مجالس العزاء الفاطمية تتواصل في الحوزة العلمية الزينبية

الليلة الحادية عشر




في مجالس العزاء الفاطمية المتواصلة والتي تعقد بمناسبة الذكرى الأليمة والفاجعة الكبرى بشهادة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الحوزة العلمية الزينبية، أحيت جموع المؤمنين والمؤمنات الليلة الحادية عشر والتي تصادف الليلة الخامس عشر من شهر جمادى الأولى للعام الهجري الجاري (1423هـ).

وقد تناول سماحة الشيخ الخطيب عبد الحميد المهاجر (دام عزه) والذي أحيى هذه المجلس في محاضرته شرح مضمون الآية الكريمة:

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).

قائلاً:

«عندما ننظر والنظر أحياناً يكون فريضة واجبة لما يحيط بنا من هذه المفردات والتفاصيل الموجودة في الكون الذي لا يعرف حدوده وتكويناته وتركيباته وما يتضمنه من موجودات إلاّ الله والراسخون في العلم، نجد أن هناك نظاماً دقيقاً يدير شؤون هذا الوجود. ولكن ومن خلال هذا النظام المتناهي بالدقة، هناك ظواهر تستدعي الالتفات لها والنظر والتأمل فيها، ومن هذه الظواهر (الرحمة) التي هي الغالب على كل شيء (رحمة الله وسعت كل شيء).

فعندما نقول إن الرحمة أصل من أصول الكون، فإن هناك نوعين من القوانين والسنن:

قوانين وسنن روحية وغيبية.

قوانين وسنن طبيعية ومادية.

وعلى الدوام الغيب هو الحاكم على عالم الشهادة، فالنية الغائبة التي تحس وتشعر بها هي التي تحرك الإنسان. فهي كالبوصلة، إذ إن هذه النية غائرة في أعماقنا، فهي تتحكم بحركتنا وتوجهنا. فالهدف الذي نأمل تحقيقه والنية التي تنعقد في أنفسنا أشياء غيبية ولكن لها حكمها القوي في سفر هذا الإنسان.

ومن هنا كانت الذنوب أكبر الداء في تمزيق الأمم والشعوب: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).

وأضاف سماحة الشيخ المهاجر:

إن السنن الإلهية وقوانين الفطرة تقضي بأن اليقين يغلب الشك، والحق يدحض الباطل، والصدق لا يبقي باقية للكذب وهكذا.

وقاعدة الاستصحاب التي هي للإمام الصادق (عليه السلام) وقد اعتمدها الفقهاء والعلماء كقاعدة أساسية للكثير من المشاكل العلمية والفكرية والفقهية، تقول القاعدة (اليقين لا ينقض بالشك وإنما ينقض بيقين مثله).

فخصائص الفطرة والعادات والأعراف السلبية تلزم الإنسان التمسك بهذا النهج المنطقي والعقلائي.

فلا يمكن أن نبني حياتنا على الشك ـ والكلام لسماحة الشيخ المهاجر ـ فالعائلة لا يمكن أن تنجح في حياتها وأن تستمر بها إذا كانت قائمة على الشك، كما إن هناك حقائق مقطوع بصحتها تنبئك بأن هناك خونة ومنافقين ومجرمين، كسروا ضلع الزهراء (عليها السلام) وحرقوا بيتها فلا يجوز لأحد أن يشكك بها، إذ إن تلك الحادثة بحكم اليقين في صحة وقوعها وحدوثها، وما يطرح من شكوك لا يخرج عن دائرة الشك، والقاعدة التي أطلقها الإمام الصادق (عليه السلام): (اليقين لا ينقض بالشك وإنما ينقض بيقين مثله).

فتاة من جنوب لبنان بلد العلم والعلماء دخلت على أبيها وهو من كبار العلماء، فرأته يكتب، فسألته ماذا تكتب فقال لها: أكتب عن الأدلة التي تثبت وجود الله سبحانه، فأجابته ابنته وهي مستغربة: (أَ فِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ...)، فترك أبوها الكتابة إثر ذلك.

ومضى الشيخ المهاجر في حديثه قائلاً:

الروايات والأحاديث تذكر لنا إن قضية الحسين (عليه السلام) قد ذكرت من قبل آدم (عليه السلام) (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ).

فمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) أبكت آدم ونوح وإبراهيم (عليهم السلام) وقد علموا بوقائعها الدامية.

(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).

وعلى الرغم من هذه الأدلة القاطعة والحجج الواضحة ويأتي من يشكك في قضية الحسين (عليه السلام) فمرة أن الحسين (عليه السلام) لم يقطع رأسه، وأن مسألة السبايا مبالغ فيها... وما إلى ذلك من ترهات وتقولات لا أساس لها ولا دليل عليها.

فقضية (الغراب) الذي جاء لبيت الإمام الحسين (عليه السلام) في المدينة بعد مقتله (عليه السلام)، قد يكذبها من همه في الحياة التكذيب والتشكيك وزعزعة إيمان الآخرين، بينما نجد. إن قصة الغراب مع ابني آدم (عليه السلام) والتي فصلها الله سبحانه في القرآن الكريم والتي تؤكد صحة وامكانية وقوع مثل هذه الحوادث.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ).

وهنا السؤال لمن يشكك في قصة (الغراب) التي تروى في مجمل الحوادث التي وقعت عند مقتل الحسين (عليه السلام) لماذا قصة (الغراب) في مقتل هابيل صحيحة، وغير صحيحة مع الإمام الحسين (عليه السلام). يا ترى هل إن ابن آدم أكرم من الحسين (عليه السلام) عند الله؟!».

وأضاف الشيخ المهاجر في إعطاء أمثلة عن حقائق ساطعة يشكك بها البعض فيقول:

«وهناك من يأتي بمسألة (صك علي (عليه السلام) الذي لا يمكن لأحد أن يجوز على الصراط المستقيم إلاّ بذاك الصك الذي يمضيه الإمام علي (عليه السلام).

أحد العلماء الذي عرف بجودة قراءته للقرآن على مستوى العالم الإسلامي، رآه ولده في عالم الرؤيا وهو واقف قبال جسر مخيف، فسأله ابنه، ما هذا الوضع الذي أنت عليه؟ وأنت الذي قضيت حياتك في العلم وقراءة القرآن؟ فأجابه: يا بني لا يمكن أن أجوز الصراط إلاّ بصك من علي (عليه السلام).

إن مسألة هذا (الصك العلوي) يذكره ابن حجر العسقلاني في (الصواعق المحرقة) ويرويه عن أبي بكر فيقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لا يجوز على الصراط إلاّ من كتب له علياً صكاً).

فعلي (عليه السلام) هو (الصراط المستقيم) وعلي قد ذكر في القرآن بشكل صريح من خلال حوادث جرت مع علي (عليه السلام) ولم تجر مع غيره قط، كما ذكر علي (عليه السلام) بشكل صريح: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ).

ثم تناول سماحته مقصود الآية (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) قائلاً:

«إن مسألة عد الشهور الـ(12) معروفة عند جميع الأديان والحضارات ولم يأت القرآن في هذه الآية بشيء جديد لو كان فهمنا في هذا الإطار، وإنما الذي يوضح لنا الأمور ويكشف لنا أسرارها هو تأويل الآية الكريمة وهو إن الـ(12) يعني عدد الأئمة (عليهم السلام)، وآخر الآية (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) فما علاقة عدة الشهور ـ لو كان المقصود عدة الشهور ـ بعبارة (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). فمعنى الآية إن الدين القيم هو الذي نأخذه من الأئمة الاثني عشر المعصومين (عليهم السلام) الذين هم أئمة وقادة وسادة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

ثم تطرق سماحته إلى قضية فكرية واجتماعية ودينية وهي مسألة (الفضائيات)، التي تبث بآلاف المحطات إلى الناس، وجل برامجها فسق مجون وانحراف مما يشكل تهديداً حقيقياً وخطيراً على مستقبل عوائلنا والأجيال القادمة».

وأضاف:

«فانظروا مثلاً في ليلة الجمعة هذه الليلة المباركة التي يجب أن تحيى بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، ماذا تقدم هذه الفضائيات للناس».

ثم تساءل الشيخ المهاجر:

«هل بهذا يريدون أن يحاربون إسرائيل ويحررون فلسطين؟!».

وفي ختام المجلس الشريف، وجه سماحة الشيخ المهاجر أنظار الحضور إلى المسيرة التي تخرج بعد نهاية المجلس التي تنطلق من الحوزة العلمية الزينبية والى السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) لتقديم العزاء لها. ثم توجهت جموع المؤمنين والمؤمنات بالدعاء إلى الله تعالى في كشف الغمة عن هذه الأمة ودعوا بدعاء الفرج للإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

 

 

 

 

 

 

 

 

مراسل موقع الامام الشيرازي - دمشق - السيدة زينب عليها السلام