المرجع الشيرازي يؤكّد: من المؤسف حقّاً انشغال الشيعة بالصراعات الداخلية




 

موقع الإمام الشيرازي

 

إنّ مشكلات الدنيا فيها تقييم، ولا تقييم للراحة في الدنيا. ويقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة). ولهذا ترى الإنسان في الآخرة يتحسّر على الحلاوة التي كانت له في الدنيا. وهذا يعني أنّ ساعات الراحة في الدنيا هي ساعات الحسرة في الآخرة. فإذا هكذا صار تقييم الإنسان، وهكذا يقيّم، فسوف يتوفّق أكثر. فعادة الناس يفرّون من المشكلات، كالفقر ولا سمح الله كالمرض، وكذلك المشاكل الاجتماعية والمشاكل العائلية والمشاكل السياسية.

هذا ما بيّنه المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في حديثه مع السيد ضياء الدين، أحد الناشطين والفاعلين في المجال الفنّي السينمائي، من دولة الكويت، الذي زار سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، صباح السبت التاسع عشر من شهر جمادى الأولى 1440 للهجرة الموافق للسادس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير2019 للميلاد، في بيته بمدينة قم المقدّسة.

وقال سماحة المرجع الشيرازي: لقد كان عمر الإمام الحسين صلوات الله عليه سبعة وخمسين سنة، أي مائة وأربعة عشر ستة أشهر. وعندما تقرأ التاريخ وتقرأ ما قاله الله تعالى عن الإمام الحسين صلوات الله عليه، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله عن الإمام الحسين صلوات الله عليه، وما قالته السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها عن الإمام الحسين صلوات الله عليه، وما قاله باقي الأئمة صلوات الله عليهم عن الإمام الحسين صلوات الله عليه، وما قاله الإمام الحسين صلوات الله عليه عن نفسه، تجد أنّ تسعين بالمائة منها أو أكثر كان بحق الإمام الحسين صلوات الله عليه في الستة أشهر الأخيرة من عمره الشريف، أي من بعد موت معاوية لعنه الله، من شهر رجب سنة 60 للهجرة وإلى شهر محرّم الحرام سنة61 للهجرة، وباقي ما ذكر بحقّ الإمام الحسين صلوات الله عليه كانت في الستة الأشهر المائة وثلاثة عشر من عمر الإمام، من يوم مولده وإلى أيّام حياته مع جدّه النبيّ صلى الله عليه وآله ومع أبيه وأمّه وأخيه صلوات الله عليهم وفي العشر سنوات من بعد أخيه الإمام الحسن صلوات الله عليه، التي سبقت الستة أشهر الأخيرة من عمره الشريف صلوات الله عليه. والسبب في ذلك هي المشاكل التي تعرّض لها الإمام الحسين صلوات الله عليه في الستة أشهر الأخيرة من عمره الشريف.

وأوضح سماحته، وقال: نحن في عصر مشاكله أقلّ من العصور السابقة، ونتائج العمل فيه أكثر من العصور السابقة. فعلى سبيل المثال، أذكر لكم ما كتبه التاريخ، وهو عن أب هارون العباسي، أي المهدي العباسي، الذي كان يحكم في مدينة بغداد. هذا الشخص كان شديداً تجاه شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم، ومن ذلك، أنّه كان يأمر بالبحث في الصحاري في أطراف مدينة بغداد، عن ثقوب الأفاعي والحيّات، وكان يأمر بدق مسامير كبيرة عند هذه الثقوب أو بالقرب منها، وكان يأمر بشدّ وربط الشيعة بحبل في تلك المسامير بعد أن يجرّدهم من الثياب، أي يربطهم عراة، ويتركونهم حتى تخرج الأفاعي والحيّات بعدها أو في الليل فتلدغ الشيعي المربوط بتلك المسامير وتقضي عليه!

وأضاف سماحته: لو أنّ كل واحد منّا، وضع في كفّة ميزان كل ما لقيه من مشاكل، وتوضع في الكفّة الأخرى مقتل شيعي واحد من الشيعة الذين كان المهدي العباسي يقتلهم بتلك الطريقة في ربطهم عند ثقوب الأفاعي، فهل ترجح كفّة ما نلاقيه نحن من مشاكل، أم كفّة ذلك الشيعي الذي قتل بتلك الطريقة؟ علماً بأنّ المهدي العباسي كان قبلها يأمر الشيعي بسبّ الإمام عليّ صلوات الله عليه، والعياذ بالله، فإن سبّ أطلق سراحه، ولم يقتله أصلاً.

وقال سماحته: بلى قد تكون المشاكل في بعض البلدان شديدة، ولكن كمشكلة داعش وأمثالها، فهذه مؤقتة. ففي الفترة من بعد استشهاد مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أي من مجيء معاوية والأمويين والمروانيين والعباسيين، هذه الفترة والمدّة الزمنية كانت مليئة بالمشاكل الشديدة للشيعة. وإضافة إلى ذلك، كانت آثار الأعمال قليلة، أي آثار هداية الناس، بحيث كان ذلك العمل يحتاج إلى قرابة مئة سنة حتى يؤتي أكله، ويتم الحصول على آثاره ونتائجه وثمراته. ولكن اليوم كثرة الوسائل وتوفّرها صارت سبباً في تسهيل الحصول على آثار ونتائج العمل. ورغم كل المشاكل، ورغم كل السلبيات يمكن اليوم العطاء.

ثم تحدّث الضيف الكريم، وذكر لسماحة المرجع تقريراً عن أعماله وفعالياته. وكذلك تحدّث عن الغزو الثقافي والفكري والاجتماعي وحتى الأخلاقي الذي يتعرّض له المسلمون، وبالأخصّ الشباب منهم، وبالذات في دول المنطقة، وتقدّم وتفنّن وتطوّر العدو في مجال صناعة وإنتاج الأفلام والمسلسلات وأمثالها وصرفه للمليارات من الأموال بهذا المجال، وحصوله على الأرباح الطائلة والكثيرة من هذه الأمور. فذكر انّ غيرنا يقوم بإنتاج أربع مسلسلات في كل شهر، وبالأخص المسلسلات غير الأخلاقية التي تهتك حرمات المجتمع ومحرّمات الشرع، بينما لا ننتج نحن من المسلسلات المفيدة سوى مسلسل واحد في كل أربع أو خمس سنوات!

كذلك ذكر الضيف جانباً من محاولات الغزو الثقافي والفكري والاجتماعي والأخلاقي للمسلمين، وبالتحديد للشباب المسلم، وهي شركة (Netflix) وهي شركة قد جعلوها تشتهر عالمياً في مجال مشاهدة الأفلام والمسلسلات التلفازية، عبر أجهزة الهواتف الذكية لجميع الناس في كل العالم. وأكّد الضيف على معاناة الشيعة العاملين في هذا المجال والمشاكل التي تعترضهم ويعانون منها بالأخص في المجال المالي والتمويني، وغيرها.

فقال سماحته: يوجد قول جميل للسيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله تعالى، وهو: "لا ينتشر الهدى إلاّ من حيث انتشر الضلال". وأسأل الله تعالى أن يوفّق الشيعة لهذا العمل. فالمشكلة الكبيرة للشيعة التي تدعو إلى التأسّف حقّاً، هي أنّ طاقات الكثير من الشيعة تُصرف في الصراعات الداخلية، وبالأخص الأموال. بلى أنّ كل الأمم والمذاهب عندهم صراعات داخلية، لا شكّ، ولكن عند الشيعة أكثر. هذا جانب.

الجانب الآخر: في الروايات الشريفة يقول الإمام الصادق صلوات الله عليه لزارة (مامضمون كلام الإمام صلوات الله عليه): إنّ الشيطان يصرف معظم وقته عليكم أنتم الشيعة. فغيركم قد سلكوا الطريق غير الصحيح، ولهذا تركهم وشأنهم. وأما أنتم فلأنّكم على الطريق الصحيح، ترى الشيطان يصرف معظم وقته حتى يخرجكم عن هذا الطريق.

إذن بالنتيجة على الإنسان أن يواصل، ويواصل، ويواصل، فالله تعالى يختبر عباده. ففي القرآن الكريم انّ النبيّ موسى بن عمران على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام قال لله تعالى بأنّك قد مكّنت فرعون من كل شيء، ولكن نحن نأكل العشب ونتضوّر جوعاً، وهو قوله عزّ من قائل: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) سورة يونس: الآية88. والزينة منها القدرة والحكومة. ولكن هذا هو الاختبار الإلهي، والنتيجة كانت لموسى الكليم عليه السلام، لأنّه عمل وواصل.

وختم سماحته دام ظله، قائلاً: رغم كل المشاكل، ورغم كل السلبيات، على الإنسان أن يواصل، وبالنتيجة يوفّق بعض الشيء، لإنّه إذا لم يواصل لا يوفّق حتى لهذا بعض الشيء. فبالنتيجة الحياة للعاملين، والحياة للمواصلين في العمل.

20/ جمادى الأولى/1440هـ


www.s-alshirazi.com