المرجع الشيرازي في حديثه مع الكاتب الكويتي عبد العزيز القطان: التخوين ليس بجديد




 

موقع الإمام الشيرازي

 

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في بيته بمدينة قم المقدّسة، المحامي والكاتب الكويتي عبد العزيز بدر القطان، وذلك في مساء يوم الخميس السابع عشر من شهر رمضان العظيم1440 للهجرة، الموافق للثالث والعشرين من شهر أيّار/مايس2019للميلاد.

بعد أن رحّب به سماحته، قال الضيف القطان: سماحة السيّد! ماذا تقولون تجاه الظروف الراهنة واليوم، بالأخصّ للتخوين الموجود اليوم داخل المسلمين، وخصوصاً بين المذاهب، فهذا يخوّن ذاك، وذاك يخوّن هذا؟

قال دام ظله: ألم يك مثل هذا الأمر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وكذلك الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، رغم كل المؤشّرات الإلهية والنبويّة نحوه، اتّهموه بالكفر وبالفسق وبغيرها من التهم والتخوين، واتهموا وجهاً لوجه.

ثم قال سماحته: نحن يمكننا أن نعرّف إسلام رسول الله صلى الله عليه وآله للعالم وليس الإسلام الذي يسمّونه اليوم بإسلام، ففي الحديث الشريف عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: (يأتي زمان على الناس، لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه، ولا من القرآن إلاّ درسه). أي مسلم بالجنسية فقط.

وبيّن سماحته: علينا أن نعرّف إسلام رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، بالأخص سيرتهما في حكومتيهما صلوات الله عليهما وآلهما، فهما اللذين حكما في الدنيا من المعصومين صلوات الله عليهم. فالإمام عليّ صلوات الله عليه حكم قرابة خمس سنوات نصف المعمورة، في الشرق الأوسط، باستثناء الشام الذي كان بيد معاوية، وإلى عمق أوروبا وإلى عمق أفريقيا. وخلال هذه السنوات لم يك في حكومة عليّ صلوات الله عليه إعدام سياسي واحد، ولم يك سجين سياسي واحد رغم كل الأعداء الذين كانوا زمانه صلوات الله عليه. والإمام عليّ صلوات الله عليه لم يبع حتى شبراً واحداً من الأرض للناس، منذ أن قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الأرض لله ولمن عمّرها). فالأرض ليست ملكاً للحكومة أو الدولة، وهذا لا يخصّ الحكومة أصلاً بأن تقوم ببيع الأرض والأراضي للناس. ولذا وببركة عليّ صلوات الله عليه، عمرت الأراضي التي كانت تحت حكومته، رغم قصر مدّتها، ورغم كل المشاكل الكبيرة التي فرضت عليه صلوات الله عليه، ومنها ثلاثة حروب كانت ثقيلة وثقيلة حقّاً.

وأضاف سماحته: إنّ ما نراه اليوم من الولايات المتّحدة الأميركية ومن روسيا ومن غيرها من الدول، إنّ كل ذلك واستضعافنا هو نتيجة ضعفنا نحن، في تبليغ إسلام رسول الله وعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما وآلهما. فالدنيا لا تعرف انّ عليّ صلوات الله عليه حكم خمس سنوات ولم يوجد في حكومته قتيل سياسي واحد، ولا سجين سياسي واحد، ولم يمت من الجوع وبسبب الجوع حتى شخص واحد في حكومة عليّ صلوات الله عليه. بينما تجد في حكومة عثمان بن عفان، أنّ أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه قد مات جوعاً، وهو أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله بحقّه وفي حقّه تكريمات قلّ ما صدر مثلها من رسول الله صلى الله عليه وآله لغيره من الأصحاب.

كذلك اليوم، كم من الألوف من الناس يموتون جوعاً أو بسبب الجوع في العالم مع وجود الكثير من الخيرات؟ فمن ينقذ هذا العالم؟

علماً بأنّ هذه المشاكل ليست خاصّة بالعالم الإسلامي فقط، بل حتى بلاد الكفر ابتليت، مع نسب متفاوتة أو أقلّ من بلاد المسلمين.

وأردف سماحته، بقوله: علينا أن ندعوا العالم للتعلّم من عليّ صلوات الله عليه ومن نهجه. بلى إنّ الكثيرين، سواء أفراد أو حكومات، يدّعون أنّهم يتبعون الإمام عليّ صلوات الله عليه، ولكن انظر إلى واقعه ومصداقه، هل يطبّق ما قام به عليّ صلوات الله عليه؟ وهل لا يوجد عندهم أو لديهم قتيل سياسي واحد، وسجين سياسي واحد، وهل يلتزمون بعدم بيع الأراضي للناس؟

وأوضح سماحته، مبيّناً جوانب أخرى من نهج مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقال: لقد قال عليّ صلوات الله عليه بملئ فمه، جملة لا نظير لها إلاّ عند أستاذه رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي: (وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ). وهذه الجملة نستطيع أن نعرضها للعالم، عرضاً دائماً، وبالبلاغ المبين، حتى يعي العالم ويتحقّق من هذا الأمر. فالإمام عليّ صلوات الله عليه، يعني من قوله الذي مرّ ذكره انّه لا يُشبع نفسه، لأنّه من الممكن، أي ليس مؤكّداً، أن يوجد في حكومتي وفي نقطة بعيدة منها، من لم يشبع! فأين تجد مثل هذا الأمر؟

وشدّد سماحته، بقوله: علينا أن لا نقصّر فيما يكون فيه نجاة العالم، وليس نجاة بلادنا فقط. وأنا وأنت مسؤوليتنا أكبر. فعلى الإنسان، بمقدار مقامه، وبمقدار فهمه، وبمقدار تغطيته، تقع المسؤولية. وحسرتنا وتأسّفنا، ستكون أكثر في الآخرة. ولذا عليك أن تشمّر عن سواعدك، وبالعراقي شدّ حزامك، لهذا الأمر، أي تعريف نهج عليّ صلوات الله عليه للعالم، وبالبلاغ المبين.

كما بيّن سماحته، وقال: للعمل بنهج عليّ صلوات الله عليه، علينا أن نبدأ من أنفسنا أولاً. فعلى الإنسان أن يطبّق ذلك على نفسه مع عائلته. وهكذا المسؤول في الدائرة، والتاجر في متجره، وغيرهما، ففي الحديث الشريف: كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته. فمع الأسف يوجد التقصير. بلى إنّ الدنيا قد لا تصلح مئة بالمئة، ولكن يمكن أن يحدث ذلك بأقلّ أو أكثر.

وأكّد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، بقوله: على الذين يعملون لأجل الإسلام أن يلتزموا بأمرين، هما:

الأول: ترك السلبيات جانباً، وأن يلتزموا ويعملوا بالإيجابيات.

الثاني: عدم الاهتمام بالراحة أو طلبها، لا في الأكل ولا في الزواج، ولا في كل شيء من أمور الحياة، أي عدم تضييع الوقت على الراحة فقط وطلبها. فالذي يريد الله تعالى والآخرة لا يركض وراء الراحة فقط.

وختم دام ظله حديثه مشيراً إلى نموذج واحد مما يقوم به الغرب في المجال الإعلامي والثقافي المكثّف والواسع والكبير والضخم، وقال: كانت توجد مجلّة شهرية، اسمها (المختار من ريدرز دايجست) وكانت تصدر من أميركا، وأتصوّر من سنة 1922 للميلاد، وكانت عبارة عن ترجمة لبعض المقالات الصادرة من مجلة ريدرز دايجست Reader's Digest. وأنا قرأت أعداداً منها في العراق. ومكتوب على غلاف هذه المجلة أنّها تطبع 38 طبعة في 15 لغة، في 28 مليون نسخة! فهل نحن لدينا عمل واحد مثل هذا العمل أو مقابل له؟ وهذا هو واحد من أسلوب البلاغ المبين للغربيين.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) سورة النحل: الآية82.

جدير بالذكر، أنّ عبد العزيز بدر القطان هو مفكّر وكاتب ومحامي كويتي، ومقدّم برنامج (حرّر عقلك) على قناة الميادين، وله العديد من المقالات في الصحف الكويتية، كما لديه مؤلّفات.

24/شهر رمضان/1440هـ


www.s-alshirazi.com