الإسلام دين السلام

مسألة ـ 19ـ لا شك أنّ الإسلام دين السلام، وأنّ الحرب ضرورة لا يضطر الإسلام إليها، إلاّ كما يضطر الإنسان لإجراء عملية جراحية، وقد كان من عادة الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّه يجعل حروبه دفاعية، حتى يكون المذنب الطرف المهاجم، ولا ينافي ذلك وجوب الجهاد الابتدائي، في قبال الدفاعي، والمراد بجعل الرسول حروبه دفاعية، أنّه كان يصبر حتى يهاجمه العدو، فيهاجمه ويدخل معه في حرب، فإنّه لا شك في أنّ كل قوتين متجاورتين تتصادمان، والرسول (صلى الله عليه وآله) كان ينتظر خرق القوى الأخرى للموازين، فيجد المبرر العقلائي لخوض الحرب.

ثم إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا دخل الحرب، كان يقتنع بأقل قدر ممكن من الاستفزاز، فيقتل من لابد من قتله، ثم يعفو ويطلق سراح الأُسراء ومن أشبههم مَنَّاً، أو في قبال فداء بسيط، ويكرمهم، ويقول: (أكرموا عزيز قوم ذل)[1] وكان يعطي لهم سهم المؤلفة قلوبهم، ويداري المنافقين أكبر قدر من المداراة.

وقد قال (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ذات مرة: (يا عليُّ، من مكارم أخلاق الدنيا والآخرة أنْ تعفو عمن ظلمك، وتلين الكلام، والسخاء)[2] وقد نظمه الشاعر بقوله:

مكارم الأخلاق في ثلاثة منحصرة *** لين الكلام والسخاء والعفو عند المقدرة

وقد سأل رجل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في المنام عن أنّهم كيف عفوا لما ملكوا، وأنّ أعداءهم لماذا انتقموا بأبشع انتقام لما تسلطوا؟ فقال له الإمام: اسأل (ابن الصيفي) ولما سأله الرجل غداً، قال: لقد قلت البارحة شعراً، ولم يطلع عليه أحد ثم أنشد له هذه الأبيات الثلاثة الجميلة:

ملكنا فكان العفو منا سجية *** ولما ملكتم سال بالدم أبطح

وحللتم قتل الأسارى وطالما *** ظللنا عن الأسرى نعفو ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا *** وكل إناء بالذي فيه ينضح

فإنّ تعقل الإسلام، ورؤيته للعواقب، وحكمته وحزمه، أوجب أنْ يعمل عملاً لا يكون له رد فعل سيء، وقد وقعت بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) أخطاء كبيرة، سببت أبشع الآثار التي يكتوي المسلمون بها إلى هذا اليوم.

الأول: الخطأ في ما سمي بحروب الردة، بينما لم تكن ردة عن الإسلام، بل عدم الاعتراف بخلافة أبي بكر، كما يدل على ذلك أصح التواريخ، وعوض أنْ تعالج ذلك بروح نبوية، عولجت أبشع معالجة، ممّا سبّب تنفر الناس عن الإسلام.

الثاني: الخطأ في الفتوحات، فإنّهم غيروا خطة الرسول في الدفاع إلى الهجوم، ثم عاملوا البلاد المفتوحة وأهلها أسوأ معاملة، ممّا سبّب أنْ يصبغ الإسلام بطابع العنف عوض طابعه الواقعي الذي كان الرفق.

الثالث: الخطأ في زمن عثمان، حيث استبدت الديكتاتورية، والإثرة وعدم الكفاءات، بزمام المسلمين حيث أوجب الانشقاق الداخلي (وليس كلامنا الآن حول الخلافة بما هي خلافة، وإنّما في الأخطاء الكبيرة التي رافقتها) ومن جراء هذه الأخطاء صارت النتيجة.

أولاً: عدم نمو المسلمين نمواً حضارياً، بل جمد المسلمون وتبدل الحكم إلى أبشع دكتاتورية منذ زمن معاوية، وهذا كان من أسباب انحطاط المسلمين، وتقدم الغرب والشرق عليهم.

ثانياً: نكوص العالم عن الإسلام، فبينما أنّ سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) لو كانت السائدة بعده (صلى الله عليه وآله) لدخل كل العالم في الإسلام، نرى أن قوى العالم تكالبت ضد المسلمين، ووقفت صداً دون نشر الإسلام.

ثالثاً: الانشقاق الداخلي الذي قسم المسلمين إلى سنة وشيعة، إلى هذا اليوم، إلى ما جرَّ كل ذلك من الويلات على الإسلام والمسلمين، منذ فجر الإسلام، إلى ما لا يعلم مداه إلاّ الله تعالى.

لا يقال: إذا كانت الفتوحات كما ذكرت، فلماذا اشترك فيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بمشورته وبأولاده وأصحابه، كالحسنين (عليهما السلام) وكسلمان وأبي ذر وعمار ومن إليهم.

لأنّه يقال: سبب مشاركة الإمام أنّها خففت من غلواء الانفراط، فلاحظ الإمام (عليه السلام) قاعدة الأهم والمهم، وفي المثل المشهور: (كلما تداركت الخسارة فهو ربح).

وكيف كان، فهذا أمر يهم التاريخ.

أما ما نحن بصدده الآن أنّ الدولة الإسلامية يجب أنْ تبنى على ما بنى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) دولته الكريمة، ويجب أنْ تدعو إلى السلام ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))[3] وأنْ تجنح للسلام كلما جنحت الدولة غير الإسلامية إلى ذلك ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها))[4] وإذا اضطرت إلى حرب خارجية أو إخماد ثورة داخلية، فاللازم أنْ تراعى منتهى النظافة والإنسانية، فإنّ الحرب مثالها مثال العملية الجراحية، تقدر بقدرها الاضطراري، ثم إنّ هناك واجباً كبيراً ملقى على عاتق الدولة الإسلامية، وهو إيقاف هذه الحروب والثورات وسباق التسلح، والذي وقع العالم في دركها الهائل، حتى اتصلت الثورات والحروب، وتتالت الانقلابات، والتهمت السلاح أكبر وارد في العالم، فصارت البشرية بين جحيم الحروب، وجحيم الفقر التي أكلت الأسلحة ثروتها، فأخذت تعاني الأمرين، قال سبحانه ((وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ))[5] فإيقاف الدولة الإسلامية لهذه الأمور الفجيعة، يكون في أحسن سبل الله، وفي أحسن سبل إنقاذ المستضعفين.

أما كيف تتمكن الدولة الإسلامية أنْ تساهم في ذلك؟ والجواب: أنّه بأمور:

الأول: إيقاف الانقلابات الفجائية، التي من أخطاء الأمم المتحدة قانون الاعتراف بها باعتبار أنّها أمر داخلي، إنك إذا سألت أيَّ عاقل أنّه إذا تنازع زوج وزوجته في دار، وأراد الزوج قتل زوجته ـ مثلاً ـ فهل يحق للجيران السكوت باعتبار أنّه أمر داخلي لا يرتبط بهم، أم أنّ الواجب عقلاً ومنطقاً عليهم التدخل لإنقاذ الزوجة؟ إنّه لا يشك عاقل في وجوب التدخل، إذاً فلماذا يجب على الجيران التدخل لإنقاذ الزوجة، ولا يعتبر أمر داخلي، ألا ينطبق على ذلك قول الشاعر:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر *** وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر

ثم إنّ عقلاء العالم يصافقون في أنّ إيكال درس (أربعين طفلاً) في الصف الأول الابتدائي، إلى مدرس يحتاج إلى صفين من الدراسة، وتجربة حسن سلوك المدرس، ومدة سنة أو أكثر من التطبيق، فهل إيكال قطر بكامله إلى جماعة من الضباط لا يحتاج إلى تجربة سابقة في العلم والمؤهلات السياسية؟ فكيف أيها العقلاء، لا تعترفون بالمدرس إلاّ بعد تلك المؤهلات، وهنا تعترفون بالضابط بدون أية مؤهلات، ثم أليس حكم نائب في مجلس الأمة يحتاج إلى أصوات عدة كبيرة من الناس، بينما لا يفوض إلى النائب إلاّ أنْ يكون جزءاً صغيراً في مجلس الأمة، وتراقبه الصحف، وتضغط عليه الجماعة التي انتخبته؟ إذا كان كذلك، فكيف يسمح قانون مجلس الأمن الدولي الاعتراف بأناس من الضباط لم ينتخبهم أحد، وإنّما جاؤوا فجأة إلى الحكم بقوة السلاح؟ أليس ذلك مثل الاعتراف بلصوص دخلوا دار إنسان آمن وقتلوا أهلها وتسلطوا بالقوة على ما في الدار وبقايا من في الدار؟ وأين جمعيات ما يسمى بحقوق الإنسان من الأمر البشع، بينما هم يدافعون عن سجين واحد أو عن مشكلة صغيرة في حق إنسان إذا أهدر؟ هذا كله من الناحية العقلية، أما من الناحية الشرعية، فقد عرفت أنّ الإسلام يرى أنّ شكل الحكم (شورى) مع توفر الشرائط المتقدمة، ذكرها في الرئيس وفي أعوانه، والتي من جملتها لزوم التقيد بأحكام الله سبحانه حرفياً، فلا الانقلابات الفجائية عقلائية ولا شرعية، وإنّما شيء جعله الشرق والغرب الجاهلان، منفذاً إلى استعمار الشعوب الضعيفة، وصافقت عليه من سموا بعقلاء الأمم، في مجلس الأمن الدولي، وإذا جاء الانقلابيون إلى الحكم ليس لهم إلاّ القتل، وسفك الدماء، والتعذيب، وإملاء السجون، ومصادرة الأموال، وخنق الحريات، وتحطيم الصناعة والزراعة، وإبعاد المثقفين من مراكز الحكم، كما نشاهد ذلك في أكثر من ثلاثين انقلاباً في البلاد الإسلامية وغيرها في مدة ثلاثين سنة الأخيرة (بعد الحرب العالمية الثانية)، فاللازم على الدولة الإسلامية أنْ تعمل بكل جد وإخلاص لإحباط هذه المؤامرة الاستعمارية، حتى يبطل هذا القانون (قانون أنّ الانقلاب أمر داخلي لا يرتبط بالأمم المتحدة، وإنّما عليه الاعتراف إذا حدث).

الثاني: إيقاف حق (الفيتو) الذي أملاه على الأمم المتحدة السلاح، فأي معنى أنّه إذا أخذت الأمم المتحدة قراراً بالأكثرية، أنْ يكون لمثل أمريكا وروسيا (حق الفيتو) وإبطال رأي الأكثرية؟ أليس هذا خلاف العقل والمنطق والشرع الذي يقول بالشورى ـ كما تقدم ـ؟ فإنّه في الحقيقة لون من أحكام الغاب، وتحكيم السلاح، مكان العقل والمنطق، ويصدق عليه ما قال الشاعر:

تلوا باطلاً ونضوا صارماً *** وقالوا: صدقنا فقلنا: نعم

نعم إنّ المسلم لا يقول لهذا الشيء (نعم) بل يقف موقف الرفض ويقول (لا).

الثالث: وجوب أنْ تهتم الدولة الإسلامية، بتحجيم السجون والمعتقلات وإلغاء الإعدامات الاعتباطية، وإلغاء الفقر والمرض والجهل ـ بكل طاقتها ـ فإنّها هي مبعث الثورات والحروب.

الرابع: الاهتمام بالحد من صنع الأسلحة بكل جد وإخلاص، وتحويل تجارة الأسلحة ومعاملها إلى تجارة الأشياء النافعة، وإلى معامل تفيد البشرية بدل أنْ تضرها، إلى غير ذلك من الوسائل الكفيلة بتعميم السلام، وإبعاد شبح الحرب عن العالم.

صحيح أنّ ذلك كله ليس بمقدور دولة إسلامية في حجم عادي، إلاّ أنّ من الصحيح أيضاً، أنّه إذا سخرت الدولة ما أمكنها من الطاقات البشرية والمالية لأجل ذلك، بالدعوة والدعاية والجمعيات والمنظمات، والمعاهدات الدولية وغير ذلك. فإنّها تتمكن من الحد من ذلك بقدر لا يستهان به ((وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ)).


[1] ـ انظر بحار الأنوار: ج2 ص44 الباب 10 ح16 ونهج الفصاحة: ص51 ح262.

[2] ـ انظر مكارم الأخلاق: ص435 والمحاسن: ص6 ح14.

[3] ـ سورة البقرة: الآية208.

[4] ـ سورة الأنفال: الآية61.

[5] ـ سورة النساء: الآية75.