الجلسات العلمية الرمضانية (12)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* حكم بخّاخ التنفّس في الصيام:

في بداية الجلسة سأل أحد الفضلاء: ما هو حكم الاستفادة من بخّاخ التنفّس للصائم؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه: بعض مفطرات الصيام إجماعي، وبعضها الآخر محلّ خلاف بين الفقهاء.

بالنّسبة إلى الغبار الغليظ، فهناك رواية: «كنس بيتاً فدخل الغبار أنفه وحلقه».

أغلب الفقهاء إمّا لهم فتوىً أو قالوا بالاحتياط الوجوبي، وأنّ وصول الغبار الغليظ إلى الحلق مفطر، وكذلك قالوا بها بالنّسبة إلى البخار الغليظ والدخّان أيضاً.

هذه الرّواية، وإن كانت لها شبهة سندية، ولكنّ المشهور عمل بها وهي معتبرة.

عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، قال: حدّثني سليمان بن حفص المروزي، قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصّائم في شهر رمضان أو استنشق متعمّداً، أو شمّ رائحة غليظة، أو كنس بيتاً فدخل في أنفه أو حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك له فطر مثل الأكل والشرب والنكاح».

قال المرحوم السيّد في (العروة): «السادس من المفطرات: إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه بل وغير الغليظ على الأحوط، والأقوى إلحاق البخار الغليظ ودخان التّنباك ونحوه»، والأغلبيّة أيّدوا ذلك، ولم يحشّوا حاشية.

أمّا بالنسبة إلى بخّاخ التنفّس، فهذا لم يك سابقاً، ولم يطرحه الفقهاء، والآن فإنّ أغلب المعاصرين يجوّزونه للصّائم، لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا يُعدّ من الغبار الغليظ، بل هو من الأوكسجين الذي يدخل إلى الجهاز التنفّسي، أي إلى الرئتين، وهو لا يدخل إلى المعدة أبداً، ومن جانب آخر فهو يستهلك في الفم.

يقول صاحب (العروة): إذا استهلك الدم في فضاء الفم وبلعه، بشكل لا يصدق بأنّه بلع الدم، فلا إشكال فيه.

 

* الصيام والعمل الشاق:

وسأل أحد الحضور: الذين لهم أعمالاً شاقّة وصعبة ولا يستطيعون الصيام، ومن جانب آخر لا يستطيعون ترك أعمالهم، هل يجوز لهم بألاّ يصوموا؟ وهل يجوز لهم بأن يأكلوا طعاماً أو يشربوا ماءً منذ بداية الصباح بحيث لا يحتاج أجسامهم إليها؟ وهل يجوز لهم أن يأكلوا أو يشربوا أكثر من الضرورة؟

قال سماحته: ليست لهذه المسألة نصٌ خاص، لذلك علينا أن نرى ماذا نستفيد من العمومات.

ودليل «لا ضرر» حاكم على دليل الصّيام، وأحياناً الشخص مريض والصوم يضرّه، ففي هذه الحالة لا يلزم عليه أن يصوم، بل في الموارد التي تكون تحمّل الضرر حراماً، لا يجوز فيها الصيام.

لكن إذا لم يكن الصيام ضررياً بل كان حرجياً، كالمورد المذكور، فهل يكون دليل «لا حرج» رافعاً له؟

وقد طرحها صاحب (العروة)، ولها رواية أيضاً. 

في النتيجة إذا كان الصيام حرجياً عليه، ومع شرب الماء يرفع الحرج، يستطيع أن يشرب الماء فقط، ولا يجوز له الأكل، ثمّ بعد ذلك يقضي الصوم، وليست عليه فدية.

لكن إذا لم ترفع الضرورة بالماء فقط، بل ويحتاج إلى الطعام أيضاً، بشكل إذا لم يأكل لا يستطيع العمل، وإذا لم يذهب إلى العمل لا يستطيع العيش، وسوف يخسر عمله، فإنّ الصوم يكون حينئذٍ حرجياً، و«لا حرج» يرفع وجوب الصوم، ولهذا السبب يستطيع ألاّ يصوم، ولكن عليه القضاء بعد ذلك.

بالنّسبة إلى السؤال الثّاني: هل يستطيع أن يشرب أو يأكل منذ الصباح؟ نعم، لا إشكال فيه، لأنّ هذا الشخص ليس بصائم أبداً، ولا تجري قاعدة الميسور في الصوم حتى يُقال المقدار الذي يستطيع يمسك عنه، لأنّ الفقهاء صرّحوا أنّ أدلّة الصوم: «الصوم لا يتبعّض».

 

* المسافر وحّد الترخّص في الإفطار:

سأل أحد الفضلاء: المسافر الذي يقصد السفر، لا يأكل ويشرب إلى الحد الذي لم يصل فيه إلى حدّ الترخص، مع أنه منذ البداية لم ينوي بنيّة الصوم؟

قال سماحته: هناك لدينا دليل خاص، وإذا لم يكن الدّليل الخاص، لم نكن نصرح به.

ثمّ أشار سماحته إلى مورد نقضي، وقال: المريض الذي لا يستطيع أن يصوم، فإنّه على الأغلب لا يحتاج إلى الأكل والشرب منذ بداية الصباح وحتّى المساء، بشكل مستمر، بل يستطيع الإمساك لبعض الوقت، ولكن الفقهاء لم يصرّحوا بأنّ الإمساك لازم له.

نعم في انطباق العناوين على المكلّف، الفعليّة شرط، ولكن الشخص الذي هو عامل بناء، ومن دون الأكل والشرب لا يستطيع أن يعمل، وإن كان الأكل والشرب غير ضروري له منذ الصباح، وعدم الأكل في بداية اليوم ليس حرجياً عليه، ومع تلك الحالة يجوز له ألا يمسك منذ بداية الصباح، لأنّ الصوم في جميع النّهار أمر واحد، وهو لا يتبعّض.

 

* القرض بسبب المعيشة والصوم:

في هذا المجال، هناك مسألة، وتحتاج إلى نقاش وبحث، وهي:

هل لمثل هذا الشخص الذي لا يستطيع أن يصوم من أجل عمله، أن يستقرض مبلغاً من المال لأجل معيشته، حتى لا يكون مجبراً في الذهاب إلى العمل أيام شهر رمضان، ويستطيع أن يصوم؟

ناقشت مع بعض العلماء هذه المسألة، فقالوا: نعم، إذا كان يستطيع أن يستقرض ويصوم، فيلزم أن يفعل ذلك.

لكن ما الدليل الموجود على وجوب أخذ القرض؟ وإذا كان أخذ القرض له عادياً وسهلاً ولا يقع في الحرج أو صعوبة، يمكن حينئذٍ نستطيع القول يجب أن يستقرض، ولكن عادة هناك حرج للناس في أخذ القرض، وهم يقعون في المشقّة.

مثل هذه المسألة، أيضاً: هناك شخص مريض لا يستطيع أن يصوم، وإذا استطاع أن يعالج نفسه يستطيع حينئذ أن يصوم، هل يجب عليه أن يعالج؟ قالوا: لا يلزم ذلك، نعم إذا عولج بحبّة واحدة من الدّواء، وهذا عرفاً ليس اسمه علاجاً، ولابدّ من الأداء والصيام.

وسأل أحد الحاضرين، بقوله: هل هكذا حكم الحجّ أيضاً؟ أي إذا تقولون في الصوم إذا كان القرض عادياً وسهلاً ولا يكون حرجياً، ولابدّ من الاقتراض والصيام، وفي باب الحجّ إذا استطاع أن يستقرض ويذهب إلى مكّة، لم لا تقولون بأنّ الاقتراض أيضاً واجب؟

قال سماحته: في باب الحجّ هناك إجماع بأنّ القرض غير واجب، بل مستحبّ، وإذا ذهب بمال الحجّ لا يُعدّ حجّه بحجّة الإسلام، لأنّهم قالوا: تحصيل الاستطاعة غير واجبة.

 

* الحيض قبل المغرب:

سأل أحد الحاضرين: إذا كانت لامرأة يقيناً بأنّها ستحيض قبل المغرب، هل يجب عليها الإمساك من أول الصباح؟

قال سماحته: طبق القاعدة نعم، إذا كان الشخص يعلم أنّه يسافر قبل الظهر، ولا يستطيع من أول الصباح أن يفطر صيامه في بيته.

قيل: إذا كانت للمرأة يقيناً أنّ شرط الطهارة ينقض قبل المغرب، وبالنّظر إلى أنّ في الصيام الطهارة من الفجر وحتى المغرب شرط، فكيف تنوي الصيام؟

قال سماحته: تنوي نيّة الإمساك، كمثل شخص يبطل صومه، ولكن إمساك بقيّة اليوم واجب عليه.

 

* الأمراض الكلوية:

سُئل سماحته: الشخص الذي لديه مشكلة كليوية، وقد قال له الطبيب: عليك بشرب الماء كثيراً، ما هو حكم صيامه؟

أجاب سماحته: إذا كان ذو العطاش، وعلى حدّ تعبير صاحب (العروة): «من به داء العطش»، أي الشخص المريض، وعلى إثر مرضه يشعر دائماً بإحساس العطش، موضوعية، أو شكّ هل له موضوعية أم لا؟ وأنّ الأصل موضوعية، ففي هذه الحالة فإنّ المريض الكليوي الذي ليس لديه شعوراً بإحساس العطش، بل هو يشرب الماء من أجل احتياج الجسم، لا يصوم، وإضافة إلى الماء، يستطيع أن يتناول الطعام أيضاً، وحكمه حكم المريض.

لكن إذا كان لإحساس العطش في ذي العطاش طريقيّة، وليست موضوعية، وفي الظّاهر يبدو كذلك، وفي هذه الحالة فإنّ المريض الكليوي له حكم ذو العطاش، ويصوم، وهو محتاج إلى شرب الماء فقط، ولا يأكل الطعام، ويُعطي فدية.

لا يخفى بأنّ لزوم القضاء عليه محلّ خلاف، وقال جماعة كصاحب (العروة): يجب على ذي العطاش القضاء إذا كان باستطاعته.

وإنّ صرح صاحب (العروة) بالاحتياط الوجوبي، بألا يشرب الماء أكثر من الضّرورة، ولكن جماعة قالوا: يستطيع أن يشرب الماء بقدر ما يريد، ولا إشكال فيه، وعلى كلّ حال فإنّ هذه المسألة تابع للاستظهار.

هنا قال صاحب (العروة) بالاحتياط الوجوبي.

علماً أنّ احتياطات صاحب (العروة) بالنّسبة إلى الفقهاء الذين بعده، كثيرة، ولكن بالنّسبة إلى الفقهاء الذين قبله أو المعاصرين له فقليلة.

نقل بأنّ المرحوم السيّد إسماعيل الصدر الذي كان من الفقهاء المحتاطين، وبمناسبة الصّداقة والزّمالة التي كان يجمعه مع صاحب (العروة)، قال له يوماً: لمَ أفتيتم في (العروة) كثيراً، وقلتم بالاحتياط قليلاً؟

فقال المرحوم صاحب (العروة)، مازحاً له: أنا أفهم فأفتي، ولكنّكم لم تصلوا إلى المسألة، فتحتاطوا.

 

* من موارد سقوط القضاء:

ثمّ بعد ذلك أشار سماحته في هذا المجال إلى مسألة أخرى، وقال: إذا كان شخص مريضاً في شهر رمضان، ولا يستطيع أن يصوم، واستمر مرضه إلى السنة المقبلة، فبالإجماع القضاء يسقط عنه، وعليه الفدية فقط.

ولكن إذا كان مريضاً في شهر رمضان، ولم يصم، وفي بقيّة السنة، بسبب عذر آخر لم يستطع القضاء، مثلاً مرض بمرض آخر غير المرض الذي ابتُلي به في شهر رمضان، أو كان مسافراً في بقيّة السنة، ولم يستطع أن يقضي شهر رمضان، أو امرأة حملت بعد شهر رمضان، والخلاصة: إذا وجد عذراً في شهر رمضان، ولم يستطع أن يصوم، وفي بقيّة السنة وبسبب عذر آخر لم يستطع القضاء، فهنا أقوال الفقهاء مختلفة:

في (العروة) طرحت هذه المسألة، وما ذكره جماعة، ويبدو هو الأقرب: إذا لم يستطع في شهر رمضان بأيّ عذر أن يصوم، وفي بقية السنة بأيّ عذر آخر لم يستطع القضاء أيضاً، يسقط القضاء، وتبقى على ذمّته الفدية فقط.

 

* كفارة الفسّاق:

سأل أحد الحاضرين: الفسّاق الذين لا يصومون في شهر رمضان، أي لم ينووا بنية الصيام أبداً، ومن أول الفجر لم يكونوا صائمين أبداً، إذا أكلوا شيئاً في وسط النّهار أو شربوا ماء، وطبق القاعدة لا كفّارة لهم، لأنهم في الأصل لم ينووا بنية الصيام أبداً حتى يبطل صيامهم؟

فقال سماحته: عليه الكفّارة، لأنّ الدليل يصرّح: «من أفطر متعمداً»، عليه الكفّارة، واطلاقها تشمل مثل هذا الشخص الذي لم ينوي الصوم أبداً، والنص غير مقيّد للشخص الذي نوى الصوم، وبعد ذلك أفطر.

سُئل: إذا لم ينوي الشخص في شهر رمضان بنية الصوم، وبالمناسبة لم يقم بالإفطار منذ الصباح وحتى المغرب، فهل عليه الكفارة؟

فقال سماحته: كلا، عليه القضاء فقط، لأنّ دليل الكفار يقول: «من أفطر»، وهذا الشخص لم يقم بالإفطار.

 

* الرجوع للوطن قبل الزوال:

في ختام هذه الجلسة، طُرحت هذه المسألة: إذا ذهب شخص للسفر في رمضان، ولم يكن لديه نيّة الصوم، وفي السفر لم يأكل شيئاً، ورجع قبل الظهر إلى وطنه، هل يستطيع أن ينوي نيةّ الصوم؟

أجاب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، وقال: بناءً على المشهور بأنّ تبييت النية ليس واجباً، يجب أن ينوي نيّة الصوم، لأنّ الدّليل قد صرّح: إذا رجع المسافر قبل الظهر إلى وطنه ينوي نيّة الصيام.

أمّا أولئك الذين واستناداً على بعض الرّوايات، قالوا بإلزام تبييت النيّة، فهم يستشكلون بصحّة صوم هذا الشخص، ولكن تلك الروايات عند المشهور معرض عنها.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

23/شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com