الجلسات العلمية الرمضانية (7)




 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* صيام البالغين حديثاً:

في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء: الولد البالغ حديثاً، أو الفتاة البالغة، في السنة الأولى من صيامهما، ونتيجة للصيام، ينتابهما ضعف شديد، وينهاران، وهما غير قادرين على الصيام، هل أنّ تشخيص الصيام المضرّ لهما، عليهما؟ أم الملاك تشخيص الأبوين؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في الجواب: إذا كان الشخص البالغ حديثاً من أهل التّشخيص، فالملاك تشخيصه هو، لأنّ الفقهاء تسالموا على أنّ الضرر والحرج شخصي، ولكن إذا لم يستطع المراهق التّشخيص، فالاعتبار تشخيص وليّه، لأنّ الوليّ يتولّى مصالح المولّى عليه، وإن لم يكن له ولياًّ (الأب أو الجدّ الأبوي)، فتشخيص الثّقة الآخر، كالأم أو الأخ الأكبر أو بقيّة الأرحام الذين لا ولاية لهم عليه، وإذا قاموا بالتّشخيص بأنّ للصيام ضرراً أو حرجاً على المراهق البالغ حديثاً، وطبق تشخيصهم هذا يستطيعون أن يقولوا للولد: أفطر ولا تصم.

الأصل الأوّلي في باب الضرر والحرج تشخيص الشخص نفسه، وقال الفقهاء، ومنهم صاحب (العروة): حتى لو أنّ الطبيب، وهو من أهل الخبرة الثّقة، ولقوله اعتبار شرعي وعقلائي، وقوله أمارة وحجّة، إذا قال شيئاً، ولكن الشّخص نفسه شخّص على خلاف الطبيب، فإنّ المكلّف يعمل بتشخيصه هو.

في الرّواية التي وردت في باب الصوم، سُئل الإمام (عليه السلام): ما هو حدّ المرض المجوّز للإفطار؟ فقال (عليه السلام): «إن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصم». وقال (عليه السلام) في رواية أخرى: {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}.

عن سماعة، قال: سألته ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار، كما يجب عليه في السّفر من كان مريضاً أو على سفر، قال: «هو مؤتمن عليه مفوّض إليه، فإن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصمه، كان المرض ما كان».

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، قال: كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام): أسأله ما حدّ المرض الذي يفطر فيه صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائماً، قال: « {بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} ، وقال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه».

 

* صيام الطفل غير البالغ:

قال أحد الفضلاء: هل لصيام الطفل غير البالغ شرعية؟ أي أنّ عبادات الصبي مجرّد تمرين أم لها مشروعيةً؟

قال سماحته: في هذه الجهة ليس هناك فرق بين الولد البالغ وغير البالغ، وعبادات الصبي المميّز شرعية يُثاب عليه.

 

* نبش القبور القديمة:

سأل أحد الفضلاء: نبش قبور الأموات الذين مضى على موتهم أكثر من ثلاثين عاماً، هل يجوز دفن ميّت آخر في قبورهم؟ وإذا دفن ميّت آخر ألا يُعدّ ذلك غصباً للمكان؟

أجاب سماحته: هنا لابدّ من ذكر مسألتين:

1- نبش قبر الميّت المسلم غير جائز بالإجماع، إلاّ في موارد خاصّة ذكرت في محلّها، علماً أنّ النّبش يصدق حينما تكون عظام الميّت باقية، وإذا شكّ فاستصحاب الحرمة جار، إلى أن يحرز عدم صدق النّبش.

2- ثمّ قال سماحته: والمسألة الثّانية: دفن الميّت الآخر في قبر الميّت الأول، أيضاً لها حالتان:

أحياناً القبر يكون ملكاً للميّت الأول أو لورثته، كمثل أن يدفن الشخص في داره، ففي هذه الصورة لا يجوز دفن الميّت الآخر. وأحياناً دفن الميّت في الأوقاف العامة، وفي هذه الحالة إذا لم يصدق النّبش فلا إشكال فيها.

 

* مالكية الأراضي العامة:

سُئل: هل أنّ الأراضي العامة ملك للدولة والحكومة؟

فقال سماحته: يقول الدليل: «الأرض لله ولمن عمّرها»، فالأرض ذاتاً لله سبحانه، وبالعرض جعل الله سبحانه وتعالى هذه الملكية للذي يعمّر الأرض.

 

* إهداء أعضاء الجسم:

المسألة الأخرى التي طرحها أحد الحاضرين: هل يستطيع الشخص أن يهدي أعضاء جسمه؟ وما هو الحكم الشرعي لهذا العمل؟

فقال سماحته: في هذه المسألة يجب أن يفصّل بين الأعضاء الظّاهرية والأعضاء الباطنيّة، فبالنسبة إلى الأعضاء الظّاهرية لا يجوز إهدائها، لا في زمن الحياة ولا بعد الوفاة، لأنها مصداق المُثلة، ولكن بالنسبة إلى الأعضاء الباطنية كالكلية والكبد، فتجوز في زمان الحياة لأنها ليست مصداقاً للمُثلة، وبعد وفاته إذا أوصى الشخص بنفسه أن بعد وفاته (وذلك بعد الموت الكامل، وليس الموت الدّماغي الذي ليس موتاً كاملاً) تهدى بعض أعضائه الباطنية، فهذا جائز، ولكن إذا لم يوصي فلا يحقّ للورثة الإهداء.

علماً أنّ المسألة خلافية، والأعمّ يستدلّون بـ«النّاس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم»، إلاّ إذا وقع ضرر بالغ على الشّخص.

 

* رواية قاعدة السّلطنة:

قال أحد الفضلاء: لم تذكر في الرواية «أنفسهم» بل ذكرت فقط «أموالهم»؟

قال سماحته: في الرّواية المرسلة أيضاً ذكرت «أنفسهم»، وهي مورد لعمل الفقهاء، وإذا لم يقبل بها أحد يُستفاد من الآية الشريفة التي تصرّح: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} بأنّ الشّخص له الولاية على نفسه، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كانت ولايته أعلى، وعند التزاحم مقدّمة.

البحث المذكور متسالم عليه بين الفقهاء، وأنّ هذه الآية الشّريفة يستفاد منها على ولاية الشّخص على نفسه، ومنهم صاحب (الجواهر) الذي يستدلّ في (الجواهر) بهذه الآية، وهكذا الشيخ الأنصاري والميرزا النّائيني وبقيّة الأعاظم.

وقال أحد الفضلاء: أحياناً ينسلخ «أفعل التفضيل» عن معنى التّفضيل، ويمكن أن تكون من هذا القبيل في هذه الآية، ولا نستطيع أن نستفيد بأنّ الشخص له ولاية على نفسه؟

قال سماحته: فصل «أفعل التفضيل» عن معنى التّفضيل خلاف الأصل، وهي مجاز وتحتاج إلى قرينة.

الخلاصة: أنّ ظاهر الآية الشّريفة تدلّ على أنّ الشخص نفسه له ولاية على نفسه، ولكن ولاية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مقدّمة عند التّزاحم.

المثال على هذه المسألة أوردها الفقهاء عند ولاية الأب والجدّ الأبوي، فإذا عقد الأب والجدّ كلاهما في آن واحد زوجاً للبنت، قيل: بأنّ ولاية الجدّ أولى ومقدّمة، و«الأولى» هنا يعني بأنّ الأب له الولاية أيضاً، ولكن ولاية الجدّ مقدّمة عند المزاحمة.

 

* مصلحة الأهم وإهداء العضو:

وقال أحد الفضلاء: ما قلتم به من أنّ إهداء العضو لا يجوز لجهة المُثلثة، نرجو ألاّ يكون مطلقاً، لأنه أحياناً المصلحة تقتضي أن يهدى العضو؟

قال سماحته: مع إحراز مصلحة الأهم هناك عنوان ثانوي، وليس الآن محلّ البحث، علماً أنّ هذه الأهمية يجب أن تحرز من الشّرع، لأنّ الأهمّ هو الحكم الشرعي، وفي هذه الحالة نقول بالجواز، كما تتغيّر الأحكام الأوّلية عند عروض العناوين الثانويّة.

وسأل أحد الفضلاء: قد قلتم بجواز إهداء الأعضاء الباطنية، ألا تكون مصداقاً لهتك الحرمة؟

قال سماحته: كلا، لا تعدّ هتكاً في العرف.

 

* حدود ولاية الشخص على نفسه:

سُئل: ما هو حدّ ولاية الشخص على نفسه، مثلاً هل يستطيع أن يقطع يده؟

فقال سماحته: للشخص ولاية على نفسه، إلاّ في ثلاثة أو أربعة أشياء، وهي:

1- الانتحار، بدليل الآية الشريفة: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}.

2- قطع العضو: بدليل الإجماع.

3- تعطيل وإتلاف إحدى أعضاء الجسم: كقوّة الإنجاب، بدليل الإجماع.

4- المورد الرابع ليس اجماعياً، وقد طرح قليلاً، وهو: تعريض النّفس للأمراض الخطيرة، وعلى سبيل المثال أن يعمل الشخص عملاً يُصاب فيه بالسّرطان.

يبدو أنّ هذا المورد أيضاً غير جائز، ودليله الارتكاز، لأنّ المتشرّعة قبلوا بكبرى الارتكاز، وهم استندوا عليه، ويبدو من المورد الرابع صغرى الارتكاز.

سُئل: هل يحقّ للأب أن يهدي الأعضاء الداخلية للولد؟

قال سماحته: كلا، ليست له مثل هذه الولاية.

 

* الاختلاف في الأوقات الشرعية:

سُئل: إذا عيّن أهل الخبرة لأجل آذان الصبح أو المغرب وقتين مختلفين، أحدهما مقدّم والآخر مؤخّر، فما هو الحكم في مورد الإمساك والإفطار؟ وهل يستطيع الشخص استناداً على الوقت الثّاني، أن يؤخّر الإمساك؟ أو استناداً على الوقت الأول أن يعجّل بالإفطار؟

قال سماحته: إذا استطاع الشخص نفسه أن يفحص ويصل إلى النتيجة عليه أن يفحص، لأنّ قول أهل الخبرة في مثل هذه الأماكن المتعارضة ليست حجّة له، ولكن إذا لم يكن له طريقاً للفحص، ولجهة تعارض أهل الخبرة وتساقطها، يستطيع الرجوع إلى الأصول التّرخيصيّة أو الاستصحاب.

 

* الفحص في الشبهات الموضوعية:

في الموضوعات، هناك بحث: هل أنّ الأصول التّرخيصيّة تجري فقط بعد الفحص؟ أم أنها تجري قبل الفحص أيضاً، أي أنّ الأصول الترخيصيّة لا تجري في الأحكام قبل الفحص؟

بعبارة أخرى: هل يلزم الفحص في الشبهات الموضوعية أم لا؟

من الغرائب بأنّ شخصاً كمثل المرحوم الشيخ الأنصاري ادّعى في (الرسائل) بالإجماع بأنّ في الموضوعات، لا يكون الفحص واجباً، ولكنّه هو بنفسه في الفقه، وفي أبواب مختلفة منها، وفي عشرات المسائل الأخرى يفتي بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية.

خلاصة الكلام هي: وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية أيضاً كمثل الشبهات الحكمية، نعم في الشبهات الحكمية، إضافة إلى سائر الأدلّة، الإجماع أيضاً موجود، ولكن لا يوجد هذا الإجماع في الشبهات الموضوعية، ولكن بقيّة الأدلة تدلّ على لزوم الفحص.

وقال المشهور في مقام الفتوى، وفي مختلف موضوعات المسائل الفقهيّة، باستثناء الطهارة والنّجاسة والنكاح، بأنّ الفحص لازم، ونادر من الفقهاء أفتوا بعدم وجوب الفحص في مطلق الموضوعات.

ووجوب الفحص في الموضوعات، مشروط بعدم الضرر والعسر والحرج، وبقية العناوين الحاكمة، كما في الأحكام أيضاً وجوب الفحص مشروط بها.

إذن.. على العموم فإنّ الموضوعات على لزوم الفحص هي كمثل الأحكام إلاّ ما خرج بالدّليل، كمثل الطهارة والنجاسة والنكاح، لأنّ في هذه الموارد هناك دليل بأنّ الفحص غير واجب، وهي إجماعي أيضاً.

في باب الطهارة والنجاسة والنكاح جعل الشارع نفسه التّسهيل، وعلى سبيل المثال يقول صاحب (العروة): إذا حكّ الشخص ظهره وأحسّ برطوبة على يده، وشكّ هل أن ظهره قد جرح وتنجسّت يده؟ أم أنه كان قيحاً وهو طاهر؟ فيقول: لا يلزم الفحص.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين

15/ شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com