الجلسات العلمية الرمضانية (13)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* كيفيّة محاسبة المهور القديمة

في بداية الجلسة، سأل أحد الحضور عن مسألة محاسبة المهور القديمة: هل تُحاسب مهرية الزوجة، بنفس المقدار المعيّن أثناء العقد؟ أم بقيمة اليوم، علماً قد مضى على العقد المذكور أكثر من خمسين عاماً؟

فقال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: لأجل توضيح هذه المسألة، لابدّ أن تُحلّ الكبرى الكلية فيها، وفي هذه الحالة، فإنّ المصاديق والجزئيات سوف تتوضّح، ولا تحتاج إلى البحث.

قبل مئة عام كانت للأموال قيمة ذاتية، لأنّها كانت من الذهب والفضّة، وأمّا اليوم فإنّ الأموال من الورق، ولا اعتبار ذاتية لها، بل إنّ الدول هي التي تُعطي لها اعتباراً، وعلى سبيل المثال: في السابق كانت قيمة فئة خمسمائة أو ألف تومان بسعر بيت واحد، وأمّا الآن فنستطيع أن نشتري بها خبزاً واحداً، والبحث هنا: هل أنّ هذه القيمة والسّعر، حيث تقييدي أم تعليلي؟

أي حين كان المهر بألف تومان في ذلك الحين، فهل أنّ الألف تومان بما هي هي مهر وليست قيمتها؟ أمّ أنّ الألف تومان التي تساوي قيمتها بيتاً واحداً؟ وفي ارتكاز الطّرفين ما هو مقصودهما؟ لأنّ «العقود تابعة للقصود».

وإذا قلنا بأنّ القيمة والسّعر حيث تقييدي، وبرأي ارتكاز العقلاء والأسناد هي كذلك، واليوم عندما يريد أن يقوم بأداء المهر فهل عليه أن يعطي الألف تومان التي قيمتها مثلاً بيت واحد، وليست الألف تومان التي قيمتها خبز واحد؟

إذا تمّ هذا البحث، وانضمّت إلى القاعدة المسلّمة والمتسالم عليها بين الفقهاء، بأنّ «العقود تابعة للقصود»، فإنّ المسألة محلولة.

علماً أنّ هذه المسألة تجري على جميع العقود، مثلاً: في عقد الإجارة، إذا أجّر ملكاً لمدّة تسعين عاماً، وكانت إجارتها قبل تسعين عاماً بتومان واحد، واليوم أيضاً هل عليه أن يعطي ألف تومان؟ الجواب: كلا، لأنّ «العقود تابعة للقصود»، وكان قصد المؤجّر، حيث تقييدي.

واستشكل أحد الفضلاء، وقال: في صدر الإسلام كانت الأموال تنخفض أيضاً وتهبط قيمتها، ولكن لم ترد في رواية بأن تلاحظ قيمتها السّابقة، و«لو كان لبان»؟

فقال سماحته: في الصّدر الأول والأزمنة السّابقة كانت تتغيّر قيمة المال بنسبة مئوية ضئيلة، وكان الاختلاف قليلاً وليس كثيراً، كمثل بعض الدول اليوم التي تكون قيمة أموالها ثابتة، وفي بعض الأحيان تنخفض واحد أو اثنين بالمئة.

وروي أنّ شخصاً قال للإمام (عليه السلام): شخص أوصى بأن يعطوا من أجله عشرين ديناراً سنوياً للحج، ومضت سنوات من وصيته، مثلاً عشرون عاماً، والآن قيمة الحج بخمسة وعشرين ديناراً، فيسأل الإمام (عليه السلام): ما هو التّكليف؟

هذا المقدار من الغلاء أو هبوط قيمة المال، كان في تقرير المعصوم (عليه السلام)، وبحثنا ليس في هذا المورد، وعلى حدّ تعبيرك: «لو كان لبان».

والبحث في مكان يكون فيه هبوط قيمة المبالغ النّقدية غير طبيعي، وعلى سبيل المثال: انخفاض القيمة إلى ألف مرة.

وكان هناك شخص قد عيّن مهر زوجته بـ 25 ديناراً عراقياً، وبعد خمسين سنة توفيت زوجته، وهو يريد الآن أداء مهرها، وتصله من الإرث ربع المهر، وأمّا بقيّته فإلى أولادها، وفي ذلك الحين كانت قيمة 25 ديناراً ربع كيلو من الذهب، وأمّا الآن لن تشتري بـ 25 ديناراً خبزاً واحداً.

وقد قلت لأحد السّادة الفقهاء: ما تقولون في ذلك؟

فقال: لابدّ أن يعطي 25 ديناراً التي على ذمّته.

فقلت له: سيّدي مع 25 ديناراً اليوم لا يعطون خبزاً، فسكت.

وقال أحد الحاضرين: وطبق حديثكم في الموارد المذكورة، هل تتبدّل مهر المسمّى بمهر المثل؟

فقال سماحته: كلا، تتبدّل إلى مهر القيمة.

قيل: هل تقولون ذلك أيضاً إذا عكسنا الموضوع، أي إذا ارتفعت القيمة المالية إلى الأعلى؟

فقال سماحته: نعم، الكلام الكلام، كمثلما حدث في أفغانستان، حيث يُقال بأنّ في مدّة وجيزة ارتفعت قيمة عملتها أضعافاً مضاعفة.

وسُئل سماحته: وفي الدّين كيف؟ مثلاً: قبل سنة أعطى قرضاً بمليون تومان، وبعد مضي السنة هبطت قيمة المليون إلى ربع المليون.

قال دام ظل: في القرض كذلك هكذا، لأنّ القرض عقد و«العقود تابعة للقصود».

نعم، في الربا عندما يشترط الربح، لا نقول ذلك، وذلك من أجل التّشديد الوارد للرّبا، بحيث عبّر القرآن الكريم بـ {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، والإنسان يستوحش ويخاف من هذا التّعبير القرآني.

وقال أحد الحاضرين: كثير من النّاس ليس على اطلاع على تفاصيل هذه المسألة، ويمكن ألا يكون لهم أيّ نية، لا نية المقدار بما هو هو، ولا نية قيمتها، أو لا يكونوا غير ملتفتين بهذه التّفاصيل، وفي هذه الحالة كيف تستدلّون بـ «العقود تابعة للقصود»؟

أجاب سماحته: يكفي إذا كان في ارتكازهم، ولا يلزم الالتفات والانتباه إليها، لأنّ كبرى الارتكاز يقبل بها جميع الفقهاء وهي متسالمة عليها، وارتكاز المتشرّعة في الأحكام، وارتكاز العقلاء في موضوعات الأحكام حجّة.

ونتيجة البحث: العمدة في هذه الفروع، هناك كبريان متسالم عليهما: «العقود تابعة للقصود»، و«الارتكاز».

ثمّ قال سماحته: ليست كذلك في البضائع والمنتجات، مثلاً: إذا باع أرضاً، وهبطت سعرها كثيراً أو ارتفعت سعرها كثيراً، لأنّ مثل هذه المعاملات أصبحت تقريراً، وفرض المسألة هي في مورد النّقد والعملة، وقد أخذ في ارتكاز المتعاملين بعنوان حيث تقييدي.

 

* إذا كانت المهرية متاعاً

وسُئل دام ظله: إذا كانت المهرية بضاعة ومتاعاً، وغُصب ذلك الشيء، وتقول المرأة: أنا أريد ذلك الشيء، فما تكليف الزوج هنا؟

فقال سماحته: وقد ناقش المرحوم الشيخ في (المكاسب) بحثاً مفصّلاً، ففي أيّ مكان إذا ضمن شخص عيناً، إذا استطاع فيجب إرجاع نفس العين، وإذا لم يستطع كأن تكون مثلية، وإذا كانت قيمية فيجب إعطاء قيمتها.

 

* إذن الأب في زواج البكر

والمسألة الأخرى التي طُرحت: هل إذن الأب شرط في زواج البنت العذراء، وعلى فرض وجوب الإذن، إذا عُقدت من دون إذنه، فهل العقد باطل؟ أم أنه ارتكب حراماً فقط؟

فقال سماحته: في هذه المسألة تختلف الرّوايات، وكذلك فتاوى الفقهاء، ولها بحث مفصل، وقد قالت مجموعة، ومنهم المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي: إذن الأب ليس شرطاً بل هو نوع من التأدّب، وقال مجموعة أخرى: إذن الولي الأب شرط في صحّة العقد، وبدون إذنه يترتّب عليه الحرمة التّكليفية إضافة إلى الوصفيّة، أي أنّ العقد باطل وفاسد، وأمّا رأيي فهو بأنّ شرط إذن الأب فقط له حكم تكليفي وليس بوصفي، وإذا عقدت من دون إذنه، فإنّ العقد صحيح، ولكنه ارتكب معصية.

 

* تكملة مصاريف الحج مع القرض

كما سأل أحد الحضور: إذا كان للشخص مقداراً من المال ولا يكفي للحج، فاستقرض لبقيّة مصاريف الحج، فهل يكون حينئذٍ مستطيعاً؟

أجاب سماحته: كلا، وإذا ذهب للحج فقد عمل استحباباً، ولا تُعدّ من حجة الإسلام.

وعقّب السائل نفسه، بقوله: إذا ذهب إلى المدينة المنورة للزيارة بمال القرض، ولكنه من المدينة وحتى مكة وكذلك الرجوع إلى مدينته ينفق من ماله الخاص، هل يكون مستطيعاً؟ وهل يستطيع أن يفعل ذلك من أجل طريق للحل الشرعي، ليكون حجه حجة الإسلام؟

قال سماحته: نعم، في هذه الحالة وبعد الوصول إلى المدينة المنورة يكون مستطيعاً، ويعد حجّه حجة الإسلام، وطبعاً شرط أن يكون ملتفتاً لهذه المسألة، ولكن من دون الالتفات يكون على خلاف ظاهر أدلّة الاستطاعة.

والحلّ الشرعي الآخر: هو أن يُهدي مال القرض لشخص، ثمّ يطلب منه أن يبذل الحج له، وفي حالة البذل، سوف يكون مستطيعاً ويجب أن يحجّ، وتعدّ من حجة الإسلام.

وسأل أحد الحاضرين: وإذا كانت هذه الهبة والهدية أكثر من شأنه، فكيف حينئذٍ؟ ألا يجب عليه أن يخمّسها؟

أجاب سماحته: في المؤونة، وقد ورد الدليل: «الخمس بعد المؤونة»، وهي قد استثنيت من الخمس، وهناك ثلاثة شروط لكي تتعلّق بها الخمس، وهي:

1- الصرف والانفاق في الحلال.

2- أن تكون في حدّ الشأن.

3- أن تكون لها فعليّة.

ومن جانب آخر هناك بحث: هل أنّ في الطّاعة والأعمال المستحبّة تكون الشأنية ملاكاً أم لا؟

مثلاً: إذا كان لشخص عادي، ومن شأنه استضافة خمسة أو عشرة أشخاص، إذا حصل على مال واستضاف مائة شخص، فهل يتعلّق الخمس أكثر من شأنه؟

فقالت جماعة من الفقهاء: نعم، وإن كانت طاعة، ولكن لابدّ أن يكون في حدّ الشأن.

وأمّا مجموعة أخرى، فقالت: في الطاعة ليست مطروحة الشّأن على الاطلاق، وإن صرفت للطّاعة والأعمال المستحبّة، فليست فيها الخمس، ورأينا أيضاً كذلك.

 

* بيع الذهب للحج

وسُئل: إذا كانت للمرأة ذهباً كثيراً، ويكون بمقدار مبلغ الحج، فهل يلزم عليها بيعه والذهاب للحج؟

فقال سماحته: إذا كان الذهب على حدّ شأنها فلا، ولكن إذا باعت واستبدلت بالمال، فهي حينئذ تكون مستطيعة، لأنّ في المال الشأن غير مطروح.

وسأل آخر: ما معنى حدّ الشأن؟

قال سماحته: يعني أنّ هذه المرأة عندما تلبس ذهباً، لا يُقال لها: العجب كلّ العجب من لبسها لكلّ هذا الذهب!! من أين جاءت به؟ أي: كان مورداً للتعجّب.

 

* بيع الأرض للحج

والسؤال الآخر الذي سُئل حول الحج: إذا كان للشخص أرضاً، وهو ليس بحاجتها، فلا هو ساكن فيها ولا عمل معها، وفي حالة بيعها يستطيع أن يذهب للحج، هل يجب عليه أن يبيع الأرض ويحجّ؟

فقال سماحته: إذا لم يواجهه مشكلة اقتصادية نتيجة بيع الأرض والذهاب للحج، لأنّ في الاستطاعة الرجوع إلى الكفاية شرط، وفي هذه الحالة يجب عليها أن يبيعها ويذهب للحج.

سُئل: إذا لم تبع الأرض أو أنّ ثمنها لم يصل بيده، ولكنه يستطيع أن يستقرض من شخص، وبعد الحصول على المال يستطيع أن سيتردّ بيته، هل يُعدّ مستطيعاً؟

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: هذه المسألة ذكرت في (العروة)، وقد قال الأغلبية من الفقهاء: إنّه مستطيع، ويبدو كذلك. ولا يخفى أنّ بعض الفقهاء، قالوا: غير مستطيع.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

28/شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com