم مزاحم مع أهم آخر، مثلاً: يريد أن يذهب إلى لقاء الرّحم فإنّه سوف يفوته الحجّ، وإذا ذهب للحجّ فسيكون ترك للرحم، بحيث أنّ قطع الرحم يصدق عليه، ومع وجود المزاحم يكون الأهم، قطع الرّحم، بالمعنى الأعم، جائزاً.

 

* إذا التصقت التربة بالجبين:

المسألة الأخرى التي طُرحت: إذا قام شخص من السجدة الأولى في الصلاة، والتصقت التربة بجبينه، ومن دون أن يُزيل التربة سجد مرة أخرى، ما هو حكمه؟ وهل قام بسجدتين اثنتين؟

قال سماحته: قال صاحب (الجواهر)، وجماعة: لا مانع منه، لأنّه عُرفاً يُقال بأنّ هذا الشخص قد قام بسجدتين، وليس بسجدة واحدة، ولكن بعض الفقهاء قد استشكلوا، وقالوا: يجب أن يزيل التربة من على جبينه، ثمّ يذهب إلى السجدة الثّانية، ولكن يبدو في الظّاهر يصدق السجدتين على التراب عرفاً.

 

* الحجاب القسري:

سُئل: هل نستطيع أن نُكره ونجبر شخصاً على الالتزام بالحجاب، أو بقيّة فروع الدين الأخرى؟

أجاب سماحته: النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي جاء بالأحكام الإسلامية، وطبّق هذه الأحكام، وكذلك الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حكومته، كانت السّيرة العطرة لهما مبنيّة على عدم إلزام الشخص بالواجبات. وتصرّح الآية الشّريفة أيضاً: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. وقال تعالى أيضاً: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. وهذه المسالة طُرحت حول الخمس والزكاة، فإذا تعلّق الخمس والزّكاة على ذمّة شخص، ولكنه يأبى من الأداء، فهل يجوز أن يُؤخذ منه بالجبر والإكراه؟ وقد أشار المرحوم السيّد في (العروة) إلى هذه المسألة، وبشكل عام فإنّ المسألة خلافية.

كما لدينا روايات متعدّدة وموثّقة، بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قد قال: «لولا أنّي أكره...». وأنا لم أسمع من الفقهاء حتّى أولئك الذين كانت لديهم القوّة والمكانة الاجتماعية الكبيرة، كمثل المرحوم كاشف الغطاء، قد أخذ من أحد، الخمس أو الزكاة، بالجبر والإكراه.

على الأغلب، فإنّ موارد تنفيذ القسر والجبر تكون مزاحمة مع الأهم، وهي سيّئة بالنسبة إلى سمعة الإسلام والمسلمين.

ثم قال أحد السّادة: من الممكن أن تكون الآية الشريفة {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، تهديداً، وكذلك الآية الشريفة {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}؟

قال سماحته: ليس معلوماً أن تكون تهديداً، هل لها العموم؟ والآن إذا مات شخص، ولم يكن بسبب ما، مقتنعاً بحقّانية الإسلام، ولم يكن مقصّراً أيضاً، ألا تكون الآية الشريفة تهديداً له؟ نعم من الممكن أن تكون تهديداً بالنسبة إلى المعاند.

من ناحية أخرى فإنّ الآية الشريفة {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، وردت في سورة الكافرون، وهي مكيّة، ولا تدلّ على التّهديد، بل يريد أن يقول: أنا لا أريد أن ألزمك، ولكن لن أتخلّى عن ديني.

كذلك وردت في الرّواية أنّ الكفار اقترحوا على الرسول (صلى الله عليه وآله): أن تكون مدّة من الزمان في ديننا، ونكون نحن مدّة من الزمان في دينكم. وعند ذلك نزلت سورة الكافرون.

وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين

5/شوال/1440هـ

 


www.s-alshirazi.com