الجلسات العلمية الرمضانية (3)




 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

 

 

* شمولية خبر الثقة:

سُئل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في بداية هذه الجلسة: هل ما يقوله العلماء: أهل الخبرة الثّقة قولهم حجّة حتى وإن لم يكونوا شيعة، وهل تتنافي مع رواية: «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا» .

فقال دام ظله: حجيّة خبر الثقة غير المسلمين مورد للبحث في موردين اثنين، وهما:

الأول: مسألة الأحكام، أي الواجب والحرام والمستحبّ والمكروه والمباح.

الثاني: موضوعات الأحكام. وأقوال العلماء في حجّية القول المطلق لأهل الخبرة الثّقة هي في الموضوعات.

وهل أنّ أهل الخبرة الثّقة حتى وإن لم يكن مسلماً، قوله حجّة في الموضوعات، ذكرت هذه المسألة في (العروة)، وقبل بها الأغلبيّة.

علماً أنّ حجيّة قول أهل الخبرة الثّقة هي في مكان لا تكون خلافها محرزة.

الدّليل بأن قول الثقة غير المسلم ليست حجّة في الأحكام هو الإجماع ظاهراً.

وأمّا بالنسبة للمسلم غير الشيعي، وهل أنّ قوله حجّة في باب الأحكام أم لا؟ محلّ خلاف، فجماعة كمثل الشهيد الثاني في الرجال وولده صاحب (المعالم) في الفقه، قالوا: يجب أن يكون شيعياً في باب الأحكام، وذلك استناداً على وجوه، ومنها هذه الرّواية: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا».

لكن مشهور الفقهاء الشّهرة العظيمة، فيقولون: حينما يكون ثقة كاف، ولا يلزم أن يكون إمامياً أو اثنا عشرية، ولذلك فإنّ في الرّواة العديد من غير الشيعة الإثنا عشرية الإمامية، ولكن المشهور عملوا برواياتهم.

وأمّا رواية: «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا»، فإنّ المشهور قالوا: الجهة نهت عن الرّواية من أخذ الأحكام عن غير الشيعة، لأنّ الأغلبية كانوا كذلك، لأنه ليس هناك اطمئنان من غير الشيعة، وهو ليس محلاً للثّقة، وأمّا لو كان من أهل الثّقة ومورداً للاطمئنان، فإن الرواية لا تشمله.

علماً أنّ تتمّة الرّواية تُشير إلى هذا البحث: «وأمّا ما ذكرت يا علي ممّن تأخذ معالم دينك، لا يأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، إنّهم أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه، فعليهم لعنة الله وملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة».

 

* الكعبة قبلة أم جهتها؟

السؤال الآخر الذي طرح من قبل أحد الحاضرين كان حول الكعبة، وهل أنّ الكعبة هي القبلة أم جهة الكعبة؟

فقال سماحته: هذه المسألة نُوقشت في (الجواهر) بشكل مفصّل، وأيضاً ذُكرت في (العروة) مختصرة، وهي في الموارد التي تكون فيها استقبال القبلة شرط وواجب كالصّلاة اليوميّة، صلاة الميت، الذّبح ونحر الحيوان، توجيه المحتضر، ودفن الميت المسلم، فهل أنّ القبلة الكعبة نفسها؟ أم جهتها؟

ففي باب القبلة ذكرت الرّواية: «تحسّر القبلة جُهدك».

ووردت: «اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك».

أي: قدر الاستطاعة لابدّ من الفحص عن القبلة، فقال جماعة: الكعبة المقدّسة نفسها هي القبلة لأولئك الذين هم في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة لأهل مكّة، ومدينة مكّة قبلة لأهل العالم.

والمسألة مسألة خلافية، ولكن ما ذكره الفقهاء كثيراً في باب القبلة، ويبدو منه كلام جيد، وهو أن في باب القبلة توسعة، وأنا شخصياً سألت المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي (رضوان الله عليه)، وليس هناك شكّ في فقاهته وتقواه، وقلت: ما هو مقدار الانحراف المسموح به عن القبلة حينما لا يعلم الشخص جهة القبلة بكلّ دقة؟ فقال: حتى شبر واحد. مع أنّ الانحراف عن القبلة بشبر واحد، ومن مكان المصلّي حتى الكعبة المقدّسة نفسها إذا مددنا خطاً مباشراً نحوها فإنّ الفجوة والفاصلة سوف تكون كبيرة عن الكعبة.

والشّارع المقدس بنفسه الذي قيّد مجموعة من الأحكام الإلزامية بالقبلة، وهذه الأحكام هي محلّ ابتلاء عامة المسلمين من الرجال والنساء، فإذا كان التوجّه مبتنىً على الدقّة يلزم نقض الغرض، وتكليف ما لا يُطاق، لأنّ أكثر الناس لا يستطيعون تشخيص القبلة بشكل دقيق.

ولأنه لن يصدر نقض الغرض عن الحكيم يجب ألاّ يكون التوجّه نحو القبلة مبنياًّ على الدقّة العقلية، بل تكفي الدقّة العُرفية، والدقّة العُرفية هي نفس جهة الكعبة، وقد قال بها جماعة من الفقهاء.

 

* قبلة المقامات والأضرحة الطّاهرة:

قيل: نرى في بعض الأضرحة والمقامات المقدّسة بأنّ الضريح يتفاوت ويختلف مع القبلة التي عيّنت من قبل الدقّة الفلكية وأنّ القبلة مائلة، وفي هذا المورد ما هو التّكليف؟

فقال سماحته: لا إشكال ولا خلاف أنّ القبور المطهّرة للمعصومين (عليهم السلام) موجّهة نحو القبلة، لأنّ المعصم يدفنه المعصوم (عليه السلام) وهو يعلم بالقبلة بكلّ دقّة، وأمّا هل أن الضّريح الشّريف أو الصندوق المطهّر المنصوب على القبر المطهّر، وأنه مطابق مع القبر الأصلي أم لا؟ يجب أن يُقال على القاعدة يجب أن يكون مطابقاً إلا إذا بان وثبت خلاف ذلك.

 

* ما بين المشرق والمغرب:

وقال أحد الحاضرين في الجلسة: ورد في باب القبلة دليل «بين المشرق والمغرب»؟

فقال سماحته: الشخص الذي لا يعلم بالقبلة، أو لا يستطيع تشخيصها، فقبلته ما بين المشرق والمغرب، وإلاّ فإنّ لدينا دليلاً: «تحرّ جهدك»، أي ابذل جهدك واستطاعتك من أجل الحصول على جهة القبلة.

ولذلك فإنّ الفقهاء قالوا بإطلاق «بين المشرق والمغرب».

بناءً على هذا فإنّ الأصل الأوّلي هو أن تكون الكعبة المقدّسة نفسها هي القبلة، وإذا لم يمكن ذلك فإنّ جهة الكعبة هي القبلة، وإلاّ إذا قلنا بأنّ الكعبة المقدّسة بنفسها فقط هي القبلة، فإنّ صلاة أولئك الذين يقفون في صف واحد وطوله أكثر من كيلو متر واحد، وصلاة أغلب أولئك ليست بناحية الكعبة نفسها، لأنّ طول الكعبة ليس إلا عدّة أمتار، وبكل تأكيد لن يكون بعرض كيلو متر واحد.

وصحّة صلاتهم دليل على أنّ في باب القبلة الملاك جهة الكعبة، وليس الكعبة نفسها.

 

* التوسعة في غير الكعبة:

سأل أحد الفضلاء: هل أنّ هذه التّوسعة التي تقولون بها في باب القبلة تشمل أمكنة أخرى، وعلى سبيل المثال في الجمرات، أي مكان الرمي إلى الجمرة يكون الرّمي لجهتها؟

فقال سماحته: كلا، الأمكنة الأخرى لها حكمها، وأمّا في باب القبلة ولجهة وجود قرائن وشواهد التي أشرنا إلى بعضها، نقول بالتّوسعة.

 

* التياسر عن القبلة:

سُئل: ما يُقال عن أهل العراق باستحباب التّياسر في باب القبلة ما هو الدّليل؟ وبأيّ معنى؟

فقال سماحته: لها رواية خاصّة، ومن الممكن أن يكون السبب أنّ العراق يقع خلف الكعبة المقدّسة، بحيث أن ركن الحجر الأسود يقع على الطّرف الأيسر منها، وإذا وقف أهل العراق بشكل مستقيم فإنّ اتجاههم سوف يكون إلى جدار الكعبة، ولكن إذا تياسروا قليلاً فإنّ اتجاههم سوف يكون نحو ركن الحجر الأسود، ومستحبّ في الصلاة الاتجاه نحو الأركان الأربعة، وبالأخص ركن الحجر الأسود، ومن الممكن أن يُستفاد من روايات التّياسر من هذه الناحية.

 

* قصة المحقّق الحلّي:

ينقل بأنّ المحقّق الحلّي (رحمه الله) كان في مجلس درس، وكان يناقش فيه مسألة استحباب التّياسر في باب القبلة لأهل العراق، وفي هذه الأثناء يدخل المرحوم المحقّق الطّوسي (رحمه الله)، وأراد المحقّق الحلّي أن ينهي الدّرس احتراماً وإجلالاً له، ولكنّ المحقّق الطّوسي لم يقبل بذلك فاستمرّ الدّرس، وحينما سمع المحقّق الطّوسي أنّ المحقّق الحلّي طرح هذه المسألة، وكان الطّوسي من أهل الخبرة بالفلك، فقال: إذا كان التّياسر من الكعبة إلى غير الكعبة فحرام، وإذا كان من غير الكعبة إلى جهة الكعبة فواجب، فما الدّاعي إلى الاستحباب إذاً؟

فقال المحقّق الحلّي في جوابه: «منها وإليها».

أي هذا التّياسر من الكعبة إلى جهة الكعبة نفسها، أي إذا وقفوا بشكل مستقيم فإنّهم يتّجهون نحو جدار الكعبة، وإذا تياسروا فإنّ الاتجاه سيكون نحو جهة ركن الكعبة، ومن المستحبّ أن يقف الشخص بشكل يكون متّجهاً نحو أركان الكعبة.

بهاتين الكلمتين توضّح جواب سؤال المحقّق الطّوسي، وقد كتب بعض السّادة الفقهاء رسالة خاصّة في بيان وشرح «منها وإليها».

 

* البوصلة:

سأل أحد الحاضرين: هل أنّ البوصلة حجّة في تشخيص جهة القبلة؟

فقال سماحته: إذا أدّى إلى الاطمئنان فنعم، لأنه من الممكن أحياناً ألا تعمل جيّداً أو أن عقاربها كعقارب السّاعة تُبطئ على أثر مرور الزّمان.

 

* اشتراط الذكورية في مرجع التقليد:

سأل أحد الحضور: ما هو الدّليل بأن يكون مرجع التّقليد رجلاً؟ وهل يمكن التمسّك برواية: «نواقص العقول»؟

فقال سماحته: الدّليل هو الإجماع، وهذه الرّواية ليست دليلاً، لأنّ الرّواية المذكورة وأمثالها قضيّة خارجيّة وليست حقيقيّة، وهذه وأمثالها قضية خارجية وليست حقيقية، وهذا نفسه يُعدّ نوعاً من البلاغة في الكلام بحيث جيء بكلمة الجمع، ولكن المقصود هو رجل واحد، ولدينا كراراً وردت أمثال ذلك في القرآن الكريم والرّوايات.

وعلى سبيل المثال: آية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} ، فالمقصود من (الذين آمنوا) حتى آخر الآية، وفي المجموع ذكرت سبعة مرّات بصيغة الجمع فيها، هو شخص واحد فقط، وهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

ووردت في سورة آل عمران: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخشوهم}، فإنّ المقصود من «قال الناس» شخص واحد، وكان فقط شخصاً واحداً، والذي قال هذا الكلام، ولكن القرآن الكريم أورده بصورة الجمع.

 

* معنى العدالة في إمام الجماعة:

وآخر سؤال سُئل من قبل أحد الحاضرين: في تعريف العدالة، قال الفقهاء أنها بمعنى: الملكة ترك الذنب، وفي باب الجماعة التي جاءت التأكيد على ثوابها وحضورها كثيراً، أن يكون إمام الجماعة عادلاً، فكيف نستطيع أن نحرز العدالة؟ وهي عادة عمل شاق على الأشخاص.

فقال سماحته: العدالة مفهوم مشكّك وليس متواطئاً حسب الاصطلاح المنطقي.

بناءً على هذا فإنّ لملكة العدالة مراتب متفاوتة ومختلفة، وأقلّ مراتبها تكفي للشّخص أن يكون إماماً للجماعة. وفي باب الجماعة يكفي أن يعلم الشّخص بأنّ إمام الجماعة ليس من أهل الذّنوب والمعاصي، وإذا صدر منه معصية فإنّه يندم عليها سريعاً ويستغفر، وذلك كاف منه، كما ذكرت الآية الشريفة: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}.

وعندما عرّف العلماء العدالة بالملكة أخذوا ذلك من مجموع الروايات، وإلاّ فإنّ النّفي المطلق للذنب عادةً خاص بالمعصوم (عليه السلام)، ولكن إذا لم يكن الشخص من أهل المعصية، وعندما ارتكب ذنباً استغفر، وفي هذا المورد فإنّ ملكة العدالة موجودة أم أنها تسترجع.

سُئل: في باب الجماعة، أليس يكفي عدم العلم بالفسق؟

فقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: كلا، بل يجب إحراز العدالة، فقد وردت في الرواية: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينة وأمانته». والعدالة تحرز بهذا المقدار الذي يعاشره ويصاحبه، ويرى بأنه ليس من أهل المعاصي، وإذا ارتكب معصية فإنّه يستغفر.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

14/شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com