المرجع الشيرازي: عاش المسلمون وغيرهم بحكومة نبيّ الإسلام عيش الهناء وبلا جبر وإكراه




 

موقع الإمام الشيرازي

 

تطرّق المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، إلى الذكرى العظيمة المباركة، ذكرى مولد المبعوث رحمة للعالمين، الصادق الأمين، حبيب إله العالمين، نبيّ الإسلام سيّدنا ومولانا النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله، وذلك في كلمة ألقاها في درسه الخارج في الفقه، صباح اليوم الثلاثاء السادس عشر من شهر ربيع الأول1439للهجرة (5/12/2017م).

وبيّن سماحته نماذج فريدة من سيرة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، وأكّد على الجميع ضرورة تعريفها للناس كافّة، وضرورة الاقتداء بها، لكي يهنؤوا في العيش، وتتخلّص البشرية والدنيا من المظالم والأزمات والمشاكل.

في مستهلّ كلمته القيّمة، وصف سماحته سيرة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله بأنها النجاة، وأنّه صلى الله عليه وآله هو رسول ربّ العالمين للناس كافّة، وقال: لو أنّه تم تطبيق القانون الإلهي الذي وصل للناس عبر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، وعُمل به، لما وجدنا اليوم متألّماً ولا جائعاً واحداً.

وقال سماحته: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الحكيم: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». فقد خاطب الله تعالى في هذه الآية البشرية كلّها، وقال لهم تأسّوا به صلى الله عليه وآله. وهذا الخطاب هو ليس للمسلمين فحسب بل للناس جميعاً كما صرّح القرآن الكريم بقوله عزّ من قائل: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ». وعند مراجعتنا للتاريخ، سنتعرّف على خصيصة من خصائص حكومة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، وهي أنّه عاش في ظل حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله كثير من غير المسلمين، من اليهود والنصارى، وقد فضلوا العيش في حكومته صلى الله عليه وآله على العيش في ظل حكومة أبي سفيان والكفّار، لأنه كانت لهم عيشة هانئة في ظل حكومته صلى الله عليه وآله.

واعتبر سماحته تبليغ السيرة النبوية الشريفة البريئة من كل تهمة بأنّه مسؤولية الجميع، وقال: بما أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو رسول من الله تعالى للبشرية كافّة، فلا شكّ في أنه يجب إرشاد كل الناس في الكرة الأرضية، البالغ عددهم قرابة سبعة مليارات، إلى الإسلام. وإذا لم يك من فيه الكفاية للأمر المذكور، وهو كذلك، فواجب على الجميع، أن يخطوا في هذا المجال، كل بحسب قدرته، وأن يوصلوا مقدمة وجود هذا الأمر وهي سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله للناس، وتحقيقه بالبلاغ المبين، وحتى يعرف غير المسلمين أنّ نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله هو الحق. وهذا الأمر هو أمر القرآن الحكيم.

ووصف سماحته البلاغ المبين بأنه أمر إلهي، وقال: أمر القرآن الكريم أن يكون التبليغ بشكل مؤثّر، بحيث يتقبّله الجاهل ويؤمن به، فإن شاء آمن بالإسلام، وإن شاء لم يؤمن. فالإيمان بالإسلام يتبع الشخص نفسه، ولا جبر على الإيمان بالإسلام. وواجبنا هو أن نحقّق التبليغ بـ(البلاغ المبين).

وأشار سماحته إلى عدم وجود العدد الكافي لمبلّغي الدين، وقال: لا يوجد اليوم، الكم أو العدد المطلوب من الأشخاص الذين بهم تتحقق الكفاية في تبليغ الإسلام، لذلك فإنها مسؤولية يتحمّلها الجميع. بلى، إنّ هذا الأمر هو بالمرتبة الأولى من مسؤولية العلماء والحكّام، لأنّهما يمتلكان وسائل العلم والقدرة. وهذا لا يكفي، ويجب على الجميع أن يهتمّوا بهذا الأمر المهم، كل حسب استطاعته.

ثم أشار سماحته إلى قضية تحريف سيرة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، عبر طول التاريخ، واعتبر تبليغ سيرته الشريفة الحقيقية الناصعة، أمراً لزومياً، وقال: لقد ملؤوا تاريخ نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله بالكذب والافتراء، وهذا الفعل قام به أعداء الدين، فيجب إذن، من باب المسؤولية، أن نوصل التاريخ الحقيقي والناصع، والسيرة الحقيقية والناصعة إلى جميع الناس، بلغاتهم. ويجب الاستعانة في هذا المجال بالوسائل المشروعة كالتأليف، والبيان، ووسائل الإعلام المتنوّعة، وماشابه ذلك.

لقد قال العلماء أنّه من الواجب على الزوج أن يؤمّن نفقة الزوجة، وإن عجز عن هذا الأمر، فيمكنه أن يستدين ويقترض. وهذا الكلام لم يُرَدْ، ولم يُقال بالنسبة لكثير من الأمور الأخرى. ولكن هذا الكلام يصدق على قضية تبليغ الدين. فما الإشكال أن يقترض المرء لتبليغ الدين؟!

وأوضح سماحته: لذلك، يجب معرفة التاريخ الصحيح لنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، ليمكن تعريفه للدنيا، فقد كثر الكذب عليه صلى الله عليه وآله. فالتاريخ ذكر أنه صلى الله عليه وآله: «كثرت عليّ الكذابة». في حين أنّ الكفّار _وقبل الإسلام_ كانوا يصفون النبيّ صلى الله عليه وآله بالصادق الأمين، ولم يقولوا صادق أمين. وهذا يعني أنّ الكفّار كانوا لا يعرفون أحداً بأنّه الصادق الأمين سوى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقط. ولكن الأمر تغيّر بعدها ووصل إلى حالة قال عنها صلى الله عليه وآله: «كثرت عليّ الكذابة وستكثر بعدي». واليوم الأرضية مناسبة للعمل على إزالة هذه الجرائم بحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأضاف سماحته: حقّاً أنه هو من المعاجز الإلهية أن نرى بقاء الإسلام لحد هذا اليوم. ولم يكن بالإمكان في الماضي أن نزيل الكذب والتهم من تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله، أو لم يسمح الوقت. ولكن اليوم الفرصة موجودة، لإيصال السيرة الصحيحة للنبيّ صلى الله عليه وآله للعالمين، وهذا الأمر لا يوجد له (من به الكفاية). وهذه مسؤولية الجميع في كل مكان.

ثم أشار سماحته دام ظله، إلى نموذج من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: ذكر التاريخ المعاصر، أنّه عندما وصل لينين للحكم، وضع مادّة قانونية للزراعة، ولتطبيقها وتنفيذيها، قتل قرابة خمسة مليون إنسان. فاعرضوا هذا الفعل من لينين على سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله لتروا الفارق والفرق. فلقد طبّق ونفّذ صلى الله عليه وآله الألوف من الأحكام الإلهية، لكنه لم يقتل حتى شخص واحد لتنفيذها. فمن الذي عليه أن يوصل للناس ويقول لهم أن نبيّنا صلى الله عليه وآله جاء بقوانين، ولم يقتل حتى إنساناً واحداً لأجلها أو لتطبيقيها.

كما أانّ الحكومات الإسلامية المعاصرة اليوم، هي بعيدة عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. وهؤلاء إن لم يخربوا البلاد، فإنّهم لا يعمروها، ولا يتوقّع ذلك منهم. فيجب على الجميع أن يعملوا بمسؤوليتهم. والعمل بهذه المسؤولية في الوقت الحالي هو واجب عيني، إلى أن تتحقّق مقدمة الوجود، أي العمل بالقرآن الكريم وبسيرة العترة الطاهرة.

وفي ختام كلمته، أكّد سماحته دام ظله، قائلاً: يجب أن يكون طعام ولباس الحاكم الإسلامي كطعام ولباس أفقر الناس بالمجتمع. فقد ذكر التاريخ أنّ مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه هكذا بيّن زهده: «اِنَّ الله عَزَ وَجَلَّ فَرَضَ عَلى اَئِمَّةِ العَدلِ، أَن يُقَدِّروا اَنفُسَهُم بِضَعَفَةِ النّاسِ». ومثل هذه التعاليم إن تصل للعالمين فسيهتدون.. أمل أن يتمّ هذا الإيصال ويصبح عملياً عبر البلاغ المبين.

19/ ربيع الأول/1439هـ