الجلسات العلمية الرمضانية (16)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* رواية الصوم لي

في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء حول معنى «الصوم لي وأنا أجزي به».

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه: هذا الحديث الشريف حديث قدسي، طُرح من قبل كبار العلماء، ونقل بروايات مختلفة، كمثل: «وأنا أجازي به»، و«أنا أجزي عليه»، و«أنا أجزي به»، أمّا على الأغلب فقد روي: «أنا أجزي به أو عليه».

وأمّا بالنّسبة إلى معنى الحديث، فقد قال البعض: مجمل، وقد ذكر الأعاظم كالمرحوم كاشف الغطاء معاني وشروحات متعددة، وبحثوا عنه.

وما هو المؤكّد والمتوافق عليه: أنّ الصيام عبادة خاصة، وعادة يكون للإخلاص فيه أهمية أكثر من الأعمال الأخرى، لأنّ الشخص وبكل سهولة يستطيع أن يتظاهر بالصوم، ولكنه يأكل في الخفاء ويشرب، وإن كانت جميع العبادات لله سبحانه وتعالى، ولكن يصرّح القرآن الكريم بالنّسبة إلى الحج: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ، وعلى قول ابن مالك: «اللام للملك وشبهه».

ولكن من بين العبادات، فإنّ للصوم خصوصية، ولذلك عبّرت عنه: «الصوم لي»، وحينما تكون عبادة خاصة، فإنّ جزائها وثوابها تكون خاصة أيضاً.

هذا المقدار من المعنى لا شبهة فيه، بل إنّ ظاهر الحديث أيضاً كذلك، والألفاظ إذا كانت لها ظهوراً عرفياً، ولم تكن لها معارضة، وكانت معرضاً عنها، فإنّ لها طريقية عقلائية لمعانيها الظاهرية، وتكون حجة.

ومن ناحية مفاد الحديث، فهو ليس من أصول الدين وفروعه، حتى يتوجّب علينا تكليفاً إلزامياً، بالنسبة إلى فهم معنى هذا الحديث، ومن ناحية أخرى: نحن لا نعلم كثيراً من الأمور، وعندما لا نعلم المعنى الواقعي والمراد الأصلي لهذا الحديث، وبالأخصّ إذا وردت في نسخة: «أنا أجزي به»، أي: أنا بنفسي أجزيه، وفي هذه الحالة نوكّل علمه إلى أهله (عليهم السلام).

 

* شبهة «فإنّه مطلاق»

والسؤال الآخر الذي طرح كان حول الروايات التي نقلها بعض الرّواة حول الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، بأنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا تزوّجوا ابني الحسن فإنّه مطلاق»، وأنّ البعض قال بأنّ الإمام (عليه السلام) قد طلّق خمسين امرأة، أو أنّه تزوّج بثلاثمائة زوجة، ما هي مبرّرات هذه الرّوايات؟

أجاب سماحته: إذا روى العدو رواية في الفضل فإنّ سيرة العقلاء تجري على قبولها، ولا تلزم فيها قرينة خاصة، أو دليلاً معيّناً على صدقها، وأمّا إذا نقل ذماً ومثلبةً، لا تكون سيرة العقلاء جارية على قبولها إلا إذا أثبتها دليل معتمد.

وإذا نسب الأعداء حول أحد المعصومين (عليهم السلام) شيئاً على خلاف سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلن نقبل به، وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين هم تالي تلو المعصومين (عليهم السلام)، وليسوا من أعضاء المعصومين (عليهم السلام)، وأكثر من ذلك وحتى بالنسبة إلى كبار العلماء، وإذا نُقل مثل هذا الحديث يحتاج إلى التّدقيق والفحص والنّقاش، وبما هو هو لا حجّة فيه.

وفي هذه الموارد حتى ولو كان النّاقل ثقة، فلابدّ أن تُناقش الجهات الأخرى، وإن كانت بأدلّة أخرى، والسيرة الطّاهرة معارضة،ً لا تُقبل حينئذ، وهي تحتاج إلى تأويل وتبرير، وبالأخص إلى التنقيص حول الإمام المعصوم (عليه السلام) الذي لديه العصمة الكبرى الواردة في بعض التّواريخ، وإن كانت إحدى الرّوايات موثّقة، ووردت في كتبنا أيضاً، فأحياناً من الممكن أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد نقل مثل هذا الحديث، ولكنّه كان يعيش حالة من التقيّة.

وإنّ كثرة الزواج والطلاق هي من الأكاذيب والاتهامات التي كان ينشرها معاوية والأمويين بحقّ الإمام الحسن (عليه السلام)، لأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) حارب معاوية مباشرة، ولذلك فإنّ معاوية قد خلق جواً من الاستبداد والظلم، وإذا قام شخص وعارضه، أو قال شيئاً ضدّه، فإنّه كان يُقتل، أو يُبتلى ببلاء.

وهذا الجوّ المشحون من الظلم استمرّ إلى فترة من حياة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان المنصور معاصراً للإمام الصادق (عليه السلام)، والذي كان مستبداً وظالماً، حتى أعلن في إحدى السنوات عن عيد الفطر، وفطر الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً، فيقول الرّاوي: قلت للإمام الصادق (عليه السلام): هل اليوم عيد؟

فقال الإمام (عليه السلام): كلا، فهذا اليوم من شهر رمضان، ولكن لا حيلة لي «لئن أفطر يوماً من شهر رمضان فأقضيه أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي». وفي بعض النسخ: «فأقضيه» أيضاً، وقد كان محلّ بحث عند الفقهاء، وفي مثل هذا المورد هل يلزم القضاء أم لا؟

وعلى كلّ حال وفي مثل هذا الجوّ المشحون كان الإمام الصادق (عليه السلام) يعيش في حالة من التقيّة، وفي بعض الأحيان كان يُجبر أن يتحدّث بحديث تقيّة، ولا يكون البناء أن يستخدم المعجزة في كلّ مكان.

وفي مثل هذه الروايات، فإنّ مجموعة من السّادة الفقهاء قاموا بمناقشتها وتبريرها، ويبدو أنها كذلك، أي بأنّ هذه الروايات هي روايات التقيّة.

والآن لاحظ إلى روايات التقيّة، أي تلك الروايات الصادرة والتي قيلت تقيّة في خصوص ما نحن فيه، فإنّ المسألة تتوضّح.

مثلاً: نقل البعض بأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد تزوّج بثلاثمائة زوجة، وكن جميعهنّ يصحن في التشييع: «نحن مطلّقات الحسن».

ولكن القرائن والأدلّة تدلّ أنّ الأساس لم يكن صحيحاً، لأنّه كم شخص اشترك في تشييع الإمام الحسن (عليه السلام)؟ والتشييع جرى في ذلك الجو المشحون من الإرهاب والخطر الذي خلقه معاوية ومروان والبقيّة، وبالأخص ما جرى على الجنازة الطّاهرة للإمام الحسن (عليه السلام) من الهجوم والرّشق بالنبال، فإنّه عادة يشترك عدد قليل في التشييع، وبالأخص النّسوة، فكيف تكون ثلاثمائة امرأة من مطلّقات الإمام (عليه السلام) حاضرات هناك وكنّ يصحن؟ وكم امرأة جئن إلى التشييع؟

ومن ناحية أخرى: إذا كان للإمام هذا العدد من الزوجات، فأين أبناؤه؟ وعلى الأقل يجب أن يكون لديه ثلاثمائة ولداً إذا فرضنا أنّ لكلّ زوجة ولداً واحداً، ولكن أكثر عدد ذُكر للإمام الحسن (عليه السلام) من الأبناء هم: ستة عشر ولداً.

وبالتّأكيد فإنّ هذه النّماذج هي من أكاذيب معاوية واتهاماته للإمام (عليه السلام).

وليس بعيداً مثل هذا العمل من معاوية، فهو قد أعطى أربعمائة ألف درهم، فقط من أجل جعل حديث ضد الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه).

والخلاصة: من أعمال معاوية هي: نشر الشائعات، وخلق جو ضدّ الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام).

ولذلك، يقطع الإنسان بالقرائن الدّاخلية والخارجيّة، ويطمئن بأنّ هذه الروايات من الروايات المختلقة والمكذوبة، وما نُقل بسند موثّق صدر من باب التقيّة.

 

* كريم أهل البيت (عليهم السلام)

سُئل سماحته: اشتهر الإمام الحسن (عليه السلام) بلقب «كريم أهل البيت»، فمن أين كانت تصله تلك الأموال التي كان يهديها للفقراء والمساكين؟

قال دام ظله: كان للأئمة (عليهم السلام) ألقاباً متعدّدة، ولكن أحياناً كان يُلقّب بلقب ويُشتهر به أكثر، وكان الإمام الحسن (عليه السلام) مشهور بالكرم أيضاً، فكان كريماً وسخياً، وقد نقل: «قاسم ربّه أمواله ثلاثة مرّات».

أولاً: كان للإمام الحسن (عليه السلام) أتباعاً ومخلصين كثراً، والذين كانوا يهدون للإمام (عليه السلام) الهدايا والعطايا، وغيرها.

ثانياً: العيون التي حفرها والده الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على مدى خمسة وعشرين عاماً، وفي الحجاز تلك الأيام كانت عين الماء تساوي جبلاً من الذهب، وكذلك الآبار التي حفرها الإمام (عليه السلام) بنفسه وأوقفها، فكان (سلام الله عليه) متولّياً عليها، وتصل إليه خراجها وإيراداتها، وكان (سلام الله عليه) ينفقها في سبيل الله سبحانه.

ثالثاً: وكان الإمام (سلام الله عليه) يستقرض ويُعطي للآخرين، كما وردت في الرّواية: «مات الحسن (عليه السلام) وعليه دين».

وفي رواية أخرى: «كان على الحسن دين كثير».

 

* العدول عن السفر بعد حدّ الترخّص

والمسألة الأخرى التي طرحها أحد فضلاء الجلسة، هي: إذا خرج شخص بنية السفر من وطنه، ووصل إلى حدّ الترخّص، وبناءً على ذلك فهو يستطيع أن يفطر وصلاته قصر، فأفطر وصلّى الظّهر قصراً، ثمّ لسبب ما عدل عن نيّة السفر ورجع، ما هو حكم صيامه وصلاته التي قرأها؟

أجاب سماحته: هذه المسألة طرحت في (العروة)، وهي محلّ خلاف، وخصوص المسألة ليست لها دليلاً خاصاً، ولابدّ أن نرى ما هي مقتضى القواعد العامة.

قال بعضهم: هذا الشخص حينما رجع إلى مدينته، فليس صائماً، ولكن عليه الإمساك، وإذا لم يمسك فقد عصى، ولا كفّارة عليه، أي يحمل عليه الحكم التّكليفي فقط.

ولكن يبدو، تبعاً أو وفاقاً أنّ الإمساك كان واجباً، وفي حالة الإفطار عليه الكفارة أيضاً لأنّه في حكم الصائم، ومن ناحية أخرى فإنّ الإفطار الذي قام به في حدّ الترخص يجب عليه أن يقضي ذلك اليوم.

وهذا الشخص حين عدل في حدّ الترخص ورجع إلى وطنه، يبدو أنّه كان لديه جهلاً مركباً بأنّه مسافر، وبعبارة أخرى: كان لديه تخيّل السفر، وليس حقيقة السفر، وبناءً على هذا: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ} لا تشمله.

وقال أحد السادة: لمَ عليه القضاء مع أنّ هذا الشخص كان لديه مجوّزاً في الإفطار، وكان يتخيّل بأنّه مسافر، كمثل موارد النسيان التي ليست لها قضاءً؟

قال سماحته: بشأن الإفطار نسياناً لدينا دليل خاص، بأنّ لا قضاء فيه، ولكن في الجهل لا نستطيع القول بذلك، وأنّ لا قضاء عليه.

ثمّ قال دام ظله: وأمّا بالنسبة إلى الصلاة التي قرأها قصراً، لا إشكال فيها، ولا يلزم إعادتها كاملة.

وقال أحد الفضلاء: لمَ لا تقولون بالنسبة إلى الصلاة: كان تخيّل السفر وقصراً، وله حكم المسافر، وليس حكم الذي كان يتخيّل بأنّه مسافر؟ لم تفصلون بين الصيام والصلاة؟

قال سماحته: هذا الانفصال إذا كان لمقتضى الدّليل فلا مشكلة فيه، كما هي في الفقه، وهناك موارد متعدّدة والتي انفصلت، والبعض فرّق وجزأ في العلم الإجمالي، والبعض الآخر في باب التّذكية، وكذلك في حدودها ولوازمها، وهي تكون مقتضى الأصول العملية.

 

* إمساك المسافر

كذلك سأل أحد الحضور، وقال: بالنسبة إلى الطلاب الذين يصعب عليهم الصيام، ويذهبون إلى أربعة فراسخ ليفطروا، وحينما يرجعون هل هم مكلّفون بالإمساك؟

قال سماحته: كلا، في هذا المورد ليس صوماً، وليس له حكم الصوم، وقد أجاز ذلك الشارع نفسه، ووجوب الإمساك وإن لم يكن صوماً فيحتاج إلى الدليل.

وسأل أحد الفضلاء: هل لحدّ الترخّص على الوطن، له حكومة أم تكليف فقط؟

قال سماحته: يبدو بأنّ الشارع وسّع الوطن حتّى حدّ الترخّص، ولو في بعض الأحكام، وبناءً على هذا من نوى السفر، ولم يصل إلى حدّ الترخص، لا يجب عليه الإفطار، وصلاته تامّة، وعند الرجوع، وقبل حدّ الترخص له حكم المسافر فيستطيع أن يفطر وصلاته قصر، وأثناء الرجوع حينما يصل إلى حدّ الترخّص، فله حكم الوطن، أي عليه الصيام، وصلاته تامة.

 

* حكم التورية

وفي ختام الجلسة، سأل أحد السادة، وقال: هل يجوز التّورية أم لا؟

أجاب دام ظله، وقال: التّورية في مورد العذر جائز بلا إشكال، وفي غير العذر يجوز أيضاً بناءً على المشهور، أو على الأقل مجموعة كبيرة من الفقهاء، لأنّ التورية ليست كذباً.

ولكن جماعة كالميرزا الشيرازي الكبير، والميرزا محمد تقي الشيرازي، والحاج السيّد حسين القمي، والمرحوم الوالد، والمرحوم الأخ (رضوان الله عليهم)، استشكلوا، وقالوا: الكذب شيء يكون كذباً بالحمل الشّائع، والتّورية بالحمل الشائع كذب، ومن هذه الناحية فليست جائزة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

29/شهر رمضان/1440هـ

 


www.s-alshirazi.com