الجلسات العلمية الرمضانية (17)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* شبهة في الخمس:

في بداية الجلسة طرح بعض الحضور شبهة في الخمس، بأنّ الزكاة قد ذكرت في كثير من الآيات والرّوايات، وهي كانت موجودة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانت تُؤخذ من قبله (صلى الله عليه وآله)، ولكن للخمس آية واحدة فقط، ولم تكن متعارفاً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً، أن يُؤخذ الخمس.

قال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه) في الجواب: ملاكنا في الأحكام، القرآن الكريم والنبي وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم)، وكلّما قال النبي (صلى الله عليه وآله) أو فعل أو قرّر، ففي الحجية كمثل القرآن الكريم، لأنّ القرآن الكريم يصرّح: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} ، ويقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، أي جعل أهل البيت (عليهم السلام) عدلاً للقرآن الكريم في الحجية، لذلك فإنّ قول وفعل وتقرير المعصومين (عليهم السلام) أيضاً في الحجية كمثل القرآن الكريم نفسه.

ولذلك، فإنّ عمومات واطلاقات القرآن الكريم مع الرّوايات الموثّقة تقيّد وتخصّص، والقرآن الكريم صرّح بكلمتين اثنتين: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} ، وفي هذه الحالة هل يكفي إذا قرأ شخص عند الفجر عدّة آيات من القرآن الكريم؟ الجواب: كلا، لأنّ روايات {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} ، فسّرتها بكلّ وضوح، بأنّ المقصود منها: ركعتي الفجر.

والرّوايات المتواترة التي لها درجات عالية من التّواتر، لها دلالة على حجيّة قول وفعل وتقرير أهل البيت (عليهم السلام) كمثل حجيّة القرآن الكريم، وقد وردت في كتاب (جامع أحاديث الشيعة) التي كتبت تحت إشراف آية الله العظمى السيّد البروجردي (قدس سره)، مقدّمة مفصّلة، وجمعت هذه الرّوايات.

وإذا وردت بالنسبة إلى الخمس رواية معتبرة وموثّقة واحدة، وطبق المعيار الموضّح يكفي ولو لم تكن ترد هذه الآية الواحدة أيضاً.

وجميع الأحكام الشّرعية ليست لها روايات وآيات متعدّدة، ولا يلزم أن تكون لها.

وبالنّسبة إلى مورد الخمس إضافة إلى هذه الآية الوحيدة هناك روايات كثيرة أيضاً، وقد جمع المرحوم الأخ في إحدى كتبه من غير الموسوعة الفقهية (الفقه) روايات الخمس من الخاصة والعامة.

ومنها رواية مفصّلة والتي وردت في كتاب (جامع أحاديث الشيعة) أيضاً، وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوضح فيها جزءاً من شرائع الإسلام، وذلك بحضور عدد من الأصحاب، ومنهم أبو ذر الغفاري وسلمان المحمدي، ومن الموارد التي ذكرها (صلى الله عليه وآله): حول الخمس: «والخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس».

إذاً... نعلم من ذلك أنّ الخمس كان موجوداً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً، والشبهة المذكورة ليست صحيحة، وإن كان البعض قد يتأثّر بهذه الشبهات، ولكن بالمراجعة إلى الرّوايات نستطيع نوضّح لهم.

 

* حقّ إباحة الخمس:

وسأل أحد الفضلاء: طبقاً لبعض أخبار إباحة الخمس بشروط خاصّة من قبل الإمام (عليه السلام)، هل يستطيع المجتهد الجامع للشروط أن يبيح الخمس على أساس من المصالح؟

قال سماحته: الإباحة خاصّة بالمعصوم (عليه السلام)، ولكن المجتهد على أساس ولايته سواءً أكانت ولاية حسبية أو أكثر منها، له الحقّ بألا يستلم الخمس، ولكن ليس له حقّ الإباحة، علماً أنّ إباحة الخمس كانت في مرحلة خاصّة، وليست في كلّ الأزمنة.

وطبق الروية الصحيحة لعلي بن مهزيار، عن الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، قال: «في سنتي هذه»، وكانت نفس السنة 220 هجرية سنة شهادة الإمام (عليه السلام)، والشيعة كانوا يعيشون في ضغوط وإرهاب، وكانت هناك شروطاً خاصّة، ولذلك فقد أباح الإمام (عليه السلام) الخمس يومذاك على الشيعة.

وأمّا في العهود الأخرى للأئمة (عليهم السلام)، فقد كانوا يستلمون الخمس، وإذا كانت الإباحة موجودة (لكل زمان ولكل ما يجب في الخمس) فلمَ كانوا يستلمون الخمس؟

وقد وردت في الرّواية عن الإمام علي الرضا (عليه السلام) أنه كتب في رسالة للشيعة: «لا تزووه عنّا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا».

أي لا تُبعدوا عنّا الخمس، ولا تحرموا بذلك أنفسكم من دعاءنا، وظاهرها هي أنّ الإمام (عليه السلام) أراد أن يقول: إذا لم تُعطوا الخمس، فلن ندعو لكم.

ولذلك، وبسبب القرائن الداخلية والخارجية لروايات الإباحة، يتوضّح لدينا بأنّ إباحة الخمس كانت خاصّة في زمن الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، وهي أيضاً في السنة التي استشهد فيها الإمام (عليه السلام).

وغير هذه الإباحة الخاصة في تلك المرحلة، فقد وردت في بعض الرّوايات كلمة «أُبيح» و«أبحنا»، وهذه الإباحة قام بها الأئمة (عليهم السلام) تسهيلاً للشيعة، وذلك المخصوص في ثلاثة موارد، وهي: المساكن والمتاجر والمناكح.

أي: من لا يعتقد بالخمس سواءً أكان من الشيعة أو كان غير مسلم أساساً، إذا اشترى منه الشيعي، أو وصل بيده منه بنقل آخر، كمثل الإجارة والصلح، ويعلم بأنّه لم يكن يخمّس وبناءً على أنّ الخمس يتعلّق بالعين، فهذا العين الذي وصل بيد الشيعي من غير الشيعي، طبق القاعدة الفقهية، فلها خمس، ولكن الأئمة (عليهم السلام) قد أباحها، وليس بالنسبة إلى أيّ شيء آخر.

وكذلك بالنسبة إلى المناكح، فقال (عليه السلام): «لتطيب ولادتهم»، ومقتضى الجمع بين الروايات هي أنّ هذه الإباحة، ليست إباحة مطلق الخمس، بل هي خاصة بالموارد الثلاثة المذكورة، وهذه المسألة هي متسالمة عليها بين جميع الفقهاء، وحتى أنني لم أرَ أيّ معارض يقول بأنّ هذه الإباحة، هي إباحة مطلق الخمس.

 

* إمساك يوم الشك:

والمسألة الأخرى التي طرحها أحد الحاضرين: في يوم الشكّ الذي لا يجب صومه، إذا أفطر، وأثناء الإفطار علم بأنه كان من أول شهر رمضان، ما هو التّكليف؟

أجاب سماحته: عليه أن يقضي يوماً واحداً، لأنّه كان من شهر رمضان، وهذا الشخص لم يصم، وفور علمه عليه أن يمسك من الأكل وبقيّة المفطرات للدّليل الخاص، كمثل بقيّة الأماكن الأخرى التي لا يكون فيها صائماً، ولكن يجب عليه الإمساك بسبب ورود الدّليل.

وسُئل: إذا لم يمسك هل عليه كفارة؟

قال سماحته: هذه المسألة طرحت في (العروة)، وهي محلّ خلاف، والأغلب إمّا أعطوا فتوى أو قالوا بالاحتياط الوجوبي، بأنّ له كفارة، كمثل الفاسق الذي لا ينوي في شهر رمضان بنية الصيام، وليس بصائم، ولكن إذا تناول شيئاً يلزم عليه الكفارة.

علماً أنّ بعض الفقهاء قالوا في مورد لزوم الإمساك بأن لا كفارة عليه، لأنّ إطلاقات الكفارة منصرفة عن مثل هذا المورد.

 

* الفرق بين عدم الاستلام مع إباحة الخمس:

وسأل أحد الفضلاء: الفقيه الذي يحقّ له بألا يستلم الخمس، أليس هو بمعنى إباحة الخمس؟

قال سماحته: كلا، أحياناً المسامحة حقّ وأحياناً تغيير للحكم، ولا يحقّ للفقيه تغيير الحكم.

وفي بعض الأحيان لا يأخذ الفقيه الخمس إمّا إشفاقاً أو إرفاقاً، وفي بعض الأحيان الأخرى يخاف إذا استلم الخمس أن يخرج الشخص عن الدين، أو يُبتلى بحرام أشدّ، أو يتشاءم من الدين، ولهذا السبب ومن أجل الأهم والمهم لا يأخذ الخمس، وفي بعض الأحيان يوضع الشخص الفقيه في مكان ضيّق ويحشر، ويُقال له: إذا أعطيتني النصف فإنّي أعطيك النصف، وإلا فلا، وهنا يُجبر الفقيه أن يسامح في الظّاهر حتى ينقذ النصف الآخر، ليُوصله إلى المصاريف الشّرعية، ولكنه في الواقع لم يُسامح، كمثل قصة صالح بن سهل الذي قال للإمام محمد الجواد (عليه السلام): أرجو أن تحللني بالنسبة إلى عشرة آلاف درهم، التي كانت من حقوقكم وأنفقتها.

وبعد أن ذهب، قال الإمام (عليه السلام): يظنّ بأنها تحلّ عليه، كلا فعليه حساب شديد، وهذه الرّواية يعدّها بعض الفقهاء دليلاً على «المأخوذ حياءً كالمأخوذ غصباً».

 

* مصاريف علاج الزوجة:

والمسألة الأخرى التي طُرحت: هل يجب باستثناء المأكل والملبس والمسكن شيئاً آخر على الزوج بالنسبة إلى زوجته، كمصاريف علاجها؟

قال سماحته: صرّحت الآية الشريفة: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، وإن كانت من جهة أخرى تلزم على الزوجة أن تعاشر زوجها بالمعروف أيضاً، وأمّا بسبب المهم، أو المورد الأكثر ابتلاءً، فقد قيل بالنسبة إلى الزوج الذي يكون لديه المعاشرة بالمعروف.

وإذا كان أيّ شيء مقتضى المعاشرة بالمعروف فواجب، وفي نفس المأكل والملبس والمسكن، فقد قال الفقهاء أيضاً: لابدّ أن يكون طبقاً لشأن الزوجة، وقد استفادوا من هذه الآية الشريفة: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} .

وبناءً على هذا، باستثناء هذه الموارد الثّلاثة، فكلّ شيء يكون مقتضى المعاشرة بالمعروف أيضاً، وطبق العموم المذكور يجب على الزوج القيام به، إلا إذا كان الإدّعاء بأنّ سيرة المتشرّعة لم تكن على أن يدفع الزوج جميع مصاريف الزوجة، مثلاً: إذا وجبت على الزوجة كفّارة، أو كانت على ذمّتها دية، فلا يجب على الزوج أداءها، وإن كان عموم وإطلاق {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، تشمل هذه الموارد، ولكن بسبب السّيرة، فإنّها تخرج.

الخلاصة: أنّ {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، لها إطلاق إلا إذا تعارضت في مورد ما مع السّيرة.

 

* التّوقيعات الشّريفة من النّاحية المقدّسة:

وسؤال آخر طرحه أحد فضلاء الجلسة وكان بشأن التّوقيعات الشريفة للإمام الحجّة (عليه السلام)، وقد استشكل بأنّ هذه التّوقيعات ليست بحجّة.

أجاب سماحته: الظّواهر حجّة، سواءً أكانت ظواهر لفظية أم ظواهر كتابية، نعم للظهور مراتب، وأحدها ظهوراً أكثر، والأخرى أقل، كمثل الرّواة الثّقات فلهم درجات، وفي الكتابة عموماً هناك مشكلتان، وهما:

أولاً: ليست لها مشافهة لفظية، وفي المشافهة اللفظية هناك قوّة أكبر.

ثانياً: احتمال الخلاف الواقع، أو التقيّة، أو الأسباب الأخرى كثيرة، لأنّه ليس من المعلوم أنّ هذه الكتابة تقع بيد من.

ولكنّ هاتين المشكلتين لا توجب أن تسقط ظهور الكتابة عن الحجيّة.

وبمناسبة بحث اعتبار وحجيّة التّوقيعات سأل هذا السؤال أحد الحاضرين، وقال: بأنّ التّوقيع الوارد في شهر رجب من النّاحية المقدّسة: «اللهمّ إنّي أسألك بالمولودين في رجب محمد بن علي الثّاني وابنه علي بن محمد المنتجب»، لمَ لمْ يذكر في هذا التّوقيع اسم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع أنّ طبقاً للمشهور بأنّ ولادته (عليه السلام) في شهر رجب؟

قال سماحته دام ظله: قال المرحوم العلامة المجلسي: لأنّ ولادة الإمام (عليه السلام) في شهر رجب، مشهور عند الخاصة والعامة، لذلك لم تذكر في هذا التّوقيع بخلاف ولادة الإمامين محمد الجواد والإمام علي الهادي (عليهم السلام) التي لم تكن مشهورة في شهر رجب، وكانت مجهولة، فأراد الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إظهار ولادة هذين الإمامين في هذا الشهر.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

30/ شهر رمضان/1440هـ

 


www.s-alshirazi.com