الجلسات العلمية الرمضانية (15)




 

 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* الآثار الوضعيّة للمستحبّات

في بداية الجلسة، سأل أحد الفضلاء: ذُكرت لبعض المستحبات في الرّوايات مجموعة من الآثار التّكوينيّة، هل هذه الآثار من دون نيّة القربة تترتّب وتتحقّق أيضاً؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: إذا كان ذلك العمل عبادياً، فمن دون نية القربة لن تتحقّق آثارها، لأنّ قوام العبادة بنية القربة، ومن دونها لن يتحقّق العمل أساساً، حتى يحمل عليه أثراً، ولكن إذا لم يكن عبادياً فإنّ الآثار الوضعية ستحمل، مثلاً: كأن يُقال: إذا تناول تفاحة أو عدداً من التّمر فله الأثر الفلاني، وترتّب الأثر الوضعي في هذه الموارد ليست متوقفة على نية القربة، لإطلاق الدّليل.

أو وردت في الرّواية: إذا قال أثناء تناول التّمر: «بسم الله، على شهوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) »، لن يصل إليه الضّرر، والشّهوة في اللغة العربية بمعنى الشهيّة.

عن أحمد بن إسحاق، رفعه، قال: «من أكل التّمر على شهوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إيّاه لم يضرّه».

وعن أبي علي أحمد بن إسحاق، عن عبد صالح (عليه السلام)، قال: «من أكل اللبن، فقال: اللهم إنّي آكله على شهوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إيّاه لم يضرّه».

والآن إذا أكل الشخص التّمر بأيّ سبب أحبّ، وليس بنية القربة، وقال هذه الجملة، فإنّه يحمل الأثر الوضعي.

وسُئل: وفي الصدقة، كيف؟

قال سماحته: وفي الصدقة أيضاً كذلك.

لأنّ الدّليل له إطلاق، وترتّب آثارها الوضعيّة ليست مقيّدة بنية القربة، مثلاً: وردت في الرّواية: «الصدقة تدفع البلاء، وقد أبرم إبراماً»، وإذا أعطى صدقة بنية دفع البلاء، وليست بنية القربة، فإنّ في الظّاهر يترتّب الأثر.

علماً بأنّ الفقهاء قد ناقشوا قليلاً ما حول المستحبات والمكروهات، وقد خصّصوا الكثير من أوقاتهم في الإلزاميات.

قيل: وكيف بالنسبة إلى ترتّب الآثار الأخروية، فهل نيّة القربة شرط؟

قال سماحته: إذا لم يكن ذلك العمل عبادة، فلن يكون متوقفاً على نية القربة، وبناءً على هذا فما المانع أن يترتّب عليه الآثار الأخروية، نظراً للإطلاق، نعم إذا قام الدّليل أنّ من دون نية القربة، فإنّ ذلك العمل غير صحيح، أو لن تترتّب عليه الآثار الوضعية، كما لدينا الدّليل في الأعمال العباديّة، فإنّنا عند ذلك نقول بأنّه مشروط بنية القربة.

وسأل أحد الفضلاء: الآداب الواردة في المأكل والمشرب والملبس في الروايات المذكورة، هل تثبت الاستحباب أيضاً؟

أجاب سماحته: العمل الاستحبابي يحتاج إلى نية القربة، وحينما قبلنا بقاعدة التسامح، وقد قبل بها الفقهاء بدءاً من المرحوم الشيخ المفيد وحتى اليوم، وقالوا: أخبار «من بلغ» يثبت الاستحباب، وفي هذه الحالة ستثبت الاستحباب.

 

* صلة الرحم

وسأل أحدهم: هل صلة الرّحم واجبة؟

قال سماحته: المشهور بين الفقهاء استحباب صلة الرحم، وحرمة قطع الرحم.

وكما قال مجموعة من الفقهاء بالنّسبة إلى الطاعة وبر الوالدين: طاعة الوالدين مستحبة وإيذائهما حرام، أي أنّ طاعة الوالدين غير واجبة مطلقاً، وهي واجبة على كلّ حال.

ولا يخفى أنّ ظاهر بعض الروايات: وجوب صلة الرحم، بسبب صيغة الأمر الواردة، فيها: «صلوا أرحامكم»، ولكن المشهور أعرضوا عن الوجوب.

وبناءً على كسر الإعراض المشهور، وقد ذكر الفقهاء بدءاً من الشيخ الطوسي وحتى اليوم مشهور الفقهاء شهرة عظيمة، واعتبروا بأنّ الإعراض كاسر، وفي هذه الحالة لا نستطيع من أجل الوجوب الاستدلال بهذه الرّوايات.

 

* نموذج من إعراض الفقهاء

وموارد إعراض الفقهاء كثيرة في الفقه:

مثلاً: لدينا رواية صحيحة السند، وظاهرة الدلالة، بأنّ غسل الإحرام واجب، ولكن الفقهاء لم يفتوا بوجوب غسل الإحرام.

وكذلك لدينا رواية صحيحة السند، وظاهرة الدلالة، بأنّ المسافر في السفر، وبعد أداء الصلاة الرباعية التي تكون قصراً كالظّهرين مثلاً، لابدّ له أن يقول ثلاثين مرّة: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، وظاهر الأمر وجوب، ولكنّ أحداً من الفقهاء لم يفتي بالوجوب، بل إنهم قالوا بالاستحباب.

والخلاصة: إنّ مسألة الجبر، وكسر الروايات مع العمل، وإعراض الفقهاء، من المسائل المتجذّرة والمتأصّلة التي يجب على الإنسان البحث عنها في الأصول جيداً حتى لا يواجه بمشكلة في الفقه في الموارد المختلفة، ويستطيع أن يلتزم بذلك المبنى المختار.

 

* حدود صلة الرحم

وسأل أحد الفضلاء الحاضرين: ما هو حدود صلة الرحم؟ وما حجم سعتها وضيقها؟

أجاب سماحته: أمر الشارع المقدس بصلة الرحم، و«الرحم» موضوع عرفي، وجميع الموضوعات التي جعل الشارع حكماً عليها، ولم يتصرف بالموضوع، ولم يجعل معنىً واصطلاحاً خاصاً بها، لابدّ أن يراجع إلى العرف، وذلك المعنى العرفي هو الملاك.

وفيما نحن فيه أيضاً كذلك، أي حتّى ذلك المقدار الذي يُقال عرفاً بأنّه «رحم»، فإنّ صلتها ستكون مستحبة وقطعها حرام، و«الرحم» كلمة عربية، وهي بالفارسية بمعنى القريب.

وأصل وجذر «الرحم» هي: أنّهم جميعاً يرجعون إلى رحم واحد، وخرجوا من بطن واحد، سواءً أكان رحماً قريباً كمثل الأخ والأخت وهما من رحم الأم، أو رحماً مع الانفصال كمثل العم والعمّة، والخالة والخال، وهم من رحم الجدّة.

والآن إلى أيّ واسطة يقول العرف بأنها رحم؟ فإنّ الملاك هو الصدق العرفي، لأنّ الشارع ليس له اصطلاح خاص به، مثلاً فإنّ العرف ومع انفصال سبعة أو ثمانية وسائط لا يعدّه رحماً، أي له صحّة السلب، وفي هذه الحالة لا تجري عليه حكم الرحم.

نعم احياناً الانتساب إلى شخصيّة مهمة جداً يبعث إلى صدق الرحم عرفاً، مثلاً بالنسبة إلى السادات من بني هاشم، فإنّ العرف يعدّ أربعين أو خمسين واسطة أو أكثر رحماً، وإذا قال أحد من السّادة الهاشميين إلى السيّدة معصومة (عليها السلام): يا سيّدتي معصومة أنا رحمك فصلي رحمك. فإنّهم عُرفاً لا يستهجنون مثل هذا الكلام.

 

* الصلة وقطع الرحم في الأموات

والسؤال الآخر الذي سُئل حول هذا المجال: هل قطع الرحم يشمل الأموات أيضاً؟

قال سماحته: لم أرَ أحداً طرح وناقش هذا الفرع، وإن أشيرت إليها في بعض الرّوايات، وإذا قال أحدهم: إنّ الإطلاق يشمل الأموات أيضاً فما الإشكال في ذلك؟

وبالنّسبة إلى الوالدين وبالأخص لدينا دليل خاص، أنّ برّهما وعقوقهما ليس خاصّاً بزمان حياتهما، وإذا قيل في الأرحام الأخرى ذلك، فلا بأس به.

وإذا استشكل بأنّ شمول الميت غير مأنوس للذّهن، فإنّ السبب عدم الالتفات به، وليس الانصراف، مثلاً: إذا لم يذهب شخص لمدة عشرة أعوام أو عشرين عاماً إلى قبر أخيه، ولا يقرأ سورة الفاتحة مرّة واحدة، أو لا يترحّم عليه، أو يدعو له، ألا يصدق عليه قطع الرحم؟

 

* اللعن في المكروهات

سال أحد الفضلاء: في بعض الروايات قد لعن أشخاص معيّنين، كمثل: «ملعون من نام وحده»، أو «ملعون من أكل زاده وحده»، هل نستطيع نحن أن نلعن أولئك الأشخاص؟

أجاب سماحته: الأكثر، أو أكثر من الأكثر، ليست لهذه الروايات سنداً صحيحاً، أو موثقة، ولهذا السبب فإنّ الفقهاء أعدّوها من قسم المكروهات وليست المحرّمات.

ومن جانب آخر: فإنّ اللعن بمعنى البعد عن رحمة الله، والابتعاد عن رحمة الله لها مراتب متعدّدة، ويمكن للشخص بعمل مكروه يصدر منه، يشمله هذا المقدار من البعد عن رحمة الله سبحانه، والمراد من هذه الروايات هو توضيح هذه الحقيقة، وليس جواز لعنهم وسبّهم.

والأصل الأوّلي حرمة سبّ المؤمن، واللعن عرفاً نوع من السبّ ولا يجوز، لأنّ الشارع لم يذكر اصطلاحاً خاصاً للسب، وكلّ ما يقوله العرف بأنه سب، فإنّ له حكم السبّ شرعاً، وهو حرام.

ولهذا السبب لابدّ أن نستفيد من الأدلّة الشرعية، وتحرز: هل أنّ هذا الشخص يستحقّ اللعن أم لا؟

واستحقاق اللعن بمعنى السبّ، مع البعد عن رحمة الله تعالى، موضوعان ويختلف حكمهما.

ولا يجب على المؤمن أن يلعن، والمؤمن هو الذي يقبل بالشّهادات الثلاث، وإن كان فاسقاً وعاصياً، وبناءً على هذا ليس هناك تناقض بين الملعون بمعنى البعد عن رحمة الله، وبين أن لا يكون مستحقاً للعن، أي ليس جائزاً أن نلعنه.

ووردت في الرّواية، وإن لم يكن لها سنداً موثّقاً، بأنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) بالنسبة إلى شخص: «لعنه ألف لعنة، يتبعها ألف لعنة، كلّ لعنة تبلغه قعر جهنم».

والآن هل نستطيع أن نلعن ذلك الشخص؟

وليست لهذه الرّواية سنداً معتبراً، وفي موارد الشكّ، الأصل حرمة السبّ وعدم جواز اللعن.

 

* لعن كاتب الربا

وقال أحد الحاضرين: في كاتب الربا، فإنّ الفقهاء جوّزوا لعنه؟

قال سماحته: صحيح، فقد وردت في الرواية: «لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرّبا خمسة: آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، وفي هذا المورد، وبسبب فهم الفقهاء يجوز لعنه، أي أنّ الفقهاء استفادوا بجواز اللعن من هذه الرواية، وليس بأنه بعيد عن رحمة الله فقط، على خلاف: «من أكل زاده وحده».

 

* لعن المتجاهر بالفسق

سُئل: وكيف إذا كان الشخص متجاهراً بالفسق؟ فهل يجوز لعنه؟

فقال سماحته: كما ذكرنا، الأصل الأولي حرمة لعن وسبّ المؤمن حتى ولو كان مؤمناً فاسقاً، وبناءً على هذا فمن أجل خروج مورد ما من هذا الأصل الأولي يلزم الدّليل.

قيل: صرّحت الآية الشريفة: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، هل نستطيع أن نلعن مطلق الظالم، وإن كان مؤمناً؟

فقال سماحته: إذا كان ظالماً بالحمل الشّائع فظاهراً يجوز، وطبعاً لا يشمل كلّ فاسق، لأنّ الظلم هنا نوع من فسق خاص، والظّاهر أنّ المراد من الظالم ليس الظالم بالنّفس، بل هو ظالم بالغير.

الخلاصة: أنّ الموارد تختلف، ولابدّ من البحث والنقاش حول كلّ جزء جزء، والأصل حرمة اللعن وحرمة السبّ.

 

* وجوب التأسّي بالمعصوم

كما سأل أحد الفضلاء حول حكم التأسّي بالمعصومين (عليهم السلام)، وحدوده، وتفاصيله.

قال سماحته: لهذا البحث تفصيل، وقد بحثه وناقشه المرحوم الميرزا القمي في نهاية الجزء الأول من (القوانين)، وقد ذكر خمسة أقوال في التأسّي: الوجوب، الاستحباب، الإباحة، التوقّف، و...

وإذا قام المعصوم (عليه السلام) بعمل، ولم يكن هناك قرينة، بأنّ ذلك العمل كان واجباً أو مستحباً أو مباحاً، فما هو الأصل الأوّلي؟

وجماعة من الفقهاء ومنهم المرحوم الأخ، قالوا: الأصل وجوب التأسّي، إلا ما خرج بالدليل، لأنّ الآية الشريفة تصرّح: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، وطبق هذه الآية الشّريفة فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) أسوة. أي: اتبعوه واقتدوا به.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

28/شهر رمضان/1440هـ


www.s-alshirazi.com