الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

 

(49)

  ۞ سورة الحجرات ۞

مدنية وهي ثمانية عشر آية

الغيبة

(...وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟!...)(1).

1ـ (الغيبة) تجرئ الآخرين على نقاط الضعف، وتثير عناد صاحبها، وتسبغ عليها الشرعية إذا عرفت أنها شائعة أو متواجدة في أوساط عالية.

2ـ (الغيبة): أن يذكر أخاه المؤمن بما يسوءه أن يظهر به أمام الرأي العام.

ذلك: أن كل فرد يصمم حياته وفق مقتضيات موقعه من المجتمع، فيهندس تصرفاته بالشكل الذي يراه: صالحاً لتأمين حياة مناسبة له، ومنسجماً مع أسلوبه في تعامله مع الآخرين. ولا يعني ذلك أن تكون حياته نزيهة عن نقاط الضعف، فالحياة البشرية ـ كالنفس البشرية ـ لوحة مرصوفة من نقاط القوة والضعف، والتفاضل إنما هو بالنسبة فقط، فقد تكون نقاط القوة أكثر وربما تكون نقاط الضعف.

ولكن تواجد نقاط الضعف في حياة كل فرد، لا يعني أن يتكشف أمام الرأي العام، ويعلن مقاتله لكل إنسان، وإنما أمرنا ـ دينياً ـ بالتجمل، وبعدم الاعتراف بالسيئات ـ حتى لا تتخذ وسيلة للهدم من قبل أفراد، ولا يتجرأ عليها آخرون، ولا تكتسب شرعية بصدورها من القادة ـ إلا في مقام معالجتها، وهو مجال التوبة أمام الله تعالى.

فعلى كل إنسان أن يتستر في نقاط ضعفه، في محاولة ـ ولو شكلية ـ لمعالجتها جذرياً. وهذا التجمل الشكلي يؤصل في نفس صاحبه الصفة اللاشرعية لنقاط ضعفه، ويعمق حنينه إلى إبعادها عن حياته نهائياً.

وعلى أساس عدم وجود نقاط الضعف تلك، يتعامل مع الآخرين ويتعاملون معه: فيكسب ثقتهم، ويضعونه حيث يرتضيه لنفسه، باعتباره المنطق المناسب لأحلامه التي يمهد لتحقيقها في مستقبله.

ورغم أن الناس يعلمون ـ إجمالاً ـ أن الحياة البشرية لا تخلو من نقاط الضعف، ولكنهم ـ عندما يتعاملون مع أي فرد ـ يمنحونه الثقة: على أساس نقاط القوة في حياته، وعلى أساس عدم تواجد نقاط الضعف فيها.

فالثقة لا ترتكز إلا على نقاط القوة الخالصة من نقاط الضعف، ولو تكشف الناس لبعضهم كما هم ـ وبكل ما فيها من نقاط القوة، والضعف ـ لأربكت حياتهم، كما في الأثر: (ولا تكاشفتم، لما تدافنتم)(2).

وبالثقة يعيش الناس: فالطبيب، والمهندس، ورجل الدولة، ورجل الدين، والعامل...، جميعاً يعيشون بالثقة.

والغيبة، حيث تكشف نقاط الضعف في حياة شخص، تعمل على زعزعة ثقة الآخرين به وهو غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

وزعزعة ثقة الآخرين به تساوي: إماتته، وتخسير المجتمع ذلك العضو منه. وبما أن (الغيبة الواحدة) لا تقضي على ثقة الناس جميعاً بالمغتاب، فكل (غيبة) نهشة في لحمه، تماماً... كما قال الله تعالى:

(يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً). فعندما يغتاب الأخ أخاه، يهبر قطعة من لحم أخيه.

مع العلم بأن (الغية) ذكر الإنسان أخاه بما فيه من السيئات ولكنه لا يرضى بانتشاره عنه، فهو مجرد تشهير وليس فيه عنصر الكذب. وأما ذكر الإنسان أخاه بما ليس فيه من السيئات، فهو (بهتان). فـ(البهتان) مركب من عنصر (لغيبة) وعنصر الكذب.

يبقى أن (الغيبة) إذا اصطدمت بالظلم، تكسب صفة شرعية. لأن الظلم أقبح، ولأن الظالم ـ إذا أمن التشهير ـ يتوغل في ظلمه للآخرين في مأمن من الأعين والألسن. وفي هذا... ما يكفي إغراءاً لبعض الناس بالظلم.

فالمؤمن له حصانة في لملمة فضوله كما يشاء، وليس لأحد حق التشهير به، ما لم يستغل حصانته للتطاول على الآخرين، فتسقط حصانته، ويفقد أهم مميزات المؤمن في المجتمع المؤمن، فيفقد ـ عن طريق الظلم ـ من المعنويات أكثر مما كان يظن انه يكسبه بالظلم من الماديات أو المعنويات.

مؤشرات الأفضلية: السرابية والواقعية

(يا أَيُّهَا النَّاسُ!

إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ، لِتَعارَفُوا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ. إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(3).

ـ 1 ـ

(يا أَيُّهَا النَّاسُ!).

(إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ):

أوجدناكم متمايزين بمائزات عديدة:

1ـ المائز الذاتي: فهذا... ذكر، وتلك... أنثى، وهذا... مائز خلقي له آثاره.

2ـ المائز السياسي: فهذا... من شعب، وذلك... من شعب آخر. وهذا... مائز سياسي. لأن الشعب يتكون من مجموعة بشرية، متعايشة على قطعة من الأرض، تحددها حدود معينة وتسودها سلطة معينة. ولكل حدود إيحائها، ولكل سلطة اتجاهها. وتفاعل ذلك الإيحاء وهذا الاتجاه مع مزاج الشعب، يخلع عليه طابعاً ويركز فيه مرتكزاً لهما آثارهما.

3ـ المائز القومي، فهذا... من هذه القبيلة، وذلك... من تلك القبيلة. فالانحدارات السلالية توزع الناس أقواماً يختلفون بها في النسب، ولكل سلالة خواص تكون مجتمعاً خاصاً ومناخاً معيناً لهما آثارهما.

وهذه المائزات الثلاثة، هي المائزات الرئيسية التي يحملها التعبير ويحفظها التسجيل: فهذا ـ مثلاً ـ (حبيب بن مظاهر)، من قبيلة (بني أسد) من شعب (العراق)، وبهذا... يعرف. وتلك ـ مثلاً ـ (آمنة بنت وهب)، من قبيلة (قريش)، من (شعب الحجاز) وبهذا... تعرف... وإلى الآن، تعتمد الجنسيات والسجلات الرسمية على هذه المائزات الثلاثة، وإن كنت قد استبدلت اسم الشعب باسم الدولة واسم القوم باسم البلد، لتضخم الشعوب والأقوام وانتشارها بشكل يمكن تزييفها بسهولة. وبقيت المائزات الثلاثة تلك، هي... هي... المائزات الرئيسية:

فالدولة هي العبارة السياسية عن الشعب، والبلد هو التعبير السكني عن القوم، لأن كل قوم ـ غالباً ـ يكون متساكناً.

ولكن هذه المائزات الثلاثة ليست كل المائزت بين الأفراد، فالمائزات بين الأفراد ألوف... وألوف...: ففي كل العالم لا يوجد وجهان متطابقان في القسمات، ولا توجد أنامل لفردين متطابقان في الخطوط، ولا يوجد صوتان متطابقان في النبرات، ولا توجد يدان متطابقتان في الذبذبات التي تظهر في اختلاف الخطوط ـ .

وهذه المائزات الأربعة ـ أيضاً ـ من المائزات الرئيسية التي يسهل تسجيلها والتعبير عنها بواسطة الأجهزة الحديثة، وإلا فلا يوجد فردان متطابقان في أي عضو أو جهاز من الأعضاء الخارجة والأجهزة الخفية، كما لا يوجد التطابق بين فردين في الخطوط المكتوبة على جسم الإنسان من قمة رأس إلى قاعدتي قدميه.

ولكن: جعلناكم متمايزين بهذه المائزات: (لِتَعارَفُوا): فيعرف بعضكم بعضاً من هو؟ ومن أي شعب؟ ومن أي قبيلة؟ وليست هذه المائزات قيماً تتفاضلون بها.

وإن كان الناس قد تعودوا أن يتفاضلوا بأشياء، هي ـ في عالم اليوم ـ :

1ـ المال: في المجتمعات الرأسمالية يفضل الأثرياء بمستويات ثروتهم، حتى بالنسبة إلى ما لا يأمل في الانتفاع بتلك الثروات.

2ـ الإقطاع: وفي المجتمعات الرأسمالية يفضل الإقطاعي بمقدار إقطاعه، حتى بالنسبة إلى غير فلاحيه.

3ـ القومية: ففي بعض المجتمعات المتخلفة يفضل المنتمي إلى القومية الساحقة، ويستأثر بحقوق مقابل واجبات تفرض على من لا ينتمي إلى تلك القومية. وربما يفلسفون هذا الحيف والجور ـ في تعديل الحقوق بالواجبات ـ بسفسطات وادعاءات: فيبرر (اليهود) ذلك بأنهم من عنصر الله وسائر الناس من عسيب حصان وبذور حشرات.

وقال (النازيون): إن عدد الكريات الحمر في دم (الألماني) أكثر منها في دم غيره...

4ـ الطبقة: ففي بعض المجتمعات المتخلفة تفضل طبقة النبلاء ـ أو الأسرة الحاكمة ـ على غيره. وربما فلسفوا هذا التفضيل: فكان الناس يعتقدون ـ قبل الثورة الفرنسية ـ بأن الدم الذي يجري في عروق النبلاء دم أزرق ودم غيرهم أحمر أو أسود...

5ـ السلطة: ففي كل المجتمعات القديمة والمعاصرة يفضل صاحب الكرسي على عامة الناس، ويفضل صحاب الكرسي الأعلى على صاحب الكرسي الأدنى بمقدار الفاصل بين الكرسيين.

6ـ العلم: (ورمزه الحديث: الشهادة)، والفن. ففي كل المجتمعات القديمة والمعاصرة وربما المستقبلة، يفضل العالم ـ بأي علم ـ على غيره، والفنان على غيره.

7ـ العنصر: ففي بعض المجتمعات، يفضل ذو اللون الغالب على أفراد المجتمع: فالأبيض ـ في البلاد التي يغلب أهلها البياض ـ يفضل على غير الأبيض، والأسود ـ في البلاد الأفريقية ـ يفضل على الأبيض...

8ـ الجنس: ففي أكثر المجتمعات يفضل الرجل على المرأة.

9ـ الجمال الجسماني في الرجل أو المرأة، والكمالات الجمسانية ـ كالقوة التي تظهر في: الملاكمة، والمصارعة، والسباحة، والعدو... ـ ، ففي كل المجتمعات القديمة والمعاصرة وربما المستقبلية، يفضل صاحب الجمال والكمال الجسمانيين على فاقدهما.

وهذه الفواضل جملتان:

1ـ الجملة الأولى: فواضل خارجة عن الإنسان، كالمال والإقطاع والسلطة والعلم. فكلها غير ذات الإنسان، وإن كان للسلطة والعلم تعلق بالإنسان، كتعلق الإلكترون بالسلك الذي يجري فيه.

2ـ الجملة الثانية: فواضل جسد الإنسان، كالقومية والطبقة والجمال والعنصر والجنس. وهوية الإنسان بروحه، وأما جسده: فمجرد لباس للروح، وأداة متحركة به. الجسد ـ كله ـ يبلى ويتبدل، باحتراق خلاياه. ففواضل الإنسان الحقيقة هي فواضل روحه، والكلمة الجامعة لفواضل الروح هي: (التقوى). لأن التقوى هي الحذر، والمتقي هو الذي لا يتحرك حركة ـ فكرية أو عضلية ـ إلا بعد التأكد والتثبت من استقامتها وصحتها، والمتقون هم الأصحاء الذين لا يهيمون ولا يندفعون وأكرم الأصحاء أكثرهم صحة:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) ـ الذي يتقن إكرام الناس حسب ذاتياتهم الأصلية، ولا يفضل أحداً لقرابة تقربه إليه، ولا يخدع، ولا يفتر ـ (أَتْقاكُمْ) وأكثركم صحة واتزاناً وحكمة في ممارسة الحياة.

ـ 2 ـ

إن المميزات في المجتمع كثيرة، نذكر منها:

1ـ الميزة الجسدية: التي بها يتفوق أفراد المجتمع فيصبحون أبطال في: المصارعة، والملاكمة، والجمال الجسماني، والركض، والسباحة، والكرة... إلى سائر الألقاب التي تكتسب نتيجة لتفوق جسدي.

2ـ الميزة الفكرية: التي بها يتفوق أفراد فيصبحون: دكاترة، وأساتذة، وشعراء، وكتاب، وقضاة، واقتصاديين... إلى سائر الألقاب التي تكتسب نتيجة لتفوق فكري.

3ـ الميزة المراسية: التي بها يتفوق أفراد فيصبحون: مهنيين، وحرفيين، وفنيين... إلى سائر الألقاب التي تكتسب نتيجة لتنمية طاقة من الطاقات المتوفرة ـ عادة ـ في أكثر الناس، بدون أي تفوق جسدي أو فكري.

4ـ الميزة الاقتصادية: التي بها بتفوق أفراد فيصبحون أغنياء.

5ـ الميزة الاجتماعية: التي بها يتفوق أفراد فيصبحون نبلاء.

6ـ الميزة النظامية: التي بها يتفوق أفراد فيصبحون رؤساء.

7ـ الميزة النجاحية: التي بها يتفوق أفراد ـ نتيجة لإحرازهم نجاحاً من النجاحات: كميزة الغالب على المغلوب، وكميزة الفرد المركز على الفرد المبعثر...، فيصبحون ناجحين.

8ـ الميزة التناسبية: التي بها يتفوق أفراد، فيصبحون صالحين لأعمال أو مراكز معينة، لتناسبهم وانسجامهم معهاً. ربما مع ضئالة مواهبهم وعدم تناسب أو إنجسام غيرهم معها، وربما مع غزارة مواهبهم.

وكل من يتمتع بشيء من هذه المميزات، يوظفها ـ عادة ـ لتحسين حالته المعيشية، عن طريق جمع المال والإكثار منه وادخاره.

وإذا اصطدم بحواجز تمنعه من جمع المال باسمه الشخصي، فإنه يوظف ميزته لتحسين حالته المعيشية عن طريق توجيه المال إلى ميزته، كما يعمل كبار الموظفين ـ من: الرؤساء والوزراء، والمدراء... ـ الذين يجدون فوانين تمنعهم من جمع المال وصرفه بأسمائهم الشخصية، فيجمعون المال ويصرفونه بألقابهم، ويوجهون الكثير من (ميزانية الدولة) لـ : منازلهم وسياراتهم، ومستخدميهم، ومجاملاتهم... باسم: الدولة، والوظيفية، أو المركز... والنتيجة واحدة، وهي توظيف الميزة لتحسين الحالة المعيشية.

(والفكر الشيوعي)، وجد الميزة الاقتصادية تؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى طبقتين: غنية وفقيرة، وربما إلى طبقات: غنية ومتوسطة وفقيرةـ فطرح فكرة (الصراع الطبقي)، و(ديكتاتورية البروليتاريا)، وانتهى إلى إلغاء (الملكية الفردية) كعلاج كامل ووحيد لمشكلة (الطبقات). ولكنه فوجئ بمشاكل:

1ـ إنه منع المتميزين من توظيف مميزاتهم في تحسين أحوالهم المعيشية عن طريق جمع المال باسمائهم الشخصية، ولكنه لن يتوصل إلى منعهم عن توظيف مميزاتهم في تحسين أحوالهم المعيشية عن طريق جمع المال وصرفه بألقابهم.

2ـ إن إلغاء (الملكية الفردية) أدى إلى تعطيل الوزاع الداخلي، الذي أدى ـ بدوره ـ إلى تقليص الإنتاج. وتقليص الإنتاج أدى ـ بالتسلسل الطبيعي ـ إلى: إبقاء الفقير في مستواه، وإنزال الغني إلى مستوى الفقير. لأن الفائض الذي كان يتمتع به الغني ـ نتيجة لمبادراته الفردية بدافع من الوازع الداخلي لم يظهر للوجود بسبب تعطيل الوازع الداخلي.

3ـ إن المتميزين لا يكفون عن تحسين أحوالهم المعيشية ـ سواء أكان عن طريق جمع المال وصرفه بأسمائهم، أو بألقابهم ـ غير أنهم مع وجود (الملكية الفردية) يحاولون تحسين أحوالهم المعيشية بالضغط على الإنتاج، ومع فقدان (الملكية الفردية) يحاولون تحسين أحوالهم المعيشية بالضغط على الاستهلاك.

4ـ إنه لم يتناول بقية المميزات بالعلاج، ولم يطرحها للحوار، وكأنها غير قائمة، فبقيت: تحرك الامتيازات، وتوزع المجتمع إلى طبقات، تصيب المجتمع بسلبيات أكثر من سلبيات الطبقية الاقتصادية.

و(الثورة الفرنسية)، وجدت الميزة الاجتماعية تفصل المجتمع طبقتين أو طبقات، فاستهانت بطبقة (النبلاء) ـ في غوغائية الثورة ـ ، وارتكبت بحق بعض أفرادها جرائم، ليعتبر بهم الآخرون، حتى لا يكونوا (نبلاء). ولم تأخذ (الثورة) عنصر الميزة بعلاج، فبقيت جذوره تعرق وتورق، وبقيت (فرنسا: الثورة على النبلاء)، مزرعة (النبلاء) اكثر من أي بلد في العالم.

والإسلام حينما نظر إلى المجتمع من خلال مشكلة الطبقات، رأى:

1ـ أن المجتمع منقسم على نفسه ضمن طبقات، لها سلبيات لا بد من معافاته منها، مقدمة لانفتاحه وتصحيح مسيرته.

2ـ إن المميزات التي تحرك الامتيازات، كثيرة. وهي قائمة، وستبقى قائمة. لاعتمادها على نوازع متأصلة في عمق الإنسان. فلا يمكن إلغائها كلياً.

3ـ وحتى لو أمكن إلغائها كلياً، لم يكن من الصحيح إلغائها. لأنها من المحركات التي تفجر المواهب، وإلغائها يؤدي إلى تجميد الإنسان وتعطيل كثير من طاقاته.

4ـ فلا بد من توضيبها ضمن قنوات: تضمن إيجابياتها، وتكبح سلبياتها.

5ـ إن المميزات السبع الأول، هي مميزات فعلية. ولكنها جميعاً ـ مميزات للجانب الأرضي من الإنسان، ولا ترتبط بجانبه السماوي. فليست قيماً إنسانية، لأن الجانب الأرضي للإنسان جانب طارئ للإنسان، فمميزاته طارئة لا أهمية لها في المقياس الإنساني، فلا يصح الاعتراف بها، ومن ثم يكون التفاضل بها ظاهرة غير صحية.

والميزة الثامنة، تتعلق بالجانب السماوي للإنسان، فهي قيمة متأصلة لا يد من الاعتراف بها، ومن ثم يكون التفاضل بها ظاهرة صحية.

ووفق هذه الرؤية الواقعية الواضحة، أعلن الإسلام واقعية المميزات السبع الأولى، من دون الاعتراف بها قيماً إنسانية. وأعلن الميزة الثامنة قيمة إنسانية. وهي في الأساس ـ تختلف عن أخواتها، لأنها لا تعني أكثر من الإنضباطية والاستقامة، فلا تشكل خطراً على صاحبها ولا على غيره، والتميز بها لا يعني أكثر من اعتبار صاحبها أسوة. فيما أخوتها تعني الاستعلاء بالميزة، فتشكل خطراً: على صاحبها، لأنها تضعه في إطار أكبر من حجمه. وعلى غيره، لأنها تفرض عليه الخنوع أمامه. والتميز بها، يعني طغيان الإنسان على أخيه الإنسان.

كل هذا... إلى جانب حقيقة بديهية، وهي: أن سيادة عقلية المميزات والامتيازات، تفرق ولا تجمع، وتستفز ولا تستقطب.

وهكذا... أعاد الإسلام كل شيءٍ إلى حجمه الطبيعي، وجعل الهوية الإنسانية فوق كل التقلبات المادية.

الإيمان = كبرى القيم

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(4).

ـ 1 ـ

هذا التصور الساذج، يرى (محمّداً) اليتيم الفقير، جاء إلى (يثرب) مشرداً، هارباً من طرق الموت، فآواه أهل (يثرب)، وفتحوا له ـ ولأصحابه المشردين ـ بيوتهم وقلوبهم وخزائنهم، ووضعوا آلهتهم وعقائدهم وعواطفهم تحت تصرفاته يحكم فيها كما يوحي إليه الله، وداسوا على مصالحهم وأهدافهم في سبيله، وعرضوا عليه ـ حتى أنفسهم يوجهها إلى حرب من أراد، فقاتلوا إخوانهم، وقتلوا من أجله ومن أجل دينه.

هذا التصور، يتعلق من قاعدة اعتبار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حائراً تتجاذبه دوامات الغرق، فارتضاه أهل (يثرب) رسولاً، ورفعوه قائداً يمارس مهمات رئيس الدولة، فهو غارق في الديون لهم.

وذلك، لا تقره كشوف الحساب السليم.

فمسألة الحساب ـ في مجال الحركات العقيدية والاجتماعية ـ ليس مسألة أرقام صماءِ بالنقود المعدنية أو الورقية، كما أن قضايا النصر والهزيمة ـ في هذه الحركات ـ لا تقرر بواسطة عدد الجنود والمعدات، وإنما لا بد أن يجري الحساب على أساس (ما هو أهم) حتى يكون سليماً:

فلا شك: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ من المسلمين بعد (الهجرة)، أخذ منهم وسائل الحياة ووسائل الدفاع، وما أخذه له وزنه وله قيمته، ولو أنكرناه لظلمنا أنفسنا قبل أن نظلمه. ولكن الصحيح ـ أيضاً ـ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى لهم، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المنفذ الوحيد الذي دخلت منه الحضارة الحقيقية إلى (الجزيرة العربية)، ودخلت منه المجموعات العربية المهملة إلى التاريخ. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القائد الوحيد الذي قادهم إلى (قوة أعظم) في العالم على مدى قرون، وتحمل عنهم الصدمات عن استيعاب لحكم ما يتحمل وعن استعداد للتاريخ.

وهذا... ليس حساباً يسيراً، وإذا ترجم بالأرقام فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج دائناً لا مديناً. وإذا قارنا تضحيات الني (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وفق هذا المنطق ـ بكل التضحيات في سبيله، تظهر تضحياته أغلى وأكثر.

ولقد نقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى منطقة (الشرق الأوسط) قيمة سياسية لم تكن لها في أي وقت من الأوقات، وأسقط (إمبراطوريتين تقليديتين) كانتا تتوزعان العالم بينهما كيفما يحلو لهما، وثمن الإنسان بثمن ـحاول (الثورات التحررية) أن تحقق بعضاً منه... وهذا ـ كله ـ لم يكن وارداً في فواتير الذين يمنون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في ذلك اليوم ـ وعلى الله ـ في هذا اليوم ـ إسلامهم.

كل هذا... إذا اتخذت الكشوف مجاريها إلى الأرقام المادية الدنيوية.

وأما لو ابتدأ الحساب بمقاييس الواقع الكامل الذي من ضمنه الآخرة، فإن المقارنة تتطور كثيراً، إذ يظهر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي دفع... ودفع... والآخرون هم الذين أخذوا... وأخذوا... فالعطاء الصحيح = أخذ، لأن:

1ـ الذي يعطي، يعطي ما ليس له، بل أمانة عنده. ويأخذ ما سيكون له، حتى ولو كان ما يأخذ: مجرد الشهرة، والذكر الحسن...

2ـ الذي يعطي، شيئاً خارجاً عنه. فالماء وغيره مما يعطى، وحتى جسد الإنسان ذاته، خارج ذاته، وأما ذاته فهي روحه. فالجسد متغير تحترق أجزاءه وتفنى، ثم تعوض بخلاصة المأكولات، حتى يبدل كل جسد الإنسان ـ كل بضع سنوات ـ تبدلاً كاملاً. وأما ذات الإنسان الثابتة، فهي روحه التي لا تحترق أجزاءها ولا تفنى. ونحن عندما نتعامل مع غيرنا، نتعامل معه على أساس روحه لا جسده، فنعاقب من أجرم قبل خمسين سنة، ونكافئ من أحسن قبل سبعين سنة، ونستوفي ديناً استقرضه قبل قرن...، مع أننا ـ وهو ـ نعلم أن جسده الذي به أجرم أو أحسن أو استقرض، قد تبدل ـ عدة مرات ـ تبدلاً كلياً.

فكلما يعطي الإنسان خارج عنه، ولكنه يأخذ ما هو داخل فيه. ذلك: أنه تنمو روحه ـ بالعطاء ـ وتتوسع.

فالذي أعطى في سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أو بتوجيهه ـ لم يعط إلا ما ليس له وما هو خارج عنه، وأخذ:

1ـ ماله.

2ـ ما هو داخل فيه.

3ـ ما هو أغلى وأدوم وأكثر مما أعطى بكثير، لأن (الجزاء الأخروي) أغلى وأدوم وأكثر بفاصل أماد ضوئية.

وإلى هذا... يوجه الله المؤمنين، الذين ينعون قصر نظرهم بمنهم إسلامهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، في محاولة لتمديد نظرهم، فيخاطب نبيه الكريم:

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) حيث يتصورون أنهم كل مسبقاتهم، وحتى أجسادهم في كثير من الأحيان ـ .(قُلْ) يا محمّد! لهؤلاء المؤمنين:

(لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)، فإنكم قد أخذتم ولم تدفعوا شيئاً ـ بمقاييس الواقع ـ ، فلا منه لكم. (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ) الذي به أرشدكم إلى الأخذ بلا بدل واقع، (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).

ـ 2 ـ

كان الكثير من (الجاهليين) يتصورون (محمّد بن عبد الله) (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يهوى السلطة، وانتزع (الإسلام) طريقاً يسهل له الوصول إلى السلطة التي يهواها بدافع الأنانية كباقي هواة السلطة، فانضمامهم إليه كان ـ في نظرهم ـ تأييداً مطلقاً يمنون به عليه:

(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا). فإذا بالقرآن يفاجئ المقاييس الفردية بالمقاييس الجماعية، ويعلن تحطيم الأنانية في مجال الرسالة، فــ (محمّد بن عبد الله) (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس زعيماً يحمل نفسه على الرقاب، ويأخذ من الناس حرياتهم، وإنما هو رسول:

(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(5)، ويعطي للناس هندسة للحياة.

فالقضية إنما هي قضية (عطاء السماء)، وليست قضية (أخذ الأرض).

و(محمّد بن عبد الله) (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس وارداً بين السماء والأرض باعتباره شخصاً، وإنما هو وارد باعتباره (رسولاً) ووسيطاً له جانبان

جانب التلقي من السماء، وجانب التفريغ في الأرض.

فكما أن الله ـ تعالى ـ يرسل الأشعة إلى الأرض بواسطة الشمس، ويرسل الأمطار بواسطة السحاب، هكذا... الله يرسل النظام بواسطة رسوله الأمين. وكما أن الناس لا يحق لهم أن يمنوا على الشمس عندما يستقبلون أشعتها، ولا يحق لهم أن يمنوا على السحاب عندما يستقبلون أمطاره، كذلك... لا يحق لهم أن يمنوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يستقبلون الإسلام.

(قُلْ) يا محمّد!: (لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)، فأنا لم آخذ منكم شيئاً حتى تمنوا عليّ به. (بَلِ) ليس لي معكم دور مستقل، وإنما الأمر يدور بينكم وبين الله، وأنا مجرد وسيط.

و(اللهُ) لم يأخذ منكم شيئاً لتمنوا عليه به، وإنما الله أعطاكم شيئاً بواسطتي. وهذا الشيء هو أعظم الأشياء، لأنه نظام الحياة الذي بدونه تكون الحياة عبئاً لا يطاق، فهو:

(يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ)، وفتحكم على أنفسكم وعلى الكون، لتعطوا كل شيء نصابه، ولتسيروا بين الأشياء والأحياء سيراً مؤمناً من العثار، ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).

ـ 3 ـ

الناس يختلفون جسمياً في أشياء، أهمها: القسمات، وأوتار الحناجر، وذبذبات الأعصاب، والخطوط المرتسمة على الجسم. ويختلفون إسمياً في الأسماء والكنى والألقاب. ويختلفون وطنياً في قطعة الأرض التي ولدوا عليها، أو سكنوها. ويختلفون عرقياً في السلالة التي انحدروا منها.

وقد جعل الله ـ تعالى ـ هذه الفوارق معرفات، ليمكن تمييز أي فرد من بقية الأفراد، ولم يجعلها للتفاضل والمزايدة.

الظاهر أن الإنسان ـ مجمل الإنسان ـ أكرم من في حياة هذه الأرض، ولكنه الأكرم بالقوة لا بالفعل، بمعنى أن تركيبته من روح الله ومزاج الأرض، أفضل التركيبات، فإذا استنفد كل مواهبه بالشكل الصحيح، أصبح أكرم من في حياة هذه الأرض بالفعل.

والنجاح ـ في أية محاولة ـ دليل صحة استثمار الموهبة الموظفة فيها، وصحة استثمار المواهب دليل انسجام الفرد مع المقاييس المكلفة بضبط الحياة.

ولا ينجح في الدنيا إلا الذكي الحذر: الذي يقدر الأمور بدقة، ويحذر الأخطاء بحكمة:

فالسياسي الناجح، هو الذي يتمتع: برؤية شاملة ثاقبة، وبحكمة في التخلص من مواطن الخطر.

والتاجر الناجح، هو الذي: يحيط بحركة السوق، ويتهرب من الصفقات الخاسرة.

والعسكري الناجح، هو الذي: يستوعب موازين القوى والمناورات، وينعم بخفة الحركة في الهجوم والالتفاف.

والمثقف الناجح، هو الذي: يعرف ما يتفاعل مع عقلية جمهوره، ويتجنب المواد التي تعرضه للنقد والاشمئزاز.

فالنجاح يقدر بقدر ما يكون الإنسان مرساً حذراً في فهم الأمور، ثم: سريعاً في فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

أما الذي لا يبالي بفعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، فلن يكتب له النجاح مهما كانت مؤهلاته وطاقاته.

والمغامر على قسمين:

الأول: الذي يجد طاقة لا يحسن التصرف بها، فيكون شأنه شأن: النفط الذي يتفجر، والسيل الذي ينحدر، بلا ضوابط... ينتهي هو، ويدمر غيره.

الثاني: الذي يرى أبعد... وأشمل... من الآخرين. ويقدر أموره بذكاءٍ وحذر. فيتحرك على مستوى الأفق الرحيب، ويظنه قصار الآماد متخبطاً. فيكون نجاحه فوق التوقعات، لا لأن الله أيده بما يؤيد به المخلصين، وإنما لأنه عمل على مستوىً أوسع، فحصد ما زرع.

فالنجاح نتاج طبيعي للعمل الصحيح. الله ـ تعالى ـ لا يقسم النجاح اعتباطاً، كما لا يقسم شيئاً من الأشياء اعتباطاً، فهو العدل الحكيم الذي لا يفرط ولا يفرّط.

والحذر في التعامل، هو الطريق إلى النجاح. والحذر، هو التقوى. والمتقي، هو الذي يتصرف ـ في كل حياته ـ بحذر الجندي الذي يتنقل في مزرعة الألغام والكمائن، لأداءٍ مهمة مصيرية. والأتقى، هو الأكثر حذراً. فترتفع درجة الحذر في خطّ متوازٍ مع خطّي الوعي والخطر، فلا تكون التقوى من الله في المحراب أكثر مما تكون التقوى من الله في: المدرسة، والشارع، والبيت، والسوق، والمعمل، والندوات الاجتماعية، والمحافل السياسية، وفي أي مجال يدخله الإنسان، ولو بقلبه أو بعقله.

لأن الشريعة ممتدة ـ بعموماتها وإطلاقاتها ـ على كل تصرفات الإنسان وفي كل المجالات، فلا تدع: حركة، ولا وقفة، ولا نبضة... إلا وتصنفها بأحكامها الخمسة، حتى لا يوجد تعامل مع النفس أو مع الغير، إلا وتجد الله طرفاً فيه، ويجعله مورداً لحكم شرعي.

(1) ـ سورة الحجرات: آية 12.

(2) ـ الأمالي ـ للصدوق ـ ص362 ـ باب(68) حديث 9.

(3) ـ سورة الحجرات: آية 13.

(4) ـ سورة الحجرات: آية 17.

(5) ـ سورة الأعراف: آية 157.