المرجع الشيرازي: عظمة الإنسان بالدنيا وسعادته بالآخرة رهين القناعات والشهوات




 

موقع الإمام الشيرازي

 

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته بمدينة قم المقدّسة، وفد من مدينة النجف الأشرف، ضمّ طلبة العلوم الدينية وأحد وجهاء عشيرة بني كعب، وذلك في مساء اليوم السابع من شهر شعبان المعظّم للسنة الهجرية الجارية 1440، الموافق للثالث عشر من شهر نيسان/أبريل 2019 للميلاد.

بعد أن رحّب سماحته بالضيوف الكرام، قال: أمران مهمّان جدّاً، جعلهما الله تبارك وتعالى في داخل كل شخص، ومنهم نحن جميعاً، وهما طاقتان متعارضتان ومتنازعتان أغلب الأحيان، وهما:

الأولى: الطاقة التي يسمّيها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة بالعقل، ويعني القناعات، وهي ما يقتنع به الإنسان بأنّه جيّداً، وما يقتنع به أنّه سيّئاً. وهي الفطرة الموجودة في داخل كل إنسان، التي يقول القرآن الكريم عنها: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) سورة الروم: الآية30. ويقول أيضاً: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) سورة البقرة: الآية44، و: (أَفَلَا يَعْقِلُونَ) سورة يس: الآية68.

الثانية: طاقة الشهوات. أي النفس الأمّارة بالسوء وما تشتهيه.

وقال سماحته: غالباً تتعارض القناعات والشهوات. فإذا، لا سمح الله، سبّك شخص ما أو اتهمك أو اغتابك، فإن الشهوات تملي عليك وتضغط بأن تردّ عليه بفعل أي شيء يمكنك فعله، حتى إلى درجة القتل، أي قتل الشخص الذي سبّك أو اتهمك أو اغتابك. وأما القناعات، أي العقل، فيقول لك كلا، لا تقتل الشخص لأنّه سبّك. فالإنسانية تملي على الإنسان في تعامله مع الذي سبّك، أن تردّه بالجميل، كما هو مذكور في القرآن الكريم، في قوله عزّ من قائل: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) سورة الفرقان: الآية63. وهذه هي القناعات.

وأضاف سماحته: إذا عزم الإنسان على أنهّ في كل معارضة بين الشهوات والقناعات أن يقدّم القناعات ويعمل بها، أو أن يرى ما يفعله غيره من الأعمال الجيّدة فيعمل بها هو أيضاً، فمثل هذا الإنسان سيجعله أن يكون مثل الشيخ الأنصاري والشيخ الطوسي والسيد بحر العلوم قدّست أسرارهم. وأما إذا قدّم الشهوات فستذهب منه الدنيا والآخرة، أي لا دنيا له ولا آخرة.

وقال سماحته: مثال على ذلك: شخصان مصابان بمرض السكّر، جلسا على مائدة فيها صحن من الحلوى. فهنا تبدأ الشهوات والقناعات بالتعارض والتنازع. فالشهوات تضغط على الشخصين المذكورين بتناول الحلوى وأكلها، والقناعات، أي العقل، يقول لهما اجتنبا الحلوى ولا تأكلا منها حتى بمقدار ملعقة شاي صغيرة، بل لا تأكلاها أصلاً. فترى الأول يعمل بقناعاته ويمتنع عن الحلوى، فينام ليلته مرتاح البال وسليماً في بدنه. وأما الثاني فيرضخ لشهواته ويأكل من الحلوى أو يأكلها كلها، فيصاب بارتفاع مستوى السكر في ليلته ويتأذى، وربما يؤدّي به إلى الموت. فهل يليق بالإنسان أو هل هو أمر حسن أن يموت الإنسان بسبب أو لأجل صحن حلوى؟!

وأكد سماحته: على الإنسان أن يعمل بالقناعات في كل شيء، في المشاكل العائلية والسياسية والاقتصادية والصحيّة، وغيرها. فإذا أردتم أن توفّقوا التوفيق العظيم في الدنيا، وتكونوا من العظماء في مستقبل التاريخ، ويذكر اسمكم بالخير ويكون موجوداً بعد ألف سنة أو ألفين، فصمّموا على أن تقولوا: نعم للقناعات، وكلا للشهوات. وهذا الأمر بحاجة إلى عزم وإرادة، وإلاّ فالشهوات تضغط على الإنسان وتضغط. وحقّاً إنّه ليبعث على التأسّف أن يعيش الإنسان في الدنيا ويذهب إلى الآخرة، ويتحسّر على ما فعله في الدنيا. فصمّموا على هذا الأمر حتى تقلّ عندكم الحسرات في يوم الآخرة.

وختم دام ظله وقال: أسأل الله تعالى أن يعينني ويعينكم، وأسألكم الدعاء عند الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم في النجف الأشرف وفي كربلاء المقدّسة، والكاظمية المقدّسة، وكذلك في سامراء المشرّفة إذا وفقتم لزيارتها، وأنا أدعو لكم جميعاً. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

13/شعبان/1440هـ


www.s-alshirazi.com