الجلسات العلمية الرمضانية (14)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* عبارات مستهجنة

كان أول سؤال طرح في جلسة هذه الليلة، هو: تُنسب في بعض الرّوايات إلى المعصومين (عليهم السلام) عبارات لا تليق إلى مكانة العصمة والقداسة، كمثل: «لا أمّ لك»، و«ثكلتك أمّك»، وأمثالها، ما هو المبرّر؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: بشكل عام إذا نُسب شيء إلى المعصوم (عليه السلام)، إذا كان شيئاً حسناً، أي طبق الموازين والآداب الشّرعية، وكان يتناسب مع فضل وشأن ومكانة المعصوم (عليه السلام)، فلا يحتاج إلى بحث سندي، وحتى أنّ السّند غير الموثّق والمعتمد كاف.

ولكن إذا كان حديثاً مستهجناً في نفسه، وغير لائق، ولا ينسجم مع المكانة الرّفيعة لهم، كأن لا يكون سنده موثقاً ومعتمداً، فلا حجية له، ولا نحتاج أن نناقشه مرّة أخرى.

ولكن إذا كان سنده موثّقاً، فلابدّ أن نبحث عن شروطه والمقتضيات والأسباب الأخرى له، حتى يتوضّح لدينا السبب، مثلاً نرى في بعض الموارد الشخص الذي وجّه الإمام (عليه السلام) له مثل هذه التّعابير وأمثالها، هل كان من أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، ومستحقاً للسبّ، أو كان هناك سبباً أهماً؟

وفي الموارد التي لا نعلم بها ما هو السبب، يُردّ علمه إلى أهله، لأنّ مكانة عصمة المعصومين مسلّمة، وحتى أنّهم لا يرتكبون عملاً مكروهاً، إلا إذا تزاحم في مكان مع الأهم، وفي هذه الحالة ليست هناك كراهة.

وبناءً على هذا، وفي مثل السؤال المذكور، إذا لم يكن في الظّاهر للحديث تناسباً وانسجاماً مع مكانة العصمة، لابدّ أن نرى جوانبها: هل كان الطرف مستحقاً؟ أم أنّ هناك مزاحم أهم في الوسط؟

كما إذا سمعنا بأنّ شخصاً تأكّدت عدالته وتقواه وسبّ أحداً، لابدّ أن نأوّل: هل كان ذلك الطّرف مستحقاً؟ أم هناك وجه شرعي آخر في العمل؟

وفي العادة فإنّ مثل هذه الرّوايات التي نسبت أمثال هذه التّعابير إلى المعصوم (عليه السلام) ليست لها سنداً معتمدةً وموثّقة.

 

* من مسائل النّذر

سأل أحد الفضلاء: إذا نذر شخص أن يعطي رأساً من الخروف إلى زيد، وانعقد نذره، ولكن قبل أن يُعطي له الخروف، مات الشخص النّاذر، فهل يجب على ورثته أن يعطي ذلك الخروف إلى زيد؟

قال سماحته: طبق القاعدة لابدّ أن يكون واجباً، لأنّه عندما نذر، فإنّ تلك العين الخارجية تعلّقت بحقّ زيد، والظهور العرفي هو بأنّ أداء الشخص النّاذر لا موضوعيّة له، نعم إذا احتملت احتمال الموضوعية فلن يكون واجباً.

وسُئل: إذا نذر شخص أن يصلّي أو يصوم، ولكن قبل القيام بهما مات، فهل يجب على ورثته أن يقوموا بذلك؟

أجاب سماحته: كلا، ليست كذلك في العبادات، ولكن في نذر الأموال والأعيان يجب الأداء.

وسأل آخر: هل تُعدّ العين المنذورة من ديون الميت؟

فقال سماحته: نعم.

وسأل أحد الحاضرين: إذا كانت على ذمّة الميت، عبادة استئجارية، ولم يقم بالأداء، فهل يجب على الورثة من الأداء؟

قال سماحته: كلأ، لأنّه ليس لدينا دليل أنّ لها ظهوراً في العموم، أي كلّما كانت واجبة على الميّت، ولم يقم بالأداء يجب على الورثة القيام بها.

 

* تنجّس الماء المضاف الكثير

سأل أحد الفضلاء: يقول صاحب (العروة): إذا لاقى الماء المضاف النّجاسة يتنجّس، ولو كان بمقدار ألف كر، ما هو رأي سماحتكم؟

فقال سماحته: البعض استشكل هنا، ويبدو أنّ الإشكال في محلّه، لأنّ الدّليل الذي يقول أنّ الماء المضاف يتنجّس عند ملاقاة النّجاسة، ليس فيه ذلك الإطلاق والظهور ليشمل ألف كر، وإذا لاقى هذا المقدار من الكرّ مع النجاسة، فإنّ ذلك الموضع من الملاقات وجزءاً من حواليه يتنجّس.

 

* زراعة الأظافر

والمسألة الأخرى التي طرحها أحد الحاضرين: الأظافر التي تزرع، هل تكون مانعة من الوضوء أو الغسل؟

فقال سماحته: نعم، ويجب إزالتها، وإن كان هناك حرجاً تتوضّأ بوضوء الجبيرة، ولكنها ترتكب معصية، لأنّها عملت باختيارها عملاً تضطرّ فيه بألا تتوضّأ بشكل طبيعي، ومثل هذا الشّخص عاصٍ عند العقلاء.

قيل: قبل دخول وقت الصلاة، لم تكلّف هذه المرأة من الوضوء الطبيعي، وبعد دخول الوقت، كانت مضطرّة، لأنّها إذا أرادت إزالة الأظافر سوف يكون حرجاً، فلم تعدّ عاصية؟

قال سماحته: كما ذكرنا: عرفاً وعقلائياً تعدّ هذه المرأة عاصية، لأنّها تعلم أنها إذا قامت بزراعة الأظافر فإنّ إزالتها سوف تكون حرجية، ولا تستطيع عندئذٍ من الوضوء والغسل الطبيعي، كما إذا قامت بذلك عامدة وعالمة، فهي تعدّ عاصية، كمثل شخص دخل إلى الغرفة قبل أذان الصبح وقفل على نفسه الباب وألقى بالمفتاح خارج الغرفة، لكي لا يستطيع من الخروج والتوضؤ للصلاة، ويكون مجبراً على التيمّم، ففي العرف مثل هذا الشخص يُعدّ عاصياً، ولا نستطيع القول: قبل الأذان لم يكلّف بشيء، وبعد الأذان كان مضطراً، لأنّه عرفاً وعقلاً يُعدّ مثل هذا الشخص عاصياً.

إضافة إلى تعبير المرحوم الشيخ: ورد الوجوب ولكن لم يرد ظرف الواجب.

والمثال العُرفي له: كأن يقول المولى لعبده: عندما يحين الظّهر اذهب واشتري الخبز، ولكن العبد يحبس نفسه عامداً في مكان حتى لا يستطيع أن يخرج عند الظهر، فهل يُعدّ عند العقلاء مثل هذا العبد عاصياً؟

وسأل أحد الفضلاء: بناءً على هذا، فالذي ينام ليلاً ويعلم بأنّه لن يقوم في صلاة الصبح، إذا لم يوقّت منبه الساعة، أو لم يوصي أحداً ليوقظه، فهل عصى؟

فأجابه سماحته: نعم، إذا علم بأنه لن يقوم لصلاة الصبح يجب ألا ينام، فإمّا أن يضع منبّه الساعة، أو يقول لأحد بأن يوقظه للصّلاة؟

 

* تصفية مياه المجاري

والمسألة الأخرى التي طرحت: الآلات التي تقوم بتصفية مياه المجاري، وتتغيّر إلى مياه صافية، هل المياه الصافية تُعدّ مياهً طاهرة؟

قال سماحته: ظاهر بعض الروايات بأنّه إذا وصلت المياه إلى مقدار كر لا يتنجّس، كمثل: «إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثاً» .

و«لم يحمل خبثاً»، تعني: عدم النّجاسة، وكيف إذا قلنا بأنّ اطلاق هذه الرواية تشمل أيضاً السؤال المذكور، إن وصل الماء إلى حد الكر.

 

* معاملات الصبي

وسُئل أيضاً: مع النّظر إلى اشتراط البلوغ في المتعاقدين، كيف تصحّح معاملات الصبي؟

قال سماحته: إذا قلنا بأنّ البلوغ من شروط صحّة العقد، وليس هناك طريق لصحّة معاملة الصبي، إلا إذا كان لديه وكالة عن وليّه أو كان برضاه، وأمّا أنّ البلوغ شرط الصحّة فليس ذلك مؤكّداً، وللمرحوم الشيخ الأنصاري الذي طرح المسألة وناقشها، له الميل ظاهراً على أنّ البلوغ ليس شرطاً.

وقال أحد الحاضرين: ألا تجري أصالة الصحّة في فعل الصبي؟

قال سماحته: ليس معلوماً أن يجري أصل الصحّة في عمل غير البالغ، لأنّه غير مؤكّد إلى هذا الحدّ من التّوسعة في أصل الصحّة، وبالأخص أنّ البعض قد طعن في جميع أدلّة أصل الصحّة في الآيات والروايات، وإذا شكّ فمكانه أصل الاشتغال.

 

* التضخّم وهبوط قيمة العملة

وفي نهاية هذه الجلسة أراد أحد الحاضرين توضيحاً أكثر حول السؤال المطروح في الليلة الماضية، أنّه إذا أقرض مليوناً وبعد عدّة سنوات ومن أجل التضخّم، فإنّ قيمة ذلك المليون تكون بقيمة ربع المليون، فلماذا على المقرض أن يرجع أربعة ملايين؟ ألا يعدّ ذلك من الرّبا؟ وإذا لم يكن رباً فإنّ النتيجة هي نتيجة الرّبا؟

فقال سماحته: كلا، فهذا ليس رباً، لأنّه لم يشترط الزّيادة، وأنّه يُعدّ نتيجة للرّبا، وليس هناك دليل على الحرمة، لأنّ الدليل حرّم الرّبا، وليس الشيء الذي يكون نتيجة الربا.

وفي نفس الرّوايات ذكرت أيضاً الحيل الشرعية من أجل الفرار من الربا، وفيها أيضاً تحصيل نتيجة الربا، إذاً هذا ليس دليلاً، ونحن نتبع الدّليل.

والشارع نفسه أوضح في موارد عديدة حكماً لموضوع، ولكن في موضوع شبيه له، قام بتغيير الحكم، وعلى سبيل المثال: في عقد البيع، يقول الشارع: يجب أن يكون الثّمن والمثمن واضحاً، وإذا كان مجهولاً فالبيع باطل، ولكن في عقد الصّلح لم يشترط الوضوح والعلم.

وفي المسألة التي قيل لابدّ من إرجاع أربعة ملايين، بسبب أنّ القرض من العقود، وهو يحتاج إلى الإيجاب والقبول ولو معاطاةً، و«العقود تابعة للقصود»، وكان قصد ونية هذا الدّائن ألا يقرض مليوناً، وحينما يريد أن يستردّها يستردّ فقط مليوناً واحداً والتي تكون قيمتها ربع مليون فقط، وبناءً على هذا فإنّ القيمة الواقعية للعملة كان في الارتكاز، وهي من حيث تقييدي.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

28/شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com