الجلسات العلمية الرمضانية (11)




 

موقع الإمام الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين

وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين

 

 

* العرف وتشخيص المصاديق:

في بداية جلسة هذه الليلة سأل أحد الحضور: هل العرف مرجع في المصاديق أيضاً، كما هو مرجع في المفاهيم؟

قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: في الأصول خاصّة، قال المتأخّرون: العرف مرجع فقط في المفاهيم، وأمّا في المصاديق فلا اعتبار لرأي العرف، لأنّ العرف يسامح في التّطبيق، وأمّا في الفقه، وبعد مراجعة الكتب الفقهيّة للأعاظم، بدءاً من الشيخ الطوسي وحتى فقهاء اليوم، نرى أنّ في المصاديق صرّح الكثيرون بمراجعة العرف، وعلى سبيل المثال:

1- في البئر ومنزوحاته: وردت في عشرات الروايات حول عدد الدّلاء، ولكن ما هو الدّلو الذي يكون ملاكاً، لأنّ للدّلاء أحجام مختلفة، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وصاحب (الجواهر) والشيخ الأنصاري والآخرون في هذه المسألة، قالوا بالرجوع إلى العرف، مع أنّ مقدار الدّلو، مصداق وليس مفهوماً.

2- حدّ الترخّص: قال الشارع: أنّ الذي يريد سفراً شرعياً ويقرأ صلاته قصراً ويفطر صيامه، حينما يتجاوز عن الحدّ عليه القصر والإفطار.

لكن أين حدّ الترخّص؟ ووردت في الأدلّة المكان الذي «توارى عن البيوت»، أي لا يرى جدران المدينة، أو لا يسمع آذانها.

عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد السفر متى يقصر؟

قال: «إذا توارى عن البيوت».

قال: قلت: الرجل يريد السفر، فيخرج حين تزول الشمس، قال: «إذا جزت فصل ركعتين».

يقول الفقهاء: وفي تشخيص مصاديق اختفاء الجدران، وعدم سماع الأذان، هو الرجوع إلى متعارف الأشخاص، لا الشخص الذي لديه نظراً حادّاً جدّاً، أو سمعاً قويّاً ودقيقاً، فإنّه هو الملاك، ولا الشخص الذي نظره أو سمعه أقلّ من الحدّ المتعارف.

وهذه الموارد جميعها مصداق، وقد أرجعت إلى العرف.

نعم المسامحة العرفية مرفوضة، أي في مورد إذا سامح العرف فلا اعتبار له، ولكن إذا رأى العرف توسعة في مكان ما، لا أن يقوم بالمسامحة، وبعبارة أخرى: التّوسعة العرفيّة والمسامحة العقليّة في هذا المورد، نستطيع إرجاعها إلى العرف، لأنّ خطابات الشارع ألقيت إلى العرف، ومع أنّ الشارع يعلم أنّ العرف لا يقوم بالدقّة العقليّة، فإذاً إذا كان البناء لازماً على الدقّة العلميّة لكان قد لكان قد أشار إليها، ولأنّ الشارع لم يُشر إليها، فنعرف من ذلك بأنّ الدقّة العقليّة ليست ملاكاً.

نعم، أحياناً في بعض المصاديق يشكّ، وعندما يكون جزء المصاديق مشكوك به، فلابدّ حينئذٍ من الرجوع إلى الأصول العملية.

 

* استنابة ذوي الأعذار:

وسأل أحد الحاضرين: هل يجوز استنابة ذوي الأعذار؟ وهل هي صحيحة؟ مثلاً: شخص بيد واحدة يكون أجيراً، أو تكون المرأة نائبة عن الرجل في القيام بأعمال الحجّ، مع أنه يعلم بأنها سوف تكون لديها عذراً شرعياً أثناء الحجّ؟

أجاب سماحته: هذه المسألة محلّ خلاف، وقال صاحب (العروة)، ومجموعة أخرى: الأصل عدم نيابة المعذور، وجماعة تمسّكوا بإطلاقات النيابة، وقالوا: النّيابة صحيحة.

وجذورها موجودة في علم الأصول، إذا قلنا في باب الاطلاق: الحجيّة المطلقة مشروطة بأن تكون محرزة بأنّ المتكلم في مقام البيان كان من هذه الجهة، وهنا لو أردنا التمسّك بالإطلاق لابدّ أن يحرز بأنّ الإمام (عليه السلام) عندما أجاز الاستنابة في مقام البيان كان من هذه الجهة، حتى لو كان النّائب معذوراً لا إشكال يه.

أمّا لو لم نعتبر مثل هذا الشرط في حجيّة الاطلاق، بل قلنا إذا لم يكن محرزاً بأنّ المتكلم ليس في مقام البيان من هذه الجهة، فيكفي، وهذا هو المختار وعمل الفقهاء واستنادهم بالإطلاقات في الموارد المتعدّدة، والشّاهد على هذا بأنّ في حجيّة الاطلاق غير معتبر مثل هذا الشرط.

وفي هذه الحالة نستطيع التمسّك بإطلاقات النيابة، والفتوى بجواز استنابة ذوي الأعذار، وإن لم يكن محرزاً بأنّ الإمام (عليه السلام) كان في مقام البيان من هذه الجهة أم لا؟

على سبيل المثال: نذكر موارداً، تمسّك الفقهاء بالإطلاقات، مع أنه غير واضح من تلك الجهة كان في صدد البيان:

تشخيص جهة القبلة والاختلاف حولها، حيث قال المرحوم صاحب (الجواهر): إذا كان تشخيص الإمام والمأموم مختلفان في جهة القبلة، وكلّ واحد منهما وقفا إلى جهة معيّنة، فلا مانع منها، وطبعاً ليس بذلك المقدار الذي يتجاوز اليمين أو اليسار، أو يكون الظهر نحو القبلة، فقال: اطلاقات الجماعة تشمل حتى هذا المورد، والاقتداء صحيح، ولا يخفى أنّ الكثيرين قد استشكلوا على صاحب (الجواهر).

 

وقال أحد الحاضرين: تقول الرواية: «ما بين المشرق والمغرب قبلة».

قال سماحته: نعم، هذا للجاهل، وليس العالم بالقبلة.

الخلاصة: هذا بحث متجذّر، ويتفرّع عليه مئات الفروع، وإذا قلنا بأنّ الاطلاقات تشمل نيابة المعذور، فاستنابته صحيحة، لكن إذا شكّ في الاطلاق، فإنّ مكان الأصل هو الاشتغال، لأنّ أدلّة لزوم الأجزاء والشروط تكون مقتضى أدائها، ولا يستطيع الشخص المعذور القيام بأداء العمل بشكل كامل.

وحول الفرع الذي قلت: هل تستطيع المرأة أن تكون نائبة عن الرجل، مع أنه يعلم بأنها سوف يكون لديها عذراً شرعياً، فإنّ أغلب الفقهاء صرّحوا بالجواز، ولا يخفى بأنّ هناك رواية بأنها لا تستطيع أن تكون نائبة، ولكنّها غير معمولة بها، بل وأعرضت عنها.

 

* الاقتداء بالشخص المعذور:

سأل أحد الفضلاء: هل يستطيع الشخص المعذور في صلاة الجماعة أن يكون إماماً؟ وهل يستطيع الاقتداء به؟

قال سماحته: صرّح الفقهاء في صلاة الجماعة بتوسعة أكبر، على خلاف نيابة الحجّ.

وفي صلاة الجماعة، فإنّ أيّ عذر يكون لإمام الجماعة نستطيع الاقتداء به، إلا في مورد واحد وهو لا يجوز بالإجماع، وهو أن يكون الإمام قاعداً والمأموم واقفاً، إلا في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّ هذه من خصائصه، للنصّ الخاص.

في باب الجماعة: إذا كان لدى إمام الجماعة أيّ عذر يجوز الاقتداء به، إلا ذلك المورد الخاص، مثلاً إذا لم يكن للإمام يداً واحدة، وفي سجوده لا يسجد على الأعضاء السبعة الكاملة، أو لا يستطيع الإمام من الركوع بل يومئ، فالاقتداء به لا إشكال فيه، حتى ولو كان الإمام معذوراً في القراءة، وتلفّظ بكلمة وأخطأ فيها، نعم الاحتياط هو أن يكرّر المأموم تلك الكلمة صحيحة مع نفسه.

 

* نجاسة ثياب إمام الجماعة:

وسأل آخر: إذا كان ثياب إمام الجماعة متنجساً، وكان جاهلاً بنجاسته، هل صلاة المأموم صحيحة؟

قال سماحته: نعم، لأنّ الطهارة من الخبث شرط ذُكري، حتى ولو كان المأموم متيقّناً بأنّ ثياب الإمام متنجس، وكان إمام الجماعة نفسه جاهلاً، فإنّ الاقتداء به صحيح، ولا يلزم أن يقول للإمام بأنّ ثيابه متنجس.

نعم إذا كان المأموم يعلم أنّ وضوء أو غسل إمام الجماعة كان خاطئاً، فإنّ الاقتداء به مشكل، لأنّ الطهارة من الحدث شرط واقعي: «لا صلاة إلا بطهور».

 

* صلاة القضاء الاحتياطية:

سأل أحد الفضلاء: توفي شخص، وأعطوا احتياطاً عنه صلاة قضاء، فإذا كان الشخص الذي يقرأ صلاة الاحتياط للميت، هل يجوز الاقتداء به؟

قال سماحته: كلا، لأنه ليس محرزاً هذه الصلاة التي يقرأها هي صلاة واجبة، نعم يستطيع الاقتداء به في حالة واحدة، وإن لم أر أحداً قال بها، ولكن طبق القاعدة، وعلى حسب أقوال الفقهاء في الموارد الأخرى، نستطيع أن ندركها، وهي التّرامي في النية، والجدير بالذّكر: وذلك في غير المورد الاستيجاري.

بمعنى أنّ إمام الجماعة ينوي، هكذا: مثلاً: أنوي قراءة أربع ركعات لصلاة الظهر بنية قضاء صلاتي، وإذا لم تكن هناك صلاة على ذمتي، فمن جانب المرحوم والدي، وإذا لم تكن على ذمته، فمن جانب أمي، وإذا لم تكن على ذمّتها، فمن جانب جدّي، وهكذا حتى يطمئنّ في مكان ما بأنّ هذه الصلاة التي يقرأها قضاء هي صلاة واقعية، وفي هذه الحالة فإنّ الاقتداء به صحيح، وهذا ترديد في المنوي، وليس ترديداً في النية، ولا إشكال فيه.

ولا يخفى فيما يخصّ النائب إذا أراد أن ينوي مثل النية المذكورة يجب أن يستجير من المستنيب (ورثة الميت الذين أعطوه صلاة القضاء).

وسأل أحدهم: إذا أصبح شخص أجيراً لأجل صلاة القضاء للميت، ولا يعلم بأنّ هذه الصلاة، كانت على ذمّة الميت الواقعي أم أنهم أعطوه احتياطاً، هل يستطيع أن يكون إماماً للجماعة؟

قال سماحته: كلا، لا يكفي، لأنّ المورد يكون قاعدة الاشتغال والاحتياط وليست البراءة.

 

* أداء المستحبات في الصلاة الاستيجارية:

سأل أحد من الحاضرين: في الصلاة الاستيجارية هل على الشخص الأجير أن يقوم بالمستحبات أيضاً، كمثل الآذان والإقامة والقنوت؟

قال سماحته: تابع لعقد الإجارة، وإذا اشترط في العقد ولو كان شرطً ارتكازياً، فلابدّ أن يقوم بها، وكيف إذا قيل بالنسبة إلى القنوت، والشرط الارتكازي في أدائه.

وإذا شكّ هل كان هناك شرط في الصلاة الاستيجارية أم لا، فهنا تأتي قاعدة الاشتغال، وليس الأقل والأكثر، حتى تجري البراءة.

أي يعلم بأنّ ذمّة النّائب اشتغلت بصلاة لأجل المنوب عنه، وإذا أدّاها من دون قنوت فليس معلوم بأن ذمّة النائب قد برئت.

 

* القمار في الشبكة العنكبوتية:

والمسألة الأخرى التي طُرحت: هل يجوز القمار في الشّبكة العنكبوتية «الأنترنيت»؟

فقال سماحته: إذا كان في القمار شخص آخر لكي يقامر معه، لا يجوز مطلقاً للإطلاقات، ولا يختلف الشبكة العنكبوتية عن غيرها، وإذا لم يكن هناك طرف ثان، لا يصدق هنا القمار لأنّ المقامرة هي بين طرفين اثنين.

قيل: أليست الاطلاقات منصرفة بالقمار الخارجي، لأنه لم يكن في عهد المعصومين (عليهم السلام) توجد الشبكة العنكبوتية «الانترنيت»؟

فقال سماحته: روايات حرمة القمار، ليست قضية خارجية، بل هي حقيقية، وليست بحاجة أن تكون مصاديقها في زمن المعصومين (عليهم السلام).

قيل: فإذاً كيف تقولون بالنسبة إلى رؤية الهلال أو الفجر، بأنّ الملاك العين غير المسلّحة؟

فقال سماحته: في رؤية الهلال والفجر، محرز بعدم الاطلاق حتى تكون شاملة للرؤية مع التلسكوب أيضاً، ولهذا السبب فإنّ الاطلاقات تحمل على المتعارف، والرؤية بالتلسكوب غير متعارف.

 

* الربا من الكفار:

سُئل: ما هو حكم إعطاء الرّبا وأخذه من الكافر؟

أجاب سماحته: إعطاء الربا لا يجوز مطلقاً، سواءً للمسلم أو الكافر، وهكذا بالنسبة إلى أخذ الربا لا يجوز من المسلم، وأما أخذ الربا من الكافر الحربي فجائز بالإجماع، للدّليل الخاص، وأخذ الربا من الكافر غير الحربي فمحلّ خلاف، وقد صرّح الكثير من الفقهاء: لا يجوز، لأنّ أدلّة حرمة الربا لها إطلاق، وهي تشمل غير الحربي أيضاً.

 

* معيار أداء المهور القديمة:

والسؤال الآخر المطروح، وقد كان مورداً للإشكال والمناقشة من طرف بعض الفضلاء، وهو: إذا جعل رجل مهر زوجته قبل خمسين عاماً مثلاً ألف دينار، والآن يريد أن يؤدّي مهرها، هل يُحاسب قيمة الألف دينار بقيمة اليوم؟

فقال سماحته: نعم، القاعدة المسلّمة «العقود تابعة للقصود» تدلّ عليها، ففي ذلك الحين الذي عيّن ألف دينار مهراً لهذه السيّدة، فبالنظر إلى قيمة ألف دينار في ذلك الحين، فالقيمة هي المعتبرة، وإلا لم يعيّنوا خمسمائة أو ألفين، وبناءً على هذا فإنّ قيمة الألف دينار كانت في ارتكاز الطرفين، أي أنها في صورة حيث التّقييدي وليس حيث التّعليلي.

هكذا في القرض أيضاً. ومثلاً لو أعطى مليون دينار قرضاً لشخص قبل عشرين عاماً، ولكن الذي استدان لم يرجع له المبلغ المذكور، وماطل في الأداء، وبعد عشرين عاماً يجب أن يحاسب قيمة المليون السّابق، ليعطي للدائن، إلا إذا رضي المدين بأقلّ من ذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

23/شهر رمضان/1440هـ

 

 


www.s-alshirazi.com