الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(114)

 ۞  سورة الناس  ۞

مكية وهي ستة آيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ)(1).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)(2).

هاتان(3) السورتان ـ سورتا (الفلق) و(الناس) ـ من السور التربوية، التي تعالج مشكلة كبيرة من مشاكل الحياة، معالجة نفسية.

فالإنسان ـ فور ما يبدأ بممارسة الحياة ـ يشعر بأنه في زحمة مواجهة شرسة ضد طاقات مخيفة، تغالبه في كل كلمة وخطوة، وتكيد له بوسائل عادية وغير عادية، ويمكن أن تصطدم به في أية لحظة. وإذا اصطدمت به، فستحطمه وتقضي على حياته المادية أو المعنوية.

فالإنسان، كما هو غارق إلى قمته في عدد لا يحصى من نعم الله ـ المادية والمعنوية، الداخلة والخارجة ـ ابتداءً من السماء والأرض، والليل والنهار، والبرد والحر... ومروراً بالحيوان، والنبات، والجماد... وانتهاءاً بالأعضاء، والأنسجة، والخلايا...، كذلك هو أسير عدد لا يحصى من الأخطار والآفات، فأكبر النعم قد ينقل إلى أخطر البلايا: فـ(الماء) الذي هو مادة الحياة، كم تحول إلى طوفان مدمر؟! وكم أغرق الأفراد والجماعات؟ وكم جرف من الناس والماشية والمزارع والقرى والمدن؟! وكم حمل من الأوبئة والجراثيم؟! و(الأرض) التي هي أم الإنسان، كم انخسفت فابتلعت؟! وكم انفجرت براكين فأحرقت؟! وكمن اهتزت فنقضت ما حولها من الحياة والأحياء؟! و(الهواء) الذي لا يستغني عنه شيءٌ من الأحياء، كم اهتاج فاكتسح؟! وكمن نقل من أشعة فسمم؟! و(الحيوانات المفترسة)، و(السامة) و ـ حتى ـ الأليفة...

وبنو الإنسان، وحتى الأقرباء والأصدقاء، وحتى الأزواج والأولاد... وكمن صبوا عليه من ويلات؟! وكم قادوه إلى المخازي والنكبات؟! وكم نغصوا عليهما الحياة؟! وهكذا... كل شيء.

فلا يطمئن الإنسان إلى شيء ويحاول أن يسند إليه رأسه، إلا ويتوجس تحوله إلى خطر داهم.

وهو يعلم أن طاقاته محدودة فقوة الردع فيه محدودة، وليس وراءه سند يضمن له الانتصار، وليس له حصانة تؤمن له السلامة، فتتراقص أمامه المخاوف والأوهام. وكلما توسعت خبرته في الحياة، اكتشف مكامن جديدة للخطر. فأصبح كالأعزل في حقول ألغام، لا يحمل قدماً إلا وتصيح به المخاوف المستحكمة في أعماقه لإرجاعه إلى الوراء، حتى تشلّه عن العمل الجاد الشجاع، وتتركه فريسة سهلة للشعور بالضعف والمسكنة. وهنا... تأتيه النجدة القرآنية في عمليتين:

الأولى: توجيهه إلى السند الإلهي، بإشعاره بأنك لست وحيداً ولا مهملاً، بل وراءك الله، الذي هو أقوى من كل قوى. فاستعذبه من كل ما تخاف وتحذر، فهو يسمعك ويراك. فلا تدع المخاوف الغامضة من المجهول تعقد مسيرتك، وتقعدك عن العزائم والعظائم.

الثانية: تبديد قلقه من الاحتمالات، ابتداءاً بإحصاء مصادر الخوف تمهيداً لتصنيفها، ثم هلهلتها وتصفيتها. فيفرزها إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى وردت في سورة (الفلق)، وتتألف من أربعة أصناف، هي:

1ـ الخلق، مطلق الخلق. سواء أكان من العناصر الشريرة، التي تمارس الشر تعبيراً عن مركب الشر في ذاتها، كالشر السام والحيوان السام، الذي يعاني من سموم لا يقدر على كظمها، فينفثها لا ردعاً ولا انتقاما، وإنما ارتخاءً أمام فيضان الشر في ذاته. أو كان من العناصر الخيرة التي قد يصدر منها الشر، كالإنسان الفاضل الذي قد يتنزّى الشر منه، عجزاً عن مقاومة الشر الذي يتصارع فيه مع الخير.وكالنبات السام. والطوارئ الكونية، كالخسوف، والسيول، والفيضانات، والزلازل، والبراكين، والرياح الوحشية، والصواعق الهادفة...، التي تفاجئ الإنسان ردعاً أو انتقاماً أو تثويباً.

2ـ عناصر الظلام. التي تسعى خلف مآرب ظالمة، لا تستطيع كسبها في النور، فتخطط لإنتهازها في غفوة الظلام. فتتسلل ـ دائماً ـ لاغتيال المصالح العادلة، بإرتكاب جرائم: القتل، والسرقة، والخيانة...

3ـ عناصر التسلقات. التي تمزق بالوسائل الخفية، فلا تبحث عن الطرق المعتادة والمعقولة، وإنما تنبش عن الوسائل غير المعتادة وغير المعقولة ـ في الذهنية العامة ـ ، كالذين يعملون لإيجاد العقد الاجتماعية والنفسية، بهمساتهم المسمومة التي تشبه النفث وقمة هؤلاء هم (السحرة) الذين يقرأون أورادهم وينفثون في العقد ـ التي هي إحدى وسائل السحرة ـ . ويركز القرآن على هذه الصورة التي قد تبدو للبعض أسطورية، لمواجهة الواقع بكله، وعدم التكتم في شيءٌ من معاناته.

4ـ عناصر الساقطين. الذين لم يحظوا بحياتهم، فيحسدون حظوة الآخرين بحياتهم، وينطلقون من قاعدة (الحسد) لهدم (الناجحين).

المجموعة الثانية: وردت في سورة (الناس)، وتتألف من صنفين، هما:

1ـ القوى المستورة المشككة. كالشياطين التي تهتم بإثارة الضباب حول الخيرات، حتى لا يسعى إليها روادها.

2ـ القوى البشرية المشككة، التي تحاول إجهاض المواقف البناءة، فتتستر بالمظاهر البريئة، من: حبّ الخير، والحرص على مصلحة الآخرين، والقرابة، والفن، والعلم، والدين، والوطن، والنظام... فتعمل من وراء الكواليس، من أجل انتشار التردد، حتى لا يتخذ الناس تصميماً على عمل إيجابي قد ينفعهم.

إذن: فجميع مصادر الشر تتلخص في هذه الأصناف الستة.

وكلها تزامل الإنسان في دائرة الخلق، فكلها متهافتة أمام (ربّ الفلق) و(رب الناس)، فليست سلطات إلهية عليا، لا يجد عنها الإنسان مهرباً أو معاذاً.

على أن الأخطار المجهولة الغامضة هي التي تهول الإنسان وتربكه ـ فيصرعه ارتباكه ـ ، أما إذا عرف حدودها وخيوطها فيستطيع أن يتخذ منها الحيطة والحذر.

وسميت الأولى: سورة (الفلق)، لأنها تدور على محور واحد، هو الانفتاح، مبشرة بأن الحياة كلها رحاب منفتحة، وأن الجوانب المظلمة فيها زوايا محدودة لا تعتم الحياة، والنور منتصر على الظلام: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً...)(4).

وعلى الإنسان أن ينفتح للنور، وأن لا يتعقد بالظلام.

وسميت الثانية: سورة (الناس)، لأن الناس نقطة ارتكازها، فهي تحاول تصعيد معنوياتهم، واستعلائهم على الوساوس والشكوك. فالإنسان أقوى من مصادرها، حتى ولو كانت هي (الجنة) و (الناس).

لأن الله يساند القوى الخيرة، ولا يساند القوى الشريرة.

ويبدو من الأحاديث التي تعرض سبب نزول هاتين السورتين: (المعوّذتين)، أنهما مدنيتان، وإن كان المعروف أنهما مكيتان.

الفلق

أمر الله نبيّه بالاستعاذة به من شرور خلقه كافة، ثم سلط الأضواء على الأنواع السابقة من الشرّ، فقال: ـ

(قُلْ) أنت ـ يا محمّد! ـ وليقل المسلمون من وراءك: (أَعُوذُ). فكلما استعملت كلمة (قل) يراد بها الخطاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ممثلاً كل المسلمين إلى يوم القيامة.

وعادة يستخدم القرآن كلمة (قل) في مجال التحدي أو الحوار، وتأتي بعدها مواضيع إيمانية لا يقرها غير المؤمنين، وتأتي بصورة جازمة صارمة لا تردد فيهما ولا تراجع، سواء أقبل الآخرون أم رفضوا، لأنها من الواقع الذي لا يرفضه إلا من ركب رأسه مصراً على موقفه غير مبال بالنتائج.

و(الاستعاذة) هي الالتجاء من سطوة غاشمة، بزيادتين: ـ

الأولى: أن كلمة (الاستعاذة) توحي برهبة أكثر مما يوحي به كلمة (الالتجاء) فالاستعاذة لا تكون إلا عن فزع عميق من خطر داهم لا مهرب منه.

الثانية: أن العوذة تكون مع التصاق وحميمية أكثر بالمستعاذ إليه من التصاق اللاجئ بما يلجأ إليه، كالتصاق الطفل بأمه. ولعل (أعوذ) يساوي (الوذ).

وللإعاذة درجات هي: ـ

الأولى: ـ الاستعاذة الشفوية، التي تصدر عن الذين يحاولون قراءة القرآن، ومسحها بعدد الأجزاء والصفحات.

وهذه الاعاذة أثيرة ـ بقدرها ـ فهي لا تعدم أثر الكلمة. والكلمة عندما تطلق، تحدث موجة باقية في الفضاء، لها تفاعلاتها الكونية.

وتأثير الكلمة المنسّقة، من المسلمات التي يحاول العلماء المتخصصون تدجين طاقتها، واستخدامها في أغراض واسعة النطاق.

ويشهد بها: (السحر) و(الأوراد) و(الرياضات الروحية)، التي تعتمد على أثر: الحرف المفرد، والحروف المركبة كلمة، والكلمة الوتر، والكلمة الملتحمة مع مناسبتها في الجملة. وقد تخصص بهذا الموضوع (علم الحروف).

الثانية: ـ الاستعاذة القلبية. التي توجه كل الأعصاب والخلايا إلى الله ولا شك أن الله ـ تعالى ـ يجيب عباده كلما اتجهوا إليه: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ...)(5)، وفي الحديث القدسي: (عبدي! اقترب مني شبراً أقترب منك ذراعاً، واقترب مني ذراعاً أقترب منك باعاً)(6)...

بالإضافة إلى: أن مجرد توجيه الأعصاب والخلايا إلى أية نقطة خارج الجسم، حركة تمركزية. ومعروف ـ لدى المختصين بتمركز الأفكار ـ أن من يستطيع تمركز أفكاره أكثر من عشرة دقائق في نقطة واحدة لا تذبذب، يكتسب قوة هائلة في الإرادة يستطيع أن ينقل بمجرد إرادته ـ الصخور الجبارة من مراسيها، وأن يخترق جدران الفولاذ، ويعمل الأعاجيب...، في مجال الواقع لا في التصوير المشعوذ.

الثالثة: الاستعاذة الروحية. التي تتصل فيها الروح بالمصادر التنفيذية العليا، فيما يشبه عملية (الوحي).

وهذه الدرجات الثلاث للإعاذة، هي التي تفرزها الفوارق الإيمانية بين المؤمنين:

فالمؤمنون العاديون تدور استعاذتهم في الدرجة الأولى. فإيمانهم ليس أقدر من إنتاج حركات قليلة الصلة بالعقل القلب، فهي تأثرات بالواقع الإيماني المتأصل في البيئة والمناخ، ويمكن تصنيفها انفعالاً أو رد فعل، وليس فعلاً ولا تفاعلاً.

غير أن هذا الانفعال ـ رغم سلبيته ـ لا يعدو أن يكون تأثراً، ومجرد التأثر بمصدر الفيض نوع من الإيجابية، لأنه يعبر عن قابلية في ذات المتأثر، ومجرد قابلية الذات يكفي دليلاً للفيض المطلق إلى المخلوق.

ولعل في تأثير الاستعاذة ـ في التعليم القرآني ـ بكلمة (قل) إيحاءاً بأن الاستعاذة تتم بمجرد القول، ولا تتوقف آثارها على الاستعاذة الروحية الكاملة. فمجرد الاستعاذة الشفوية، يكفي لاستدرار الإعاذة بمقدار ما يصون شخص المستعيذ من مصدر الشر الذي يستعيد منه.

والاستعاذة القلبية التي يتحرك فيها القلب نحو الله ـ سبحانه ـ وتتبعه المشاعر والخلايا جميعاً، فهي الحالة التي لا تعتري غير المؤمنين الصادقين، الذين لم يتبلد الإيمان في عقولهم فكرة مترسبة، وإنما إيمانهم حركة واعية تنشط كل مشاعرهم، فلا يلوح لهم خطر إلا ويبادرون إلى أعلى مصادر الأمن، فتتجه قلوبهم إليه، وتنطلق وراءه مشاعرهم كلها.

وإذا كان الله ـ تعالى ـ يهب عطاياه لمن يسأله ولا يعرفه تحنناً منه ورحمة، فكيف يمكن أن يكف مدده عن الذين عرفوا كيف يطرقون باب فضله، ولم يطرقوا باب سواه؟!

وأما الاستعاذة الروحية، فهي حالة قدسية تختص بالأنبياء، لأن أرواحهم تتمتع بدرجة من القوى يستطيعون بها استلهام المدد المباشر من أوسع أبوابه، فهم يستقبلون من المدد ما يكفي لإنقاذ أممهم.

وهذه... حالة تشبه الوحي، فلا نستطيع تجربتها ولا استيعابها، لأنها فوق مستوى قدراتنا الروحية.

وللاستعادة فوائد يمكن تلخيصها في أمرين:

الأول: إن الله يلبي نداء عباده، وهو الذي قال: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ؟!)(7)، وكيف يمكن أن لا يستجيب الله تعالى لتوجهات عباده ـ وهو مصدر الفيض المطلق ـ وقد سخر مظاهر فيوضاته المادية للتجاوب مع جميع التوجهات البشرية وغير البشرية: فالشمس لا تتردد في التجاوب مع جميع التوجهات البشرية وغير البشرية: فالشمس لا تتردد في التجاوب مع كل ما يتعرض لشعاعها، والجاذبية لا تتقاعس عن إسداء العون لكل ما يستعين بها، والأرض لا تنكفئ عن تمديد كل ما يطلب مددها، والذرات الكونية تواصل إسعاف كل ما يحتاج إليها مهما تهرب منها...؟!

أو هل يمكن أن تتقلص رحمة الله ـ تعالى ـ عن الخاشعين المخلصين، الذي يستدرونها رغباً ورهباً، وفي الحديث: (إن الله يله نفحات فتعرضوا لها)؟(8). ونفحات الله التي أمرنا بالتعرض لها، هي عناياته المعنوية التي وظبها في المناسبات المتبركة: كليلة القدر، وأيام وليالي الجمعة، وسائر الساعات والليالي والأيام... التي خصصها بأنواع معينة من اتجاهات رحمته. كما وقت عناياته المادية بأوقات معينة، فنظم حركة: الرياح، والأمطار والأنهار، والبحار، والفصول... بأوقاتها المعروفة فيكون العرض لعناياته المعنوية بأسلوب خاص ـ مذكور في السنن ـ ، كما يكون التعرض لعناياته المادية بأسلوب خاص ـ مذكور في علوم الطبيعة ـ .

الثاني: أن مطلق التوجه إلى الله يثير في الإنسان قدرات هائلة. وإذا كان تذكر البطولات يحرك المخزون الاحتياطي من البطولة في النفس، وإذا كان مجرد التفاتة إلى شاعر يفتح نافذة الشعر، وإذا كانت استعادة ذكريات: فيلسوف، أو سياسي، أو أي عبقري... يهيج الموهبة المناسبة، فهل يمكن أن لا تزيد الاستعاذة بالله شيئاً في الإنسان؟! إن مجرد تذكر الله ـ نفسياً ـ يرفع معنويات الإنسان، وأما الاستعاذة به فتحرك له مطامح علوية لا تحدّ.

(بِرَبِّ الْفَلَقِ).

في التعبير عن المستعاذ به بالـ(ربّ) دلالتان:

الأولى: أن المربوب تكريس للحاجة المطلقة، فهو الذي لا يستطيع الاستقلال بشؤونه، ولا يمكنه الاستغناء عن ربّه، كالطفل الذي لا يستغني عن مربيه، فالتجاءه إليه عفوي لا تحفظ فيه.

الثانية، إن الربّ تكريس للعطاء المطلق، فهو الذي يعطي: المدد، والإدارة، والتوجيه... لمربوبيه، ولا يجعل عطاءه محدوداً ولا مقابل جزاءٍ. فمنحه اللجوء لمربوبيه، عفوي لا تكلف فيه.

هذا... في المربين العاديين ـ كالأم مثلاً ـ . وأما المربي المطلق، الذي ابتدأ بمنح الود بلا استحقاق، فلا يمكن أن يحدد العطاء من جانبه. وإذا وجدنا حدوداً ـ أو سدوداً ـ فهي من جانب المربوبين، لأنهم غير مؤهلين لاستيعاب المزيد.

فالفيض من الله يأتي، ولكن الموجودات ـ بما فيها الإنسان ـ محدودة الاستعداد: فالذبذبات الكونية تتجه إلينا بالمليارات للثانية، ولكن آذاننا لا تستقبل إلا كلمات معدودة منها. وأشعة الشمس تملأ أبعاداً رحيبة من الفضاء، ولكن أجسادنا لا تمتص إلا جزءاً يسيراً منها. والأوكسجين يغلف الأرض، ولكن لا نستنشق منه إلا بقدر رئتنا. والطعام والشراب كثيران، ولكن كل فرد يتزود منهما بمقدار معدته. والمال في الدنيا أكثر من الأرقام، ولكن كل إنسان يأخذ منه بقدر طاقته على الأخذ. والأقمشة في العالم كثيرة، ولكن كل واحد يلبس بقدر قامته. والكراسي في الحياة كثيرة ومتدرجة، ولكن كل ذي طموح يجلس على الكرسي المتناسب معه. والفضاء رحيب، ولكن كل شيء يملأ حيّزه...

فمثلنا مثل إناءٍ مساحته نصف متر مكعب، يوضع في قاع المحيط، فيمتلأ بنصف متر مكعب من الماء. ولكن هذا... لا يعني أن مياه المحيط نصف متر مكعب، وإنما يعني أن مساحة الإناء نصف متر مكعب. هكذا... عطاء الله غير محدود، ومتاح للجميع ولكن كلاً منا يأخذ بقدر ما هو: (الإنسان) لا بقدر ما هو: (عطاء الله).

(الفلق): هو الشق، بمعنى المشقوق. فهو (صفة مشبّهة) بمعنى المفعول، كالقصص بمعنى المقصوص. ويكثر إطلاقه على (فلق الصباح)، و(فلق الحب)، إهتداءاً بقوله تعالى.

(إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. ذلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟! فالِقُ الإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(9).

وهو ـ في مجمل أطلاقاته ـ يشبه كلمة (الانفتاح) التي لا تستخدم إلا للتعبير عن الخير، فيعني أعوذ برب الانفتاح: انفتاح الليل بالنور وانفتاح الحب بالنبات، الذي يحول ظلام الليل إلى نور ويحول جمود الحب إلى حركة النبات، من القوى الفاشلة التي لا تجد لها طريقاً في نور الحق والواجب، فتعمل في ظلام الجهل والأنانية، لتجمد الحركة، ولتعطيل الحقوق والواجبات.

وإذا أمكن استنباط مفهوم مطلق الانفتاح (الفلق)، فانفتاح العدم بمطلق موجود يكون فلقاً، فيكون المعنى: أعوذ برب الخلق من شر ما خلق. وهو ـ على أي حال ـ من أروع التعابير القرآنية، لأن فيه إيحاءاً بأن الاستعاذة إنما هي بمصدر النور والخير، فهو المصدر الطبيعي للأمن الذي تكون الاستعاذة به طبيعية من مصادر الشر، لأن من شأنه توسيع الخير وتقليص الشر. فهو مربي العباد، الذي يكفل شؤونهم، ويكلأهم من الكوارث والنكبات.

ويروى: أن الفلق جبّ في جهنم(10). وعلى هذا... فيكون معنى الآية: أعوذ برب هذا الفلق من شر ذوي الشرور. فتكون استعاذة طبيعية، حيث يلجأ الناس ـ عادة ـ من القوي بالأقوى، ومن القادر بالأقدر.

(مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ).

1ـ طبيعة الشر

(الشرّ): هو الألم، كالصداع، وأطلق على كل ما يولّد الألم مجازاً، حتى أصبح كالحقيقة لا يحتاج إلى قرينة. فيطلق على: السمّ، والكفر، والخطيئة... لأنها تولّد الألم في الدنيا أو في الآخرة. وإذا كان بعضها يولّد لذّة عاجلة مؤقتة، فهي ـ عندما تقاس بالألم الناتج منه ـ تتضاءل، لأن الألم أشد وأعمق وأطول أمداً. فيكون كالطعام اللذيذ المسموم، الذي تكون لذته سطحية عابرة، وألمه عميقاً طويلاً.

بالإضافة إلى: أنه لا توجد ـ في الدنيا ـ لذّة لا يخامرها ألم، في إعدادها وفي ممارستها. فتصح المعادلة بين حجم اللذّة وحجم الألم، لتقييم ما يولدهما خيراً أو شراً. فإذا أعقب ألماً طويلا ًمن بلاء الدنيا أو عذاب الآخرة، يتقلص عنه طيف اللذة خيالاً زائفاً.

ولا فرق بين ألم الجسم وألم الروح، فكلاهما ألم، وإذا كان بينهما فارق ففي جانب ألم الروح، لأن الإنسان يحتمل ألم الجسم عادة، ولا يحتمل ألم الروح، فيرجح عليه الفناء منتحرا في كثير من الأحيان.

2ـ الشر المتوقع والواقع:

والشر نوعان:

الأول: شر متوقع تندفع عوامله نحو حيّز الوجود، فيطلب دفعه. كشر (النفس) التي تحدّث الإنسان بالانفلات من الضوابط الفكرية، والتورط في الجرائم والمرديات.

الثاني: شرّ واقع حدث فعلاً، فيطلب رفعه كشر (الذنوب) التي أرتكبها إنسان، وأصبح يعاني نتائجها.

وقد وردت الاستعاذة من النوعين في دعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (نعوذ بالله من: شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا)(11).

3ـ مصدر الشرّ:

والشرّ: قد يصدر من الإنسان ويعود إليه، كشر المخالفات الحياتية والذنوب. وقد يصدر من غيره ويقع عليه، كشر نظيره الإنسان، وشرور الحيوان والنبات والطوارئ الكونية. فكل مصادره من الخلق، وليست من الخلق، ولذلك قال:

(مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ)، لحصر مصادر الشر في المخلوق، وعدم توهم استنادها ـ أو بعضها ـ إلى الخالق.

فالخالق لا يصدر منه سوى الخير، إذ لا توجد لديه عوامل تدفعه إلى ممارسة الشر. وأما مصادر الشرور التي قد يتذمر منها السطحيون، ويحاولون التخلص من مسؤوليتها بإلقاء لومها على الله، فيمكن تصنيفها في صنفين، هما شرور النظام وشرور الحياة:

4ـ شرور النظام:

فأما شرور النظام: كقتل القاتل، وقطع السارق، وسجن المدين، وسائر العقوبات الجزائية... فهي وإن كانت شروراً بالنسبة إلى المجرمين الذين يتلاحقهم إلا أنها خير:

بالنسبة إلى من يعتبر منها، ويتعلم منها دروساً في الابتعاد عن الجريمة.

وبالنسبة إلى المجتمع ككل ـ بما فيه المجرمون أنفسهم ـ الذي يكون بفعل العقوبات مجتمعاً عادلاً يتوازن فيه الثواب والعقاب من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون معرضاً لسيطرتهم عليه. لأن المجتمع إذا لم يكافح الجريمة بحزم، اندفع المجرمون بجرائمهم في خط تصاعدي نحو السلطة فإذا استولوا عليها، تربع على قمتها أسوأهم ليمارس الجريمة بحق المجتمع كله ابتداءً من الذين التفوا حوله وحملوه على أكتافهم حتى أوصلوه إلى القمة. فيعيشون حياة شقية يموتون فيها كل يوم مائة مرة، ويتمنون لو كان المجتمع يعاقبهم على جرائمهم البدائية في بواكيرها، ولا يدع طموح السلطة يتولد في أحلامهم.

فالتضحية بأصحاب النفوس المجرمة، في تجاربهم الأولى للجريمة: أيسر على المجرمين أنفسهم، وأحفظ للمجتمع كله، ولعلها هي الحكمة القرآنية حيث يقول:

(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ـ يا أُولِي الأَلْبابِ! ـ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(12).

وحيث يستنكر على العاطفيين البسطاء، الذين يشفقون لمظاهر الذلّ على المجرمين، حيث يقعون تحت طائلة العقاب:

(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ؟! أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟!)

(13).

ومن هنا... نتبين: أن شرور النظام، ليست ـ في الواقع ـ شرور النظام، وإنما هي شرور المجرمين التي وجهوها إلى المجتمع البريء، فاستقبلها النظام ليعيدها إلى المجرمين أنفسهم.فهي شرورهم عادت إليهم بفاصلة النظام، ليتكون أشِبه بالصنف الثالث من الشرور، الصادر من الإنسان إليه، كشر المنتحر.

شرور الحياة:

والشر، أحد المحركين الأساسيين المتكاملين لتجربة النمو في الحياة، فلو فقد أي منهما بطلت تجربة النمو، وكان مجيء الإنسان إلى هذه الحياة باطلاً. فلا يأخذ روح الإنسان مداه، ولا تتفتح قابلياته الغامضة، إلا في زحمة الصراع الجادّ القاسي.

كما أن جسم الإنسان لا يبلغ مداه، ولا تنطلق طاقاته الكامنة، إلا في زحمة العمل الجادّ القاسي. فلو لم يكن الشياطين وذيولهم من جهة، والأنبياء وأنصارهم من جهة أخرى، لما نشب صراع، فلم يعترك الإنسان، وخرج من هذه الحياة ـ كما دخلها مبهماً غامضاً، لم ينضج ولم يكتمل.

وإن تجاربنا الحياتية، تكشف هذا الواقع ـ بوضوح ـ :

فالسياسي تتبلور مواهبه السياسية، في ظل الديمقراطية واللعبة البرلمانية الحرّة، حيث تتناقض التيارات وتتشابك، في حوار مرير بمختلف الوسائل، للتنافس على أوسع مساحة من الشعب. لا في ظل ديكتاتورية عسكرية، تجبر كل الشعب على تقديم القدم اليمنى واليد اليسرى، وتأخير القدم اليسرى واليد اليمنى معاً، وترديد كلمة واحدة تتوالى أحرفها من كل الأفواه معاً.

والاقتصادي ينبغ في ظل نظام اقتصادي يأذن بتكافؤ الفرص، والتنافس ولا البوادر الفردية. لا في ظل نظام اشتراكي يفرض على التاجر: أن يشتري بضاعة معينة، من مصدر معين، بسعر معين، ليبيعها على مستهلكين معينين، بسعر معين.

وهكذا... الفيلسوف، والأديب، والحقوقي، والعالم، وسائر أصناف الناس...

فوجود الشياطين والمجرمين ضروري ـ لحفظ المعادلات الروحية ـ إلى جانب وجود الملائكة والأنبياء. تماماً... كما أن وجودالسموم والجرائم الأوبئة ضروري ـ لحفظ المعادلات الصحية ـ إلى جانب المطهرات وأمصال الدم والفيتامينات.

فأصل (وجود الشر) خير، لتأمين، معادلات الحياة، إنما على الإنسان أن يحرك مواهبه في اختيار خطه الروحي عبر الحياة، ويكون حكيماً باتخاذ قراراته ومواقفه، ومرناً حذراً في خطواته والتفاتاته، بمقدار ما يحرك مواهبه في اختيار خطه بين بيته ومكتبه، وبمقدار ما يكون مرناً وحذراً في خطواته والتفاتاته عبر شارع مزدحم...

فوجود الشرّ لا يعني إلا أن الحياة الروحية شائكة وملغومة، فيلزم استخدام الذكاء والدقة فيها. كما أن الحياة المادية شائكة وملغومة، فيلزم استخدام الذكاء والدقة فيها.

وأما الحيوانات السامة والمفترسة، والهوام المزعجة...، فوجدها لمصحلة الحياة. فالحيوانات السامة ـ مثلاً ـ تكفّر عن الإنسان، لأن الإنسان يلوث البيئة بلا مبالاته وجهله، وهذه الحيوانات تعقم البيئة، وتحضر ـ للإنسان ـ كميات كبيرة من السموم، التي يستفيد منها في مجالات شتى... إلى آخر ما تعني به علوم الحيوان.

وأما الطوارئ الطبيعية، فهي ـ أيضاً ـ لمصلحة الحياة. وتفاعيلها في علوم الطبيعة.

(مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ): أي من كل شر صادر من أي مصدر من مصادر الشر من مختلف خلق الله، سواء أكان: من الإنس، أو من الجن، أو من الحيوانات، أو من الشيطان، أو من سائر فصائل الخلق الفاعلة في الكون، منظورة كانت أو غير منظورة.

وهذا التعبير لا يعني أن كل خلق الله شرير، وإنما يعني أني أعوذ بالله من مجمل شر صادر من مطلق خلق الله، فهو يساوي ما لو كان التعبير أعوذ بالله من كل شر، بفارق واحد وهو: أن في استخدام كلمة (ما خلق) إيحاءً بأن كل الشر صادر من خلق الله الخاضع لإرادته، فهو أقوى من يمكن الاستعاذة به.

(وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ).

(الغسق): هو السيلان، ومنه (الغسّاق) ـ الذي هو شراب أهل النار ـ ، ويطلق على السائر بالليل. و(الوقوب). هو الدخول أو الخروج، مع العموم والشمول. كدخول السيل والليل. و(الوقب): هو النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء. ويقال: وقب الماء، إذا دخل في وقت. ووقبت الشمس، إذا غربت. فيكون المعنى: وأعوذ من شر المتحرك في الليل إذا دخل متفحصاً متفتشاً.

وجاء التركيز على المتحرك بالليل، لأن أكثر أصحاب النوايا، السود كانوا يستظلون بالليل، حتى قيل: (الليل أخفى والنهار أفضح)، و(الليل أخفى للويل). وحتى بعد تفجير الليل بالكهرباء، بقي مشحوناً بكل الاحتمالات والتوترات، وبقي أفضل مناخ للحركات المشبوهة.

وقيل: الغاسق: كل هاجم بشره، كأئناً من كان. وقيل: الغاسق: هو الليل ذاته، لأنه الأفيون الذي ينوّم الجماهير ويوقظ الخائفين منها، وهو الغطاء الذي تتحرك فيه ظله الهوام والسباع المؤذية، وتشتد الأمراض، وتنشط الجراثيم... فيكون المعنى: ومن شر الليل إذا احترق النهار.

وقيل: الغاسق: هو الليل البارد، لأن الغسق ورد بمعنى البرد، ومنه قوله تعالى:

(هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ)(14).، فقد فسّر الغساق بالزمهرير، يحرق ببرده كما يحرق الجحيم بحرّه.

وقيل: الغاسق هو الغمر، لما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه نظر إلى القمر ثم قال: (هذا هو الغاسق إذا وقب)(15).

وقيل: الغاسق الواقب: هو القمر في خسوفه، وما يغشاه في سواد.

وقيل: الغاسق: هو القمر، ووقوبه محاقه في آخر الشهر، وفيه يكثر النحس والشؤم.

وقيل الغاسق: هو الثريا، فإن الأسقام تكثر عند سقوطها وغروبها.

وقيل: الغاسق: هو الحية، لأن السم يغسق ـ أي يسيل ـ من نابها، ووقب نابها: دخل في اللديغ.

(وَمِنْ شَرِّ) النساء (النَّفَّاثاتِ) الواتي ينفخن سمومهن (فِي الْعُقَدِ) التي يسحرن بها. فمن أشره أنواع السحر هو السحر بتعقيد خيط. والنفخ في عقده لتعقيد قضية معينة. فجعلت العقد رمزاً للسحر. واختار القرآن (النفاثات) مظهراً لهذا النوع من السحر، لأن اندفاع المرأة إذا لم تكن صالحة نحو السحر ـ وكل الحيل والخطط الجهنمية ـ أكثر من الرجل، كنتيجة طبيعية لثلاثة عوامل هي:

1ـ الفراغ الواسع. فالمرأة ـ غير الصالحة ـ تجد في بيتها فراغاً ربما لا يجده الرجل في مجتمعه.

2ـ الغيرة المفرطة، التي تشجعها عاطفة المرأة غير الصالحة من جانب، وتحررها من المسؤولية من جانب آخر: لتقدير المجتمع انه أقل مناعة من الرجل، فلا يوقفها إلى جانب الرجل. فكأنها تعيش تحت غطاء فدائي اسمه (الرجل).

3ـ الشعور بالضعف، غير المعقول في المرأة الطالحة على أثر التركيبة الفيسيولوجية الألوانية. فلا تستطيع مزاحمة الرحل على دوره، فيكون هو القوة العليا في البيت وتكون هي القوة الثانية. لأن الرجل عندما يريد شيئاً يأخذه بهيبته كمسؤول، أو بقوة عضلاته إن أعوزته الوسائل. والمرأة عندما تريد شيئاً ولا تستطيع أن تناله لا بهيمبتها ولا بعضلاتها، ولا تسمح كرامتها بالخضوع لإرادة الرجل، والتنازل عن إرادتها المستقلة، تجد نفسها مضطرة إلى ممارسة وسائل غير مشروعة.

وهذه العوالم تسحب المرأة غير الصالحة لممارسة السحر والحيل، للتوسل بالتحرك خلف الكواليس وفي الظلام، ولإستخدام ـ حتى ـ الجنس أن اقتضت الضرورة وأحياناً.

وهذه الظاهرة تكشف أن المرأة غير الصالحة هي اليد العابثة خلف الستار، فيما الرجل هو اليد المنطلقة تحت الأضواء. فقلما توجد مشكلة، ولا معركة صغيرة أو كبيرة، إلا وورائها عيناً امرأة طالحة. وقلما توجد أزمة عائلية أو دولية، إلا ومقدحتها امرأة غير صالحة ووقودها رجل.

ولعل هذه الظاهرة هي التي أدت إلى استخدام المرأة ـ في التعبير القرآني ـ كمظهر للأعمال الملتوية التي في قمتها السحر، وربما دون أن يكون المقصود من (النفاثات) الساحرات فقط.

و(النفث): هو النفخ المسموم، كنفث الأفاعي، وتستعار هذه الكلمة للأحاديث الهامسة التي تغري بالانحراف، وتزحلق الأبرياء بالتورط في المشاكل. والهمس الناعم الذي يفتح أبواب جهنم، من اختصاص المرأة غير الصالحة.

و(العقد): هي عقد الخيط والحبل، وتستعمل في كل العقد الفكرية والاجتماعية والسياسية وغيرها... فدورها ـ في مجالاتها ـ كدور العقد في الخيط، لأنها تخرج الأمور عن استرسالها الطبيعي.

ولعل (أبا مسلم) أراد هذا المعنى عندما قال: (النفاثات: النساء اللائي يعطفن آراء الرجال، ويردونها إلى آرائهن، لأن العزم والرأي يعبر عنهما بالعقد، فعبر عن حالها بالنفث، فإن العادة جرت أن من حل عقدة نفث فيها).

وعلى ضوء ما سبق، ربما يستعان في تصوير تعميم: (النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) للموارد التالية:

1ـ كل العاملين في الحقول السحرية: الذين يتوسلون بالأرواح الشريرة المحيطة بنا في عالمنا، أو يقومون بتركيب بعض الأحرف والأشياء بالأشكال تؤدي إلى نتائج سحرية.

2ـ النساء اللواتي يستخدمن إغرائهن لتوريط الرجال في جرائم، أو لتثبيطهم عن الفضائل.

3ـ جميع الدساسين والمدلسين الذي يعملون: لفصم الروابط الشرعية، أو لعقد الروابط غير المشروعة بين الأفراد أو الجماعات.

وإذا كان مورد نزول الآية بنات (لبيد بن أعصم)، اللواتي حاولن سحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الآية القرآنية قد تأخذ المورد المعاصر لنزولها مناسبة لنزولها، وتعمم مضمونها على جميع نظراءه.

(وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ).

فالحسد عقدة نفسية ناتجة من تلاقح الشعور بالنقص مع حب الاستئثار، وهذه العقدة مترسبة في أكثر النفوس، غير أن الواعين يعملون لحل هذه العقدة بإحدى طريقتين:

الأولى: طريقة استثمار الشعور بالنقص للعمل الإيجابي الهادف إلى إزالة النقص، بدلاً من توظيفه في العمل السلبي الهادف إلى تخفيض الآخرين إلى النقص ذاته حتى لا يستعملوا عليه.

الثانية: طريقة مكافحة حب الاستئثار بممارسة الإيثار، حتى ينطبع بحب الإيثار، الذي هو كمال يعلو على كثير من الكمالات، التي يحسد عليها الآخرون.

ومحاولة حل (عقدة الحسد) من الشرائط الأساسية لكل من يريد استخدام مواهبه للانطلاق بنفسه ـ أو بمجتمعه ـ في الأجواء العالية. لأن الحس سيف ذو حدين، يصيب الحاسد قبل أن يصيب المحسود، ووقعه على الحاسد أشد من وقعه على المحسود، لأسباب:

الأول: أن الحاسد عندما يخصص قسماً من طاقاته لتحطيم الغير، إنما يهدر هذه الكمية من طاقاته، فلا يستطيع الاستفادة الإيجابية منهاس لنفسه فيما لو استهلكه في أي عمل إيجابي ـ مهما كان متواضعاً ـ لتقدم به شوطاً إلى الأمام.

الثاني: ـ إن الحاسد ـ فور ما يسمح لنفسه بهدم غيره ـ إنما يصنف نفسه في مصاف الهدامين، وهو أول الناس شعوراً بتورطه في السلبية. ومتى سيطر على الإنسان شعور بسلبيته، يعجز عن الممارسات الإيجابية بنجاح، لأن الشعور الداخلي بالعافية يمثل القاعدة التي تمدّ كل أعماله بالزخم الكافي لإنجاحها.

إذن: فليس للحاسد شرّ يستعاذ منه، إذا لم تستحوذ عليه عقدة الحسد، ولم تحركه نحو الممارسات السلبية، أما إذا تورط في السلبية، كان له شر مستطير لا يمكن مكافته بالقدرة البشرية، بل يحتاج الإنسان فيها إلى طلب النجدة من القدرة الإلهية للتغلب عليه.

الثالث:ـ ان الحاسد ـ فور ما يسمح لنفسه بالوقوف موقف الهدامـ إنما يحيل نفسه الى التقاعد ، ويحكم على نفسه بالفشل الدائم لأنه لو كان يجد في أعماقه بقايا همة، لدخل في سباق مع المحسود، وتمنى أن يكون هو السابق، ولكنه تيقن الفشل، فتهيب الاشتراك في المباراة.

الرابع: ـ الحاسد ـ عندما يتطوع للتنكيل بالناجحين ـ إنما يستهلك أعصابه بلا جدوى. فحياته: نفسُ دائم، وحزن لازم، وهمّ مقيم لا يبرح. فمن ناحية: يحاول تعديل القضاء على هواه، وهو لا يملك التأثير فيه. ومن ناحية أخرى: يحاول قيادة الآخري بالسلبية، والناس يترفعون عن السلبيين. وقلما يركع ناجح أمام حاسديه، وإنما يستغلهم: لتصعيد نشاطه، وتحميس جمهوره.

الخامس: ـ الحاسد ـ عندما يغادر ورشة العمل الإيجابي إلى مستنقع السلبية ـ إنما يقضي على إيجابياته السابقة في نفوس المعجبين به. أو ليس في الحديث: (الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب)(16)؟!.

والحاسد إذا بقي يغلي ويتوتر دون أن يتجه بشرّ إلى محسوده، فلا ضرر منه إلا على نفسه، فلذلك وردت الاستعاذة منه معلقة على تحركه نحو محسوده: (إِذا حَسَدَ).

وأما إذا لم يسيطر على نفسه، وأنفلت كالوحش الضاري، فلا محيص منه إلا بانهدامه أو انهزام محسوده، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الحسد داءٌ عياء لا يزول إلا بهلاك الحاسد أو بموت المحسود)(17).

وإذا فشل الحاسد في تسديد ضربة إلى محسوده، فإن روحه الجهنمية تتدفق من نافذة عينه على محسوده، لتركز عليه اشعتها السامة، حتى يصيبه في ما يحسده عليه.ولا يختلف شر الحاسد باختلاف وسائله، فالعائذ ينفس من عقدته إذا عاين شيئاً مستكثراً أو متعجباً، ولم يبطل مفعول معاينته، بالتوسل إلى الله تعالى، بالأدعية المأثورة.

و(الحسد) أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض:

ففي السماء حسد (إبليس) (آدم)، فقاده الحسد إلى الكفر، وكان رأس الكافرين بالله.

وفي الأرض حسد (قابيل) (هابيل)، فقاده الحسد إلى القتل، وكان رأس القاتلين.

فإذا شعر الإنسان بالغيرة من نجاح غيره، عليه أن يوجه هذا الشعور إلى زخم يحفزه للدخول معه في سباق، ومن يدري: لعله يكون السابق، أو يكون اسمه في المتسابقين ـ على الأقل ـ . ويكفيه أن يكون قد استجاب لنداء القرآن.

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)(18)، وأن يكون قد بقي في موقف الإيجاب ونال تزكية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (المؤمن يغبط، والمنافق يحسد)(19).

الناس

حسب تسلسل نزول القرآن، لم تكن هذه السورة أول سورة ولآخر سورة، ولكن الله الذي تولى تنظيم القرآن فقال:

(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)(20)، هو الذي جعلها خاتمة القرآن، لتوجه الأذهان ـ بعد نهاية المطاف في القرآن ـ إلى أن الإنسان، مهما بلغ رشده الفكري والروحي، يبقى بحاجة إلى الله في التخلص من القوى الشريرة، البشرية وغير البشرية.

كما أن سورة (الحمد) لم تكن الأولى ولا الأخيرة، ولكن الله جعلها فاتحة الكتاب، ليبدأ الإنسان جولته في القرآن بحمد الله وطلب الهداية منه. فهو: في اهتداءه يحتاج إلى الله، وفي سلامته يحتاج إلى الله.

يلاحظ في استهلال السورة، تسميتها بسورة (الناس). وتكرار كلمة (الناس) فيما خمس مرات، تركيز أكيد على التذكير بخطورة الناس.

ويلاحظ في الاستعاذة من الجنة والناس (بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ)، دون (رب الجِنة، ملك الجِنة، إله الجِنة)، مع أن الله رب وملك وإله الجِنة والناس على حد سواء، يلاحظ تركيز أقوى على التذكير بخطورة الناس.

وكأن السورة توحي بأن الشر كله من (الناس). وإذا كان في (الجنة) شرّ يستعاذ منه، فهو شر محدود يكتفي بذكره مرة واحدة وبدون تركيز. مع العلم: بأن رمز الشر هو (الشيطان)، وهو من نوع (الجنة) وليس من نوع (الناس).

ولعل السبب في ذلك أحد أمرين:

1ـ أن نسبة تأثير (النفس الأمارة بالسوء) على الإنسان أكثر من نسبة تأثير (الشيطان) عليه. فالأشرار بفعل طينة السجين (التي حملوها من شاطئ المبتدأ من غير أن يكون ذلك سالباً لاختيارهم)، يؤثرون على بعضهم ـ وعلى الأخيار ـ أكثر من تأثير الشيطان: بما يهيئون من وسائل الإغراء، وبما يوجدون من أجواء، وما يسولون من مفاسد، ويما يشوهون من مصالح. فيوجهوك إلى الأبرياء مضغوطاً ـ قد تصل إلى درجة الإجبار ـ لحملهم على الإنحراف، بينما الشيطان لا يجبر أحداً على معصية. فلو مات الشياطين وبقي الناس لما طهرت الأرض من المعاصي. بل ارتكبوا أكثر ما يرتكبونه وهم تحت إغراء الشياطين.

2ـ إن الشيطان قلما يؤثر على الإنسان إلا من خلال الناس، فالإنسان لو استوعب كل الشياطين في قلبه واعتزل الناس: لا يستطيع أن يغري غيره إلى معصية، ولا يستطيع أن يمارس على غيره معصية. والفرد الواحد لا يقدر إلا على: المعاصي القلبية، وترك بعض الواجبات. فالشيطان يسيطر على الفرد من خلال الناس، ويغري بعضهم ببعض.

ـ الناشئون ـ عادة ـ يبدأون القرآن من آخره، لأنهم بحاجة إلى: نفس قصير، وألفاظ سهلة مهموسة، ومفاهيم أولية. وهذه العناصر، متوفرة في السور القصار. فسورة (الناس) ـ بالنسبة إليهم ـ فاتحة الكتاب. وبما أنهم أكثر توجساً من المخاوف، لقحتهم هذه السورة بشحنة ضد القلق، ليتمرسوا في الحياة بلا ارتباك.

وإذا كان القرآن قد صنف في سورة (الفلق) مصادر الشر الخارجية، وقزمها أمام قدرة الله المطلقة، ففي سورة (الناس) يوجه الانتباه إلى مصدر الشر الداخل، ويعتبره الخطر الأكبر. ويعبر عنه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعدى الأعداء، حيث يقول: (أعدى عدوك، نفسك التي بين جنبيك)(21). ويعتبر الكفاح ضدها جهاد أكبر، حيث قال: (الآن... رجعتم من الجهاد الأصغر، فعليكم بالجهاد الأكبر)، قالوا: (وما هو؟ يا رسول الله)! قال: (جهاد النفس)(22).

ذلك: أن الإنسان يعرض للإغارة على نفسه أو ماله أو عرضه، فيقاتل عدوه: فإذا قتله كان (مجاهداً)، وإذا قتل كان (شهيداً). فأشد أنواع العداء الخارج، أدى إلى أعلى درجات السعادة. ولكنه: يتردد فيقعد عن واجب، فيكون (آثماً). أو تحمله وساوسه على الانتحار، فيكون (قاتلاً). فمحاولة الخلاص الأبدي أدت إلى العذاب الأبدي.

القرآن ـ عندما يوجّه إلى هذا الخطر الكبير ـ لا يتكرر الإنسان فريسته، وإنما يضعه على طريق النجاة منه، وهو الاستعاذة بثلاثٍ من صفات الله مضافةالى الناس، للإيحاء إليه، بأنه سينقذك إذا استعذت به. ولئن اكتفى هنا بمجرد الإيماء، فإنه قطع العهد بإنقاذه عباده من هذا الخطر حيث قال للشيطان (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ)(23).

(قُلْ) أنت ـ يا محمّد! ـ وليقل المسلمون معك: (أَعُوذُ) ـ معتمداً وملتصقاً ـ ( بِرَبِّ النَّاسِ)، ومربيهم، ومدبر شؤونهم، وأعوذ بـ(مَلِكِ النَّاسِ)، وصاحب السلطة المطلقة عليهم. وأعوذ بـ(إِلهِ النَّاس)، وخالقهم، ومعبودهم.

فالقوى المسيطرة على الإنسان، التي تملك الهيمنة عليه فكرياً وجسديا، ويلزم الخشية والحذر من سوء استخدامه له، وسوء توجييها إياه، ثلاثة أصناف:

الأول: القوى التشريعية المربية: ابتداءً من الأبوين، والمرضعة، والمربية... ومروراً بالمعلم، وكل المؤثرين فيه من الزملاء، والمربين والاجتماعيين كالصحفي، والمؤلف، والمسرحي، والعالم، والشاعر... وانتهاءاً بالأجهزة التي تتولى التربية العامة، كأجهزة التربية والتعليم، وأجهزة الإعلام... وكل من يعمل للتأثير عليه ـ من قريب أو من بعيد، وبأية وسيلة من الوسائل ـ ويتقمص صفة تشريعية لهندسته وبناءه فكرياً.

الثاني: القوى التنفيذية الحاكمة على الإنسان: ابتداءاً من الأبوين، والمرضعة، والمربية... في جانبهم السلوطي. ومروراً بالفئات التي تمارس سلطة معينة، بشكل من الأشكال، وانتهاءاً بأجهزة الحكومات، وكل من يحاول قهره على إنتاج مسلك معين، ويتقمص صفة تنفيذية لهندسته وبناءه ونظامياً.

الثالث: القوى العقيدية المتألهة على الإنسان، التي تخول نفسها صلاحية التصرف العقيدي فيهم، ابتداءً من الأبوين، والمرضعة، والمربية... في جانبهم العقيدي. ومروراً بأصحاب المبادئ، والفلسفات، والنظريات... وانتهاءاً بالأحزاب، والمنظمات، والهيئات العقيدية... وكل من يتصدى للحكومة عليه في عقيدته، ويتقمص صفة عقيدية لهندسيته وبناءه عقيدياً.

هذه الأصناف الثلاثة من مجاميع القوى الفاعلة في المجتمعات، هي المحركات التي: إن أحسنت استخدم وتوجيه الإنسان، تجعل منه عنصراً صالحاً. وإن أساءت استخدامه وتوجيهه، تجعل منه عنصراً فاسداً. دون أن يملك تجاهها قدرة للمجابهة والردع، لسببين:

الأول: أنها تتلقف الإنسان خامة مطواعة، ليس لها ركائز ومسبقات تنتقد وتناقش القاضي والتصورات والآراء التي تطرح عليها، فيقع تحت تأثيرها المركز بلا مناعة.

الثاني: أنها مزودة ـ عادة ـ بكميات هائلة من: الخبرات، والتجارب، والمغريات، والمرهبات، التي تجعلها أقوى من الأفراد الذين تحاول استدراجهم. فهي ـ بكل حشودها ـ تواجه فرداً واحداً، بينما في الطرف الآخر فرد يواجه كل تلك الحشود. فمن الطبيعي أن تتغلب عليه.

فلا بد من عدم الاكتفاء الذاتي في مواجهة تلك القوى، واستمداد العون من الله حتى ينصره عليها، أو يصونه من غائلتها على الأقل.

وبما أن القوى التي يلزم الحذر منها تلخص في ثلاثة أصناف، وهي القوى المربية والحاكمة والمتألهة، جاء التعليم القرآني موجهاً إلى الاستعاذة بثلاث صفات مشابهة من صفات الله، هي الرب والملك والإله.

وقيل في بيان الاستعاذة بهذه الصفات الثلاث: (من طبع الإنسان ـ إذا أقبل عليه شر يخافه، وأحس بالضعف تجاهه ـ أن يلتجئ بمن يقوى عليه ويكفيه. والذي يراه صالحاً للاعتصام به، أحد ثلاثة:

(إما رب) يلي أمره ويربيه، فيرجع إليه في حوائجه.

وإما (ذو قوة وسلطان) يجيره إذا استجاره.

وإما (إله) لازم معبوديته، وخاصة: إذا كان واحداً لا شريك له، فلا يرجع في حوائجه إلا إليه.

وكان ترتيب الاستعاذة بالرب أولاً ثم بالملك ثم بالإله، لأن من الطبيعي ـ إذا أصاب الإنسان مكروه ـ أن يلجأ إلى: المربي أولاً، لأنه أقرب صلة، وأشد مسؤولية. ثم بالملك، لأنه أوسع سلطة، وأقوى قدرة. ثم ـ وأخيراً ـ بالإله، لأن الاستعاذة بالإله لا تصدر إلا عن من له عمق إيماني، يترفع به عن اللجوء في المكاره إلى مصادر الأمن المادية، الممثلة في المربي والملك.

ولم توصل هذه الصفات الثلاث: (رَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ) بأحرف العطف، لسببين:

الأول: للإيحاء بأن كل واحدة من هذه الصفات، سبب تام ومستقل في دفع الشر عن من يستعيد به: فمن الطبيعي أن يحمي الرب مربوبيه، ومن الطبيعي أن يحفظ الملك مماليكه، ومن الطبيعي أن يكفي الإله عباده. فيصح الاستعاذة بالله، بذكر أي من هذه الصفات دون ذكر الآخرين.

الثاني: للتأكيد على أن هذه الصفات تعتبر عن موصوف واحد هو (الله) الفرد الأحد، ولا تعبر عن ثلاثة موصوفين. كما كانت الوثنيات السابقة تركز على توزيع الصفات الثبوتية، وتوزيع المخلوقات، بين الآلهة المتعددة، فتجعل: للخير إلهاً، وللشر إلهاً، وللبر إلهاً، وللبحر إلهاً، وللرياح إلهاً، وللشعر إلهاً، وللخمر إلهاً، وللشمس إلهاً وللخصب إلهاً...

وتكرر ذكر (الناس) مع كل واحدة من هذه الصفات لسببين:

الأول: لتكون الاستعاذة بكل واحدة من هذه الصفات، مستقلة كافية، للحذر من شرور مختلف الأصناف الثلاثة.

الثاني: للتأكيد على أن الله ـ تعالى ـ رب جميع الناس، وملك جميع الناس، وإله جميع الناس. فهو ـ بأي من صفاته الثلاث ـ يكفي من يشاء شرورهم جميعاً.

ووردت إضافة صفاته ـ تعالى ـ إلى الناس فقط، وهو رب وملك وإله جميع الخلائق، وليس الناس فقط مصادر كل الشرور، لأسباب:

الأول: لأن الشرور الكبيرة هي الشرور الصادرة من الناس، وأما الشرور الصادرة من الحيوانات، أو من المظاهر الكونية، والبراكين...، فهي شرور ثانوية، والإنسان يملك تدجينها أو الحذر منها بشكل أو بآخر.

بالإضافة إلى: أنها قد تكون ناتجة من عمل الإنسان نفسه، فلا يصح الاستعاذة منها مباشرة، وإنما يلزم الاستعاذة من شرور النفس مقدمة للتخلص منها. ففي مثل هذه الموارد، لا بد من الاستعاذة من المقدمة لا من النتيجة.

فإذن: هذه الشرور ـ إن صح إطلاق الشرور عليها ـ داخلية، تنبع من عمق الإنسان ـ كشر الانتحار ـ ولها مجال آخر، وليست خارجية تعزو الإنسان من خارجه. وهاتان السورتان، مخصصتان للاستعاذة من الشرور الخارجية.

الثاني: لأن في الناس (أرباباً)، فذكر أنه ـ تعالى ـ ربهم مهما تطاولوا. وأن في الناس (ملوكاً)، فذكر أنه ملكهم مهماً تجبروا. وأن في الناس (متألهين)، فذكر انه إلههم مهما تمردوا. وهؤلاء ـ جميعاً ـ من الناس.

الثالث: لأن المخاطب بهذا الخطاب: (قُلْ)، هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من خلاله ـ الناس جميعاً. فحسن تذكيرهم بأن الذي يستعيذون به، ليس بعيداً عنكم، ولا غريباً عنكم، فهو ربهم وملككم وإلهكم...

الرابع: لأن الإنسان أكمل المظاهر التي تتجلى فيها الصفات القدسية:

فتتجلى: (نفحة الله الخاصة) في الإنسان، باعتبار تركيبته الفريدة من الروح والجسد، فهو الحد الذي تلتقي فيه الأرض بالسماء. وباعتبار جماله الجسمي والروحي، فقد فاز ـ في مباريات الخلقة ـ بوشاح: (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(24)، ونال ـ في مسابقة الفضائل ـ تاج: (كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ)(25).

وتتجلى (ملوكية الله) في الإنسان، باعتباره الخليفة في الأرض، فهو سيد المخلوقات التي لم يطرح القرآن المظاهر الكونية إلا بصفتها جنوداً منقادة له:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(26)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ)(27).

وتتجلى (قدرة الله) في الإنسان: باعتباره أقدر على العبودية والعباد. وباعتباره أوسع في استيعاب المعرفة، فهو الذي نجح في الامتحان الكبير:

(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها...)(28).

وباعتباره أبعد مدىً في التحارب مع الأهداف الإلهية، فهو الذي بلغ:

(قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى)(29)، واستلهم: (لولاك لما خلقت الأفلاك)(30).

الخامس: لأن الإنسان ـ رغم مواهبه المتفوقة ـ بحاجة إلى التكرار والتأكيد، حتى تتمكن منه الركائز، فلا بد من التركيز على أن الله (رَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ)، حتى يتسرب اليقين إلى أعماقه.

السادس: ولعله تكرار توبيخ، فبقية الكائنات لم تتردد في أن الله ربها وملكها وإلهها، والسماوات والأرض (قالَتا: (أَتَيْنا طائِعِينَ))(31)، ولكن الإنسان ـ وحده ـ هو الذي اتخذ أرباباً، من دون الله، وملوكاً ن دون الله، وآلهة من دون الله.

وفي جامع العلوم النحوي: (وليس قوله: (الناس) تكراراً: لأن المراد بالأول الأجِنّة)، ولهذا قال: (بِرَبِّ النَّاسِ)، لأنه يربيهم، والمراد بالثاني (الأطفال)، ولذلك قال: (مَلِكِ النَّاسِ)، لأنه يملكهم. والمارد بالثالث (البالغون المكلفون)، ولذلك قال: (إِلهِ النَّاسِ)، لأنهم يعبدونه. والمراد بالرابع (العلماء)، لأن الشيطان يوسوس إليهم، ولا يريد الجهال، لأن الجاهل يضل بجهله)(32).

واستعملت كلمة: (ملك) في هذه السورة، بينما استعملت كلمة: (مالك) في سورة (الفاتحة)، لأن (الملك) من له الولاية السياسية على مجموعة من البشر وفق مواصفات ومؤهلات معينة، فيما (المالك) من له حق التصرف ـ شبه المطلق ـ في شيءٍ أو أشياء من غير البشر، فيقال: (ملك العرب)، و(مالك الدار)، فكان أحسن هناك لأنه أضيف إلى: (يَوْمُ الدِّينِ).

(مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ).

(الوسوسة): كالمهمهمة ـ حوار مع النفس في مشتبك المتناقضات. وغالباً ما تستعمل في حديث النفس إذا كان صامتاً، فإذا دخل فيه عنصر الصوت سمي حديث النفس، فإذا غامره الغضب ولم يكن متميز الأحرف سمي همهمة وغمغمة.

و(الوسواس) ـ على وزن (خناس) ـ : هو الذي يثير الوسوسة بإلقاء الشك والتردد في النفس.

وقيل: (الوسواس) حديث النفس ذاته، وليس بصحيح.

أولاً لإضافة (الشر) إليه. ومصدر الشرّ ذات، وليس مصدراً ولا اسم مصدر.

ثانيا: لتوصيفه بـ(الخناس). وهو من صيغ المبالغة، ولا يصح توصيف المصدر بها.

ثالثاً: يظهر من بعض الأحاديث أن (الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) اسم لغيطان معين، أو لفصيلة من الشياطين(33).

و(الْخَنَّاسِ): هو الذي يخنس ويتستر. وقد أطلق (الوسواس) على الشيطان، لأن أهم أعماله إلقاء الشكوك في النفوس، وتشويه الحقائق والمواقف بضباب التردد، وأطلق عليه (الْخَنَّاسِ)، لأنه لا يواجه فريسته بواقعه الشيطاني، وإنما يتستر بوجوه وبراقع مغرية ومطمئنة حتى لا تكشف أوراقه، فيسول الباطل حقاً والخير شراً، كما وسوس لـ(آدم وحواء) قائلا:ً

(هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى)(34). متستراً بـ(الحية)، باعتبارها حيواناً بريئاً لا مصلحة له في توريط آدم وحواء في الخطيئة، ولم يكن طرفاً في صراع.

وقيل: لـ(الخناس) معنيان متناسبان مع الشيطان.

الأول: كثير التستر، لأن الشيطان ـ أساساً ـ مستور لا يظهر للحواس.

والثاني: كثير التربص، لأن الشيطان يتربص بالإنسان: فإذا حانت منه غفلة عن ذكر الله، قفز عليه ليوسوس إليه. فإذا تذكر الله ولّى عنه، وبقي متربصاً به، حتى إذا أغفل عن ذكر الله ـ مرة أخرى ـ وثب إليه.

وقيل: (الخناس) يشمل جميع المتآمرين. لأنهم يبرزون للمجتمعات من أجل إلقاء أفكارهم وطرح قضاياهم، حتى إذا نفذوا مآربهم خنسوا وتستروا عن الأضواء، كي لا تلاحقهم مغبّة جرائمهم.

ويمكن استنباط أمرين أخلاقيين من استخدام كلمتي:

(الْوَسْواسِ) و(الْخَنَّاسِ) في التعبير عن الشيطان:

1ـ أن انتصار الشيطان على الإنسان، يتم عن طريق إلقاء الشك والتردد في الأذهان. فلا ينال مأربه إلا خور الإيمان، ولا يتمكن من أصحاب العزائم.

2ـ إن الشيطان يطرح فكرته ويخنس، حتى يخيل للإنسان أنهما فكريته. فيتبناها ويتحمس لها، باعتبارها نابعة عنه وليست مطروحة عليه.

فلا بد للإنسان من أن يروض إرادته باستمرار، ويتفحص أفكاره دائماً.

فالوسواس الخناس (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ)، هو كل من يلقي الشك والشبهة في النفوس، لتشويه أفكار صحيحة أو تجميل أفكار فاسدة، سواء أكان الوجه الذي يتبرقع به: الحق، أو الخير، أو الإنسانية، أو الدين، أو الإصلاح، أو أية لافتة مقبولة لدى فريسته.

والشيطان يلقي وساوسه في (القلب)، الذي هو جهاز لاستقبال الأفكار والعواطف ولبثها، وهو المستودع الذي يختزن المعلومات. وقد تنسب هذه الصفات إلى (الصدر)، باعتبار الصندوق الذي يحتفظ بالقلب.

و(الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) قد يكون (مِنَ الْجِنَّةِ): أي من العناصر المستترة التي تعايش الناس، ولا يدركها الإنسان بالحواس الخمس. (وَ) ربما يكون من (النَّاسِ): لأن الإنسان الذي يؤدي دور الشيطان، لا يقل خطورة من الشيطان، بل قد يزيد عليه. لأنه يستخدم علاقاته ومؤثراته للضغط على فريسته، فيلزمه بالعدول عن الأفكار الصحيحة وإن لم تكن قناعته تامة. فكلمة: (مِنْ) ـ هنا ـ للتبعيض، ويحتمل أن تكون بيانية للتبيين: (الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ).

المعوذتان ـ أيضاً ـ

ويستحسن هنا إلقاء نظرات عامة على مجمل السورتين:

الأولى: أن السورتين تقيّمان القدرات الكفاحية في الإنسان، فهي ـ على العموم ـ تكفي للصراع ضد القوى المعادية التي تعلن حربها على الإنسان، وتقف في خندق مواجه، للحوار بـ : السلاح، أو بالمال، أو بالجنس، أو بالسلطان، أو بالجاه... إذ لا يفترض على الإنسان غير الصمود حتى ولو رجحت موازين القوى ضده في أسوء الحالات. والصمود أسهل وأدنى ما يفترض القبول به. لمن يعرك الحياة. ولكن القدرات الكفاحية في الإنسان لا تكفي لمواجهة القوى الخفية الملتوية، لأنه لا يعرف متى؟ ومن أي؟ وكيف؟ تسدد ضرباتها إليه، وغالباً تكن له هذه القوى في مأمنه وتأتيه من حيث لم يكن يحتسب، ثم: لا يعرف الأساليب الناجحة في مقاومتها.

فلا بد من الاستعاذة بالله، لتنويره ـ أولاً ـ بالقوى المتآمرة عليه، وفضح أساليبها وألاعيبها ـ . وثانياً ـ لهدايته إلى أفضل الوسائل والسبل، للتغلب عليها أو التخلص منها.

وهذا التقيم يختصر عمليتين:

العملية الأولى: تصنيف القوى المعادية للإنسان إلى صنفين:

صنف القوى المنظورة الصريحة التي تشتبك مع الإنسان مواجهة، وبأسلحتها التقدليدية المعروفة، من: السلاح، والمال، والجنس، والسلطان، والجاه...

وصنف القوى الخفية الملتوية التي لا تواجه ضحيتها، وإنما تناور حتى تسلبها قدرة المقاومة، ثم توجه إليه ضربة قاضية.

العملية الثانية: إيحاء تربوي إلى الإنسان بأن يعبئ قواه، حتى يكون جاهزاً ـ في كل وقت ـ لمقاومة جميع القوى المعادية له. أقصى ما هنالك: أن في الخندق الآخر أربعة أصناف من القوى لا قبل لها بها إلا مع المدد الإلهي. وأما بقية القوى فهي في مستوى قواه، فعليه الاستقلال بمقاومتها. وإن كانت الاستعانة بالله من الملازمات الإيمانية، التي لا يخلو عنها المؤمن حتى في أعماله الإيجابية اليومية.

الثانية: أن السورتين تلخصان القوى الخفية الملتوية، في أربع مجموعات هي: القوى العاملة في الظلام، والقوى السحرية التي تعقد الأمور، والقوى الأنانية ، والقوى المشككة. وأما بقية القوى المعادية للإنسان، فهي أقل خطورة من هذه:

الثالثة: أن السورتين تصنفان هذه القوى الأربع إلى:

صنف أقل خطورة، ويشمل القوى الثلاث الأول، فجمعتها سورة مؤلفة من خمس آيات، هي سورة (الفلق).

وإلى نصف أكثر خطورة، وهي القوى الرابعة، فخصصت بها سورة مؤلفة من ست آيات، وهي سورة (الناس).

والسبب:

أن القوى الثلاث الأول تحاول هدم الإنسان من خارجه، ولا يفترض في كل من تركز عليه المعاول أن ينهار. فيما القوة الرابعة تهدمه من داخله، حتى لا ينتصب على قدميه، فشخصية الإنسان تحدد بقوة وسرعة إرادته في اتخاذ المواقف، فإذا تذبذبت إرادته بفعل التشكيك فقد شخصيته ومن لم تنعقد له شخصية، لا يكون شيئاً حتى يحاول الآخرون هدمه أو لا يحاولوا. لذلك: كان التردد أخطر الأمراض التي يصاب بها الإنسان، فوضعت (الاستخارة) لترويضه على أن يريد، بتجربة تزويده بالإرادة، بالإضافة إلى: أنها تضع المستقبل غير المنظور تحت تصرفه.

الرابعة: إن الاستعاذة في السورة الأولى من جميع الأشياء الشريرة، ومن قوى الظلام، ومن السحرة، ومن الحاسد، تمت بذكر الله مرة واحدة: (رَبِّ الْفَلَقِ). بينما الاستعاذة في السورة الثانية من الوسواس فقط، لا تتم إلا بذكر الله ثلاث مرات: (ِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ).

ولعل السبب: أن التردد أخطر مايصيب الإنسان.

ولعله: أن جميع قوى الشرّس تصيب الإنسان في دنياه، فيما الوسواس يصيب الإنسان في آخرته.

الخامسة: أن السورتين سورة واحدة فكرةً، وهي لزوم الاستعاذة بالله في مقاومة تلك القوى الأربع. وهما سورة واحدة أثرا، ففي الحديث: (... فجعل كلما يقرأ آية، انحلت عقدة)(35). وإن كانتا: قرآنياً سورتان، لتتوج كل واحدة منهما بالبسملة، وفقهيا سورتان، لكفاية إحداهما عن الأخرى ـ بعد الفاتحة ـ في الصلاة، وفي القرآن موارد عديدة تتكامل فيها سورتان لتكميل فكرة واحدة: مثل سورتي (الضحى) و(الانشراح)، ومثل سورتي (الفيل) و(قريش)...

روايات:

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي: أن (لبيد بن أعصم) اليهودي سحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم دسّ في بئر لـ(بني زريق)، فمرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبينا هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه وآخر عند رجليه. فأخبره بذلك، وأنه في بئر (دروان): في جفّ طلعة ـ والجفّ قشرة الطلع ـ تحت راعوفة ـ والراعوفة حجر في أسفل البئر يقوم عليها الماتح ـ . فانتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعث علياً (عليه السلام) والزبير وعماراً، فنزحوا ماء تلك البئر، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجفّ، فاذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة، وإذا فيه معقد في إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فنزلت هاتان السورتان، فجعل كلما يقرأ آية انحلّت عقدة. ووجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خفة، فقام، فكأنما أنشط من عقال. وجعل جبرئيل يقول: (بسم الله أرقيك، من شرّ كل شيءٍ يؤذيك من حاسد وعين، والله ـ تعالى ـ يشفيك(36)). وفي نفس المصدر: رواية أخرى عن الفضل بن يسار بن أبي جعفر (عليهم السلام)، ورواية ثالثه عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) باختصار)(37).

وعن كتاب (الدرّ المنثور)، أخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم مثل مضمونه بتعبير آخر)(38)

ومن كتاب (طب الأئمة)، بإسناده إلى محمّد بن سنان عن المفضل عن الإمام الصادق مثله(39).

وبمثل هذا المضمون روايات عديدة: من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن طرق غيرهم باختلاق في نصوصها.

وفي بعض السنّة: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع من غزوة (الحديبية) ـ وقد ظهر أمره، واشتدت وطأته ـ طلب يهود المدينة من رجل منهم، كان يتعاطى السحر هو وبناته، أن يسحروا الرسول. فأخذوا بعض أثره، ودفنوه في بئر (دوران)...).(40).

وناقش بعض العلماء في صحة هذه الروايات. بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مصوناً من تأثير السحر، بدليل أن الله استخف بمزاعم من أدعوا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسحور، فقال:

(نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى. إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً) انْظُرْ: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثالَ؟! فَضَلُّوا، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)(41).

وكان المعتزلة عنيفين في استنكار هذه الرواية، وقالوا: (كيف يمن تأثير السحر فيه (عليه السلام) والله يقول في سورة طه:

(...وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى)(42).

ويقول للرسول في سورة المائدة قولاً لا يمكن نقضه:

(...وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ...)(43)؟!

ويمكن الإجابة على هذه المناقشة بجوابين:

1ـ أن هذه الروايات، حيث لم تبلغ حدّ (التواتر اللفظي أو المعنوي) حتى يؤدي إلى القطع بصدورها، لا ملزم للإلحاح على صحة مضمونها. إلا أنه ـ بالمقابل لا مبرر للتحفظ تجاهها، إذ لا بد من التفريق بين الجانب الروحي والجسمي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هو ـ في جانبه الروحي ـ منيع، ومعصوم، ومصون بحراسة الله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، فلا ينال ولا يطال ولا يطاول. وأما في جانبه الجسمي، فهو ـ كما أمره الله أن يعرّف نفسه ـ :

(إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ...)(44).

فتخلف عليه طوارئ الجسم البشري: فيجوع، ويعطش، ويمرض، وينام، ويغتسل، وتكسر جبهته ورباعيته، ويجرح، ويسمّ، ويعرض للعاين حسب الأحاديث الواردة في تنزيل آية: (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)(45)، من سورة القلم...، فماذا يمنع من أن يصاب بآلام أو أسقام، ويشتكي بأثر السحر؟! والذين قالوا: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً)(46). فبرأه الله مما قالوا، إنما كانوا يقصدون أنه مسحور زايله عقله فترك دين آباءهم، وإن الدعوة الإسلام الكبرى من هذيان مسحور. فكانت هذه التهمة مثل التهمة التي وجهها إليه نظرائهم حيث قالوا: (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)(47). فاستحقوا الإشفاق، لأنهم ـ عندما حاولوا إيقاف تلك الدعوة العميقة المركزة، بادعاء أنها هذيان مسحور أو مجنون ـ إنما كشفوا عن أنها صدعتهم حتى أطاشت بهم فقدوا صوابهم تحت وطأتها بحيث لم يملكوا إلا السباب الرخيص، وإلا فمن غير الناجح ـ في منطق الدعاية المضادة ـ الإسفاف إلى مستوى السباب لإبعاد الناس عن رسول ودين.

واستدلال المعتزلة بالآيتين، غير منطقي:

فقوله تعالى: (...وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى)(48) لا يعني عدم نفاذ سحره، لأن السحر ينفذ بالفعل، وإنما يعني أن السحر ليس وسيلة حياتية. وكل من يعرف (السحرة) يعرفهم أتعس الناس وأقذرهم، رغم أن المفروض أن يكونوا أسعد الناس: بواسطة السحر، أو باستخدام المغررين بهم.

وأما قوله تعالى: (...وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ...)(49). فلا يعني أكثر من عصمته في حياته، فتفشل المؤامرات التي تستهدف حياته الشريفة. فقد بقي معرضاً لسائر الاعتداءات حتى قال:

(ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت)(50).

(زاد المعاد) لابن القيم الجوزية: قد أنكر هذا... طائفة من الناس، وقالوا: (لا يجوز هذا... عليه)، وظنوه نقصاً وعيباً. وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم، لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين(51).

قال القاضي عياض: (والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، ويجوز عليه، كأنواع المرض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته...)(52). وكان غاية هذا السحر فيه، إنما هو جسده وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه...

2ـ إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حد ذاته ـ معرض للسحر، ولكن الله يصونه بحاجز من رعايته، فيصطدم بالبحر بالعناية الإلهية وينهار، ويسلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). كما وجدنا (لبيداً اليهودي)ـ أو بناته على ما روي ـ اجتهد في سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يقدر عليه، بدليل أن الله أخبر نبيه فأفسد سحره(53).

ولو صح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في حد ذاته ـ فوق السحر، لما كانت حاجة: إلى إخبار الله نبيّه بسحر (لبيد)، ولا إلى نزول هاتين السورتين، ولا إلى ترقية (جبريل)، ولما (وجد خفة، فقام، فكأنما أنشط من عقال) بعد قراءة الآيات من السورتين. وإفساد السحر، يدل على نفاذه لو لا إفساده.

(الكشاف) للزمخشري: لا بد من تأويل الاستعاذة من النساء (النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ)، بأحد وجوه ثلاثة: إما أنه يستعاد من عملهن وإثمهن فيه، وإما أنه يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وخداعهن، وإما انه يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن... ويجوز أن يكون المراد بـ(النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) النساء الكيادات، أخذاً مما جاء عنهن في سورة يوسف: (...إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)(54)، تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد، ويجوز أن يكون المراد بهن، النساء اللائي يفتن الرجال بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن عليهم، كأنهن يسحرنهم بذلك....

وذهب الشيخ (محمّد عبده) إلى أن السحر خرافة لا أصل لها ولا أثر فقال:

(النفاثات: جمع نفاثة، كعلامة وفهامة. والمراد: النمامون، المقطعون لروابط الإلفة... وإنما جاءت العبارة كما في الآية، لأن الله ـ جل شأنه ـ أراد أن شبههم بأولئك السحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلو عقدة المحبة بين المرء وزوجه ـ مثلاً ـ فيما يوهمون به العامة، عقدوا عقدة، ثم نفثوا فيها، وحلوها، ليكون ذلك حلاً للعقدة التي بين الزوجين. والنميمة تشبه أن تكون ضرباً من السحر، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بوسيلة خفية كاذبة والنميمة تضلل وجدان الصديقين، كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته. ولهذا... ذكرها عقب ذرك الغاسق إذا وقت. وقد ظن قوم أن للسحر أصلاً، فقالوا: (إن منه ما يبني على تأثير الكواكب، أو على تأثير الاتصال بالشياطين، أو استحضار الجن بالعزائم والرقي). وفي الحديث النبوي نهي شديد عن السحر، إذ يقول (عليه السلام): (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك). وما كان الإسلام يبقى على خرافة السحر...)(55).

ويظهر مما ذكرنا: أن السحر موجود، وأنه لا مبرر للتكلف في صرف الآية عن ظاهرها.

ولعل الجواب الأول أقرب إلى مستوياتنا، وهو: أن الجانب الجسمي للنبي ((صلى الله عليه وآله وسلم))، معرض للسحر كتعرضه لبقية طوارئ الجسم.

وعدد آيات هاتين السورتين إحدى عشر ـ باستثناء البسملتين ـ بعدد تلك العقد. واختلف في كونهما مكيتين أو مدنيتين: فالذين قالوا بتأثير السحر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا بكونهما مدنيتين. والذين قالوا بعدم تأثير السحر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا بكونهما مكيتين.

***

(الدر المنثور) أخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي، قال: (الفلق: جبٌّ في جهنم مغطى)(56).

عن عقبة بن عامر، عن النبي قال: (الفلق: باب في النار، إذا فتح سعرت جهنم)(57).

وعن عمرو بن عنسبة، عن النبي قال: (الفلق: بئر في جهنم، إذا سعر جهنم فمنه تسعر)(58).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي: عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره، وعن علي بن إبراهيم في تفسيره، وعن السدي: (الفلق: جبٌّ في جهنم، يتعوذ أهل جنهم من شدة حرّه)(59).

***

في تفسير علي بن إبراهيم القمي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)(60).

(عيون أخبار الرضا (عليه السلام)) لمحمّد بن علي الصدوق. بإسناده عن السلطي، عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن النبي (عليهم السلام) : (كاد الحسد أن يسبق القدر)(61).

(الدر المنثور)، أخرج ابن أبي شيبه عن أنس: (قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): إن الحسد ليأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب)(62).

وفي بعض الحديث: (ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم: آكل الحرام، ومكثر الغيبة، ومن كان في قلبه غِلّ أو حسد للمسلمين)(63).

وفي حديث آخر: (لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً، فسلط على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله علماً، فهو يعمل به ويعلمه الناس)(64).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، روى أن النبي قال: (من رأى شيئا يعجبه، فقال: (الله... الله... ما شاء الله، لا قوة إلا بالله)، لم يضره شيئاً)(65).

***

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله (أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم: فإذا ذكر الله ـ سبحانه ـ خنس، وإذا نسي التقم قلبه. فذلك، الوسواس الخناس)(66).

(تفسير العياشي)، بإسناده عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد الصادق: قال رسول الله: (ما من مؤمن إلا ولقلبه ـ في صدره ـ أذنان: أذن ينفث فيها الملك، وأذن ينفث فيها الوسواس الخنّاس... فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله ـ سبحانه ـ (...وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ...)(67).)(68).

(الأمالي) لمحمّد بن علي الصدوق، بإسناده إلى الصادق عليه السلام:

(لماذا نزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(69).، صعد (إبليس) جبلاً بمكة يقال له: (ثوير)، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: (يا سيدنا! لم دعوتنا)؟ قال: (نزلت هذه الآية، فمن لها)؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: (أنا لها كذا... وكذا) قال: (لست لها). فقام آخر، فقال مثل ذلك، فقال: (لست لها). فقال الوسواس الخناس: (أنا لها). قال: (بماذا)؟ قال: (أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار). فقال: (أنت لها). فوكله بها إلى يوم القيامة(70). والعفريت: هو المسؤول القيادي من الشياطين.

***

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي: أن النبي كان كثيراً يما يعوّذ الحسن والحسين (عليهما السلام) بهاتين السورتين(71).

المصدر ذاته، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله: (أنزلت عليّ آيات لم ينزل مثلهن، المعوذتان)(72).

ولعل المراد: أنه لم ينزل في مجالهن. والآيات الأخر ـ أيضاً ـ لم ينزل مثلها في مجالاتها، لأن القرآن ـ بكل آياته ـ فوق مستوى بقية كتب السماء. فلم ينزل من السماء شيء في مستوى أية آية من القرآن ومن ضمنه هذه الآيات.

***

(الدر المنثور): إن (ابن مسعود) كان يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: (لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبي أن يتعوذ بهما). وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما.

ثم قال السيوطي: قال البزار: (ولم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي أنه قرأ بهما في الصلاة، وقد اثبتتا في المصحف)(73).

والذي يبدو: أن ابن مسعود ـ حيث وجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعوذ بهما ـ ظن أنهما ليستا من القرآن. بينما التعوذ بالقرآن ـ كله، أو ببعض سوره ـ وارد في روايات تبلغ حدّ (التواتر المعنوي). ولكنه عاصر نزول القرآن وتكامل المفاهيم الإسلامية، فانطلق من التصور الشائع من أن القرآن دستور دين عالمي خالد، وأن التعاويذ أشياء خاصة، فلا تدخل في نطاق القرآن. ولا يهمنا رأيه، بعدما ورد النص على انه مجرد رأي، واستحبت القراءة بهما في الصلاة.

ففي تفسير القمي = عليّ بن إبراهيم، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف، فقال: (كان أبي يقول: إنما فعل ذلك ابن مسعود برأيه، هما من القرآن)(74).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن عقبة بن عامر، عن النبي: (يا عقبة! ألا أعلمك سورتين هما أفضل القرآن ـ أو من أفضل القرآن ـ)؟ قلت: (بلى...). فعلمني المعوذتين، ثم قرأ بهما في صلاة الغداة، وقال لي: (إقرأهما كلما قمت ونمت)(75).

المصدر ذاته، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر (عليه السلام): (من أوترب المعوذتين وقل هو الله أحد، قيل له: (يا عبد الله! أبشر، فقد قبل الله وترك)(76).

خواطر قصيرة

* رمي الجمرات الثلاث، هي رموز الشياطين، الكبير والأوسط والصغير، ولعلها هي رموز النفس والأهل والمال.

* كل شيء متاح ولكن الإنسان عاجز، كذلك الوحي متاح ولكن الإنسان عاجز.

* ديناميكية الإسلام وأوتوماتيكيته، جعلتاه: ينطلق، ويتخذ الحواجز سلماً، والعوارض دوافع... (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)(77). فلا بد من إعادة الديناميكية والأوتوماتيكية إليه، وتنظيره ـ عصرياً ـ لينسجم مع معطيات ومحركات العصر.

* الفارق بني العبودية والعبادة: أن العبودية هي تقزم الضعيف أمام استطالة القوي، وأن العبادة هي شموخ القوي حين الاعتراف بالحق الذي يبقى فوق الجميع.

* الصراط: الطريق الذي تسقط فيه الأفكار، تنعكس عليه الأعمال.

* يحشر المرء ناقصاً أو مشوهاً: ناقصاً بترك الواجبات، ومشوهاً بالمحرمات.

* عزة الشيء كونه نادراً. وهذا لا يصطنع بتجميع الطاقات حوله: فالصخرة ـ إن اجتمعت حولها الصخور ـ لا تصبح جوهرة، والشوكة ـ مهما تجمع حولها الأشواك ـ لا تكون وردة، وكذلك: الميكروب، والظلمة...

* المنافقون لا يعلمون، لأنهم لا يفهمون الجو الآخر. كما: أن أبناء الدنيا لا يفهمون الآخرة، والطفل لا يفهم الجنس...

* النفوس البشرية، بقدر ما هي قابلة للشموخ والارتفاع، بقدر ما هي قابلة للتقزم والانحدار. فهي تتحمل الامتداد، في جانبي السلب والإيجاب، إلى أكثر مما يتوقعه الإنسان أو يتصوره.

فهنالك: نفوس فاضلة، تشمخ... وتشمخ... حتى ترتفع فوق الخيال، وتعرج فوق كوابح الحياة، وتتحدى قوى: الشهوة، والعاطفة، والسلطة... مجتمعة، فتنتصر عليها جمعاء.

بالمقابل: توجد نفوس حقيرة، تتطاول... وتتطاول... حتى تستهتر بكل الحقائق.

* كل شيء له كمالان: الكمال الأول والكمال الثاني، أو بالقوة وبالفعل. كل شيء الإنسان والحيوان، والنبات، والجماد يتكون صفحة بيضاء، وقد يكون له كمال أول وقد لا يكون. وإذا كان، فإما لا يستعمله أو يستعمله: بالحد الأدنى وبالحد الأقصى، في سبيل الخير أو في سبيل الشر.

* مشيئة الله ليست مجرد مشيئة كمشيئة البشر، وإنما هي نتيجة تفاعل العوامل الطبيعية لتلك النتيجة بدقة وواقعية.

* الشيطان ليس شرا محضاً، وإنما فيه جانبان أو نوعان: نازعان الخير و نازع الشر. بدليل انه ـ في فترة كان تغلب فيه نازع الخير، فأصبح: (طاووس الملائكة). وإن كان الشيطان بالنسبة إلينا مصداق نازع الشر، كما أن جميع المجرمين لمجتمعاتهم هكذا.

* إن مشيئة الله علة لوجود الأسباب الكاملة كمتعلق المشيئة، كما في دعاء (يا من تحل به عقد المكاره): (... فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة)(78).

لا نفسر القرآن، بل نعكس منه، كالكاميرا يعكس الصور.

الهزة السلبية ضرورة في شحذ الهمم، لأن الهزات الإيجابية لو تكاثرت، تصبح ـ كالنعم ـ ترفاً خانقاً، يخلد إلى الخمول الكسل.

(الأمر بالمعروف) ليس تمتمة حائرة مرتجفة، ولا كلاماً هائماً مرتبكا لما يسمى بـ :( إتمام الحجة)، وإنما هو تنفيذ قوي، فالآمر بالمعروف، الذي يحاول تنفيذ إرادة الله في الأرض، يجب أن لا يقل من الشرطي الذي ينفذ أوامر الدولة بمختلف الأساليب، ابتداءاً من الكلام وانتهاءاً بالسلاح ـ في مقام الدفاع ـ .

الذين يدفعون ما فرض عليهم من الزكاة والخمس وغيرهما... يلزم أن يدفعوا صدقةً وإخلاصاً، ولكنهم ـ في الوقت ذاته ـ إنما ينمون أنفسهم، لأن هذه الأموال تحفظ كيانهم العقيدي: ومن احترمت عقيدته، يحترم هو، تحترم مصالحه. ومن لم تحترم عقيدته، لا يحترم هو، فلا تحترم مصالحه. فهو إنما ينمي نفسه ومصلحته بدفعه الزكاة: في الدنيا كما في الدنيا، وخير منه في الآخرة.

الإنسان يغير جوهره بالدعاء، بمقدار ما يغير مظهره بالعمل. ويؤثر في أقدارة بالتوجه إلى الله، بمقدار ما يؤثر على مستقبله بالعلم.

الروح عمق الجسد، والجسد أداة تعبير للروح.

الإنسان في أية ممارسة فكرية أو عضلية، قد يتحرك بحماس غيره، وقد يتحرك بحماسه هو. والذين يتحركون بحماس الآخرين، هم المنافقون، الذين لا حماس مستقل له، وإنما هم كالطحالب: فإذا كانوا في أوساط الجماهير المؤمنة، انسابوا في تيارها. وإذا خلوا إلى شياطينهم من الكفار، تسيبوا معهم.

خلق الله الإنسان حفنة من تراب الأرض ونفخة من نور السماء. خلقه مزيجاً من الحيوان والملك. فلا هو من تراب الأرض فقط، ولا هو من نور السماء فقط. وهذه التركيبة الخاصة من عنصرين متنافرين، جعلته قادراً على التحرك في كل من الجانبين بتفوق: فإذا أنساب مع شوائب الأرض انحدر أكثر منها، وإذا حلق في سبحات الملائكة ارتفع أكثر منها. ونتيجة للتنافر بين هذين العنصرين، يعاني ـ في داخله ـ صراعاً دائباً، لا يفتر لا يهدأ: فإذا تحكم في هذا الصراع، وسيطر عليه، وقاد كله إلى الحق والخير، كان أعلى من الملك، لأن الملك لا يعيش نوازع الأرض. وإذا تحكم فيه الصراع، وخضع له، وأنقاد لنوازع الأرض، كان أدنى من الحيوان، لأن الحيوان لا يعيش شموخ الملاك.

ليس (البر الحقيقي) بمجرد الصلاة، وإنما الصلاة هي الصلاة التي تأتي عضواً في جسم متكامل. أما إذا بترت الصلاة من الجسم الإيماني الكامل، فإنها تفقد الكمال.

لماذا تكون الفتنة أشد من القتل؟ هنا.. يحتمل تفسيران:

1ـ إن الفتنة ـ بنتائجها ـ أضر من القتل، لأنها تنتهي بقتل آلاف، فهي أضر من قتل نفس واحدة.

2ـ إن عقاب مثير الفتنة أشد من عقاب القاتل.

مهمات إدارة الدولة:

تعيين الحاكم، وعدم إلجاءه إلى الناخب، الذي يقابل انتخابه له بفاتورة حقوق وهمية.

وجوب ممارسة العدالة وعدم التمني.

إقناع الشعب بالواقع المضغوط، الزهد، والتنازل عن دمدمة التورط.

الفرد الواحد من البشر كله، بمثابة العضو الواحد من الجسد كله. فكما أن التوجه إلى العضو الواحد بالإهانة أو بالتكريم. يساوي التوجه به إلى كل الجسد، كذلك: التوجه إلى الفرد الواحد بالقتل أو الإحياء، يساوي التوجه به إلى البشر كله.

(المسجد: رمز الله في الأرض، وأول أعمال الأنبياء هو بناء المسجد: فأول عمل قام به (آدم) هو بناء المسجد، فأول بيت رفع على الأرض كان (الكعبة)، فالكعبة أقدم بيت في الدنيا، قال الله تعالى:

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، لَلَّذِي بِـ(بَكَّةَ) مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ)(79).

وأول عمل قام به (إبراهيم) هو بناء الكعبة، حيث تهدمت بعواصف السنين وتيارات السيول المنحدرة من جبال (مكة)، فجدد بنائها: قال الله تعالى:

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ ـ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ـ وَإِسْماعِيلُ: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).)(80).

وأول عمل قام به النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو بناء المسجد، ولكنه طوره، فجعله ـ هو ـ القاعدة والمنطلق، فكانت الأعمال الرئيسية تنطلق من المسجد.

فـ(المسجد) مركز للأعمال الإلهية الحياتية العامة، (والمعمل) كمسجد لعبادة التجارة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما فصل المسجد عن الحياة، وما عزل المعمل عن رضوان، وإنما قاد المسجد إلى المعمل الإلهي وقاد المعمل الإلهي إلى المسجد.

(الجهاد) هو المفتاح لكل حق وخير: فبالجهاد تؤخذ الحقوق من الغاصبين، وبالجهاد تسلم النفوس والأموال والأعراض، وبالجهاد تشاد الأمجال وترفع الحياة...

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه)(81). أجل... إنه نصيب الخاصة من أولياء الله.

والجهاد ليس ـ فقط ـ في ضربة (السيف)، وإنما يكون بضربة (الفكر) أيضاً. وقد يكون في استطاعة أي فرد أن يضرب بالسيف، وليس في استطاعة أي فرد أن يضرب بالفكر،

فـ(الرأي قبل شجاعة الشجعان ـ *** هو أول، وهي المحل الثاني).

فكما أن اليد بدون الرأس لا تعمل، كذلك الرأس بدون اليد لا يجدي.

إن صياغة (الحكمة) أصعب بكثير من تأليف (الكتاب)، وإن (القرآن) من نوع الحكمة، بل نوع فوق نوع الحكمة.

سورة (العلق) ـ كأول سورة ـ تحتوي على لمعة الشروق، كما أن جلال المغيب يبدو في الآية الكريم:

(...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ـ لَكُمْ ـ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ ـ عَلَيْكُمْ ـ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ ـ لَكُمُ ـ الإِسْلامَ دِيناً...)(82).

لقد تاب الله، ـ لا توبة دائمية وكلية، وإنما توبة عن سخط أحاط ببعض المسلمين، عندما عارضوا (صلح الحديبية)، رغم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينوي عقده. فعارضوه بدون أن يكون لهم الحق في المعارضة:

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ـ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ـ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...)(83) فيكف بأمر (الصلح والحرب)، الذي لا يخص أي واحد منهم؟! فسخط الله عليهم عندما عارضوه، حتى قال بعضهم: (ما شككت في نبوة محمّد إلا يوم الحديبية). فلما أذعنوا وانقادوا وأعادوا البيعة للرسول، تاب الله عليم عن هذا السخط.

كلما استنشقت عبير الورد وجدت التسبيح، وكلما سمعت تغريد البلبل وجدت التسبيح، وكلما رأيت الأمواج تلعب على الضفاف وجدت التسبيح، وكلما تساقطت الفاكهة أمامي وجدت التسبيح... فكل شيء يؤدي رسالته التي أوحاها الله إليه، إنما يسبح الله بلغته التي لا نفهمها، ولكنه يعي انه يؤدي رسالته التي ائتمن عليها.

هنالك: طريق واحد للالتفاف على إرادة الحياة، هي الاتصال بالله للتغلب على الحياة، لأن الله ـ وحده ـ هو القاهر فوق الحياة. فعليك ـ أيها الإنسان! ـ بسلوك هذا الطريق:

(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً. وَقُلْ: (رَبِّ! أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً).)(84).

المطلوب من (العبادة) مقدار معين: كالتغذية للجسد، والدواء للعلاج، وكالمال لقضاء الحاجة، وكاللباس، كالسكن، والجنس، كالرياضة...

وأكثر من ذلك ليس مطلوباً، إذ ليست العبادة هدفاً ذاتياً يطلب الإكثار منه وإن أدى للملل ورد الفعل.

كما أن المطلوب ليس إلا مقداراً معيناً من (الاستغفار) يزود المستغفر بمناعة عن الحرام، وليس مطلوباً بلا حدود، لأنه ليس شعاراً فارغاً.

بالفعل: عصى (آدم) ربه، ولكن عصيان أولى لا عصيان تحريم، فمخالفة نهي الأولى عصيان كمخالفة نهي التحريم. و(الصديقون) يعاتبون ـ أو يعاقبون تعلى أي عمل لا يليق بمستواهم، حتى ولو كان ذلك مما يزلف غيرهم إلى الله: فالصلاة التي تقبل من الفرد العادي، ترفض من الأنبياء والأولياء، وربما يعاتبون ـ أو يعاقبون ـ عليها، لأنها دون مستواهم، فالثقة التي تحلي الطفل تسيء إلى الرجل، ومن هنا... قيل: (حسنات الأبرار، سيئات المقربين)(85).

فالمكروه الذي لا يعنينا يعيب من هم أفضل منا. وعلى الذي يعيش في (الجنة) أن لا يرتكب مكروهاً، وإلا يخرج منها.

إن الله ـ تعالى ـ كما يختار أصحاب المواهب والطاقات المتفوقة من (الملائكة) ، فيجعلهم رسله، ويمنحهم الصلاحيات التكوينية أو التشريعية الكبرى. وكما يختار أصحاب المؤهلات والإمكانات المتفوقة من (الناس)، فيجعلهم رسله، ويحملهم المسؤوليات الرسالية والتنفيذية العظمى، على ما نص القرآن الكريم:

(اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(86)، وعلى ما حدث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله أطلع على الأرض إطلاعة فاختارني)(87)، هكذا. يختار الله (الأمم) لرسالته، إنسجاماً مع ما آتاهم من قدرات، تختلف نتيجة لتفاعل مكونات الأمة.

فرسالات السماء تنزل على الأمم متوافقة مع الثروات الذاتية للأمم، وبمقدار ما تكون الأمة تتجاوب مع الرسالة التي تهبط عليها وفق معادلة دقيقة لا يمكن أن تخطأ.

فالرسالة تلبية قدية لنداءات الأمة، تسبقها عملية تقييم وعملية اختيار، لا اعتباط وتمحلّ. كما تنظم البرامج التربوية والتعليمية لصفوف الناشيئة والطلاب، متطابقة مع مستوياتهم. وكما توزع المسؤوليات والحقائب على الموظفي في أي جهاز حكيم مقدرة بقدراتهم. وكما تخلع الرواتب والرتب على العاملين في كل الحقول الحياتية، متفاوتة حسب كفاءاتهم...، كذلك: الله ـ تعالى ـ يقسم رسالاته على الأمم. وإن كان تشبيه عمل الله بعمل الناس، ليس إلا لمجرد التقريب إلى الأذهان.

إن الرسالات السابقة كانت رسالات مرحلية، ومرحليتها تجعلها بسيطة يمكن أن يستوعبها الظرف البشري الواحد. فأكثر الأنبياء كانوا يبعثون لتصحيح غلطة واحد ـ أو عدة أغلاط ـ أصيب بها مجتمع بشري معين، كما يظهر من العرض القرآني لرسلات الأنبياء، فكل رسالة كانت تغطي قطاعاً بشرياً معيناً، فكان من الممكن أن يتحملها واحد من البشر.

والرسالات العالمية التي بشر بها (أولوا العزم) من الأنبياء، لم يتحملها (نوح) و (إبراهيم) و(موسى) و(عيسى) (عليهم السلام)، وإنما كان لهم أعوان من الأنبياء كانوا يأتمرون بأوامرهم، فكانوا بمثابة العناصر المكملة لتلك الشخصيات الرسالية، رغم أن مرحليتها وبسطة البشرية تجعلانها أقل ثقلاً من الرسالة الخاتمة. فهي ـ بمقتضى استمرار وتطور البشرية ـ تكون أثقل وأعقد، فهي القمة التي لا قمة فوقها.

تماماً... كالقيادات العسكرية التي كان يجسدها ـ سابقاً ـ رجل واحد، بينما اليوم ـ تجسدها مجموعة مختارة من خيرة الرجال العسكريين الذين تتناسق فيهم المواهب، وينفرد كل واحد فيهم باختصاص يؤهله لإدارة ما يناسب اختصاصه من المهام العسكرية. ومع ذلك: لا تكون لتلك المجموعة من المجموعة من العسكريين الاختصاصيين، قمة واحدة تجمعها، وتتفوق عليها ـ جميعا ـ في القدرة الإدارية ـ مثلاً ـ ، كوزير الدفاع أو القائد الأعلى للقوات المسلحة ـ مثلاً ـ .

فالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثابة القائد الرسالي الأعلى، وأهل البيت (عليهم السلام) بمثابة المجموعة الرسالية القائدة.

حول مكتبه إلى: صوت يرتفع، وحق يمارس، وصلات تتفاعل... ولم يحول مكتبه إلى جهاز من أجهزته. وحول الكرسي إلى إنسان، ولم يحول الكرسي إلى أداة.

(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: (رَبُّنَا اللهُ))(88) بكل ما ينبثق يتسلسل من هذه العقيدة. فقول: ربنا الله) يعني: العقلية الواقعية المنفتحة، التي فاجأت الجاهلية بأكثر مما كان متوقعاً في المعادلات الجاهلية.

(قاتِلُوهُمْ: يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)(89).

هذه الآية تعرض اتخاذ الموقف، والأمر باتخاذ قرار الحرب:

(قاتِلُوهُمْ)، ثم إثارة العواطف التي تساعد على إلهاب الصراع، لجعله ضارياً حتى يكون حاسماًن لا مجرد اشتباك معطل للطاقات بلا جدوى.

وفي هذا المجال، استخدم القرآن النقاط التالية: ـ

الأولى: الإيحاء بالانتصار: (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ). فأنتم ـ أيها المسلمون ! ـ المنتصرون، وهم المعذبون بأيديكم، بعد طول عذابكم بأيديهم.

الثانية: ـ كشف صفحة ما بعد الانتصار وتغير المعطيات، فإذا بالجاهليين أصفاراً فخرية، لا ثقل لها ولا حساب: (وَيُخْزِهِمْ) بعد طول استعلاء وغلواء.

الثالثة: ـ جعل امتداد آخر للصراع، عبر المؤمنين الذين لا زالوا يرزحون تحت حكم الجاهلية ويعانون ألوان العذاب: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ).

* الأساطير مطامح أمة بدائية لم تجسدها ـ بعد ـ في تاريخ.

* لابد من التعب للجنة أكثر من الدنيا، ذلك: أن الناس لا يدخلون الجنة إلا باستحقاقهم الجزئي كما لا يحظون بالدنيا إلا باستحقاقهم الجزئي، ولا يدخلون النار إلا باستحقاقهم الكلي كما لا ينالون الحرمان في الدنيا إلا باستحقاقهم الكلي؛ بحيث لا يدعون مجالاً للرحمة. لأن الرحمة ـ أيضاً ـ تحتاج إلى سبب أو مبرر. وإن كانت الرحمة هي التصرف بالرصيد الشخصي من قبل الراحم؛ إلا أنه لا يتطوع بها للمرحوم إلا باستحقاق جزئي، ولا يحرم منها إلا باستحقاق كلي.

* (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)(90): اليمين بأروع أوقات النهار عندما يضحو ويعلو، وأروع هزيع في الليل عندما يسجو ويهدأ. فعندما يسجو الليل يكون وقت التفكير والتخطيط، وعندما يضحو النهار يكون وقت الانطلاق والتنفيذ.

* (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى)(91): إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ رغم عظمته ـ بالغير وليس بالذات، فكما أن وجوده بالغير كذلك هدايته.

ولكن يمكن القول: إنه حيث كان من نور الله لم يكن وجوده سابقاً على هدايته، وإنما كانت له كالنورانية للنور من دون سلب الاختيار، فسبح قبل الملائكة وبلا تعلم.

ويمكن الجواب: أن هدايته تلك كانت كامنة مستورة، فظهرت وتبلورت فيما بعد، فصح التعبير بأن الله وجده ضالاً أي مستوراً غير ظاهر.

* (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)(92)؟! فجعلناك واسع الصدر حتى تحملت: العلم الهائل، والرسالة العالمية، ومعاناة الأعداء من الجن والإنس والشياطين، والشواغل التي تشغل عن أداء الرسالة...؛ بكل رهاوة وقدرة. وكنت أكبر من كل هذه.. فسيطرت عليها، ولم تجرفك يوماً من الأيام.

* (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(93): ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الله في مجالات: الأذان، الصلاة، والأدعية، والأوراد، والخطب، والقرآن، وسائر المجالات الدينية؛ شيء لم يسبق له مثيل لأي بشر، حتى الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم). ولآن تعودنا ذلك فألفناه ولم نستوعب أهميته، فإن ثقله على معاصريه وأعدائه هائل مخيف.

* إن الإنسان ـ في الحقيقة ـ لا يملك شيئاً من الموجودات ملكاً حقيقياً، لأن الأشياء كلها ممتلكات حقيقية لله تعالى. نعم: هنالك شيء واحد يملكه الإنسان، وهو سعيه الناتج من إرادته. فسعي الإنسان ليس من نوع سائر الموجودات التي كانت قبل الإنسان ثم جاء فبسط سلطانه عليها، وإنما صدر السعي بإرادته هو، فهو ملكه الحقيقي.

إلا إذا قلنا: أن المملوك لا يملك، والإنسان الذي هو ملك لله لا يملك باستقلال، فطالما هو ملك لغيره فكلما يصدر عنه فهو ملك لذلك الغير.

ونحن نتمسك بهذه القاعدة في تعاملنا مع بقية الموجودات: فنعتبر سعي الحيوانات التي يملكها فرد ملكاً لذلك الفرد، ونعتبر إنتاج الأرض لمالكها...

(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(94). نزولا رتبياً من عالم الروح إلى عالم المادة. (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ): نزولاً من عالم المعنى الخالص الذي هو عالم الملائكة، إلى عالم الجسد الخالص الذي هو علم البشر.

تكن للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤوليتان: مسؤولية تلقي الرسالة من السماء، ومسؤولية تفريغها في الأمة، وتكون للأمة مسؤوليتان: مسؤولية تلقي الرسالة من الرسول، ومسؤولية تفريغها في البشر.

فالرسول (محمّد) (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول من عند الله ـ مباشرة ـ إلى الأمة ، والأمة وسائط من عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بأمر من الله ـ إلى الناس.

فالأمة أمة وسط ـ في الهرم الرسالي ـ كما هي وسط في كل الأمم، فعليها أن تلقى الدين من الله ـ بواسطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وتنشره على الناس.

فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسيطة، وكل فرد منها يقوم بدور وسيط، إن لم يكن بين الله والناس فبين الرسول والناس. والرسول ـ من قبل الله ـ رسول إلى الناس، والفاصل بينه وبين الله لا يقطع صلته بالله. فكل رسول إلى الناس يتلقى الرسالة من رسول، كـ(جبرئيل) مثلاً.

وكثير من أنبياء الله كانوا رسل الله بواسطة بعض (أولي العزم)، فالثلاثة الذين تحدث القرآن عنهم:

(إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)(95)، كانوا رسل عيسى (عليه السلام)، ولم يكونوا رسل الله مباشرة.

إنما المهم في شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو التحويل الرسالي من قبل الله، إذ لا يصح لأي فرد التصدي للمناصب القيادية ـ مهما ارتفعت مؤهلاته ـ إلا بقرار التخويل. وقد منح الله كل أفراد الأمة الإسلامية، هذا التخويل.

فكل فرد من الأمة الإسلامية يقوم بدور رسول، فهو ـ إن أحسن تفريغ الرسالة ـ لا يختلف في النتائج عن أي رسول من رسل الله.

وإذا كان هنالك من فارق، فهو في ذات الرسالة: فالرسل السابقون كانوا رسلاً بدائيين إلى الأدوار البدائية للبشرية، فكانت نوعية الرسالات تلائم مستويات تلك الأدوار. والرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حيث خول الرسالة إلى أرقى الأدوار البشرية ـ كانت رسالته أعلى الرسالات. وأفراد أمته الذين يقومون بدور الرسل السابقين، لهم ما للرسل السابقين، مع علو مستواهم بعلو مستوى رسالتهم.

ومن هنا... يمكن فهم قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل(96) بأن الدور الذي يباشره علماء أمة الرسول هو نفس الدور الذي كان يباشره أنبياء بني إسرائيل كما يمكن فهم قول الرسول الآخر: «علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل»(97)، بأن الرسالة التي يؤديها علماء أمة الرسول أرقى من الرسالات التي كان يؤديها أنبياء بني إسرائيل.

فالعلماء كالأنبياء في الدور، وأفضل منهم في الرسالة.

وإن كان (العلماء) ـ في هذا الحديث ـ قد فسر بالأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) لأن سائر علماء أمة الرسول لم يبلغوا المستوى النفسي الذي بلغه أنبياء بني إسرائيل، فكان أولئك (معصومين) بالله وعلماء أمة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) غير معومين، فتفوقهم الرسالي يقابل بالتفوق النفسي لأنبياء بني إسرائيل فيرجح التفوق النفسي، لأن الإنسان يقدر بـ (ما هو) قبل أن يقدر بـ (ما أعطى): فثلاث صيعان من الشعير يدفعها أهل البيت (عليهم السلام) في سبيل الله، ترجح بكل نعيم الأرض لو أنفقه في سبيل الله من لا يملك ذلك الإخلاص، فتنزل فهيم سورة، وربما لا يرتفع شيء ممن عمل هذا... عن الأرض.

الفكرة بدون الخيال. جاف باهت.

التقى النبي والإمام في هذه الحياة لا صدفة، بل كأنهما على موعد.

(1) ـ سورة الفلق: آية 1 ـ 5.

(2) ـ سورة الناس: آية 1 ـ 6.

(3) ـ لأن سورة (الفلق) وسورة (الناس) تعتبران واحدة ـ ولو من بعض الوجوه ـ ، كتب المؤلف حولهما على أساس أنهما واحدة بالفعل، كما صرح بذلك فيما يأتي.

(4) ـ سورة الإسراء: آية 12.

(5) ـ سورة البقرة: آية 186.

(6) ـ أنظر: الجواهر السنية ـ لمحمّد بن الحسن الحر العاملي ـ ص 164.

(7) ـ سورة النمل: آية 62.

(8) ـ انظر النهاية ـ ج5 ـ ص9 ـ باب النون مع الفاء.

(9) ـ سورة الأنعام: آية 95 ـ 96.

(10) ـ تفسير القرآن العظيم ـ للحافظ ابن كثير الدمشقي ـ ج4 ـ ص916 ط دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(11) ـ انظر بحار الأنوار ـ ج91 ـ ص 211 ـ باب(38).

(12) ـ سورة البقرة: آية 179.

(13) ـ سورة ص: 28.

(14) ـ سورة ص: آية 57.

(15) ـ تفسير القرآن العظيم ـ للحافظ ابن كثير الدمشقي ـ ج4 ـ ص916 ـ ط دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(16) ـ بحار الأنور ج(70) ـ باب الحسد ـ ص255 ـ حديث ((26) ـ ط ـ مؤسسة الوفاء.

(17) ـ تصنيف غررر الحكم ودرر الكلم ص 300 رقم 6819.

(18) ـ سورة البقرة، آية 148 ـ سورة المائدة: آية 48.

(19) ـ بحار الأنوار ـ ج(70) ـ باب الحسد ـ ص 250 ـ حديث(7). ط مؤسسة الوفاء.

(20) ـ سورة القيامة: آية(17).

(21) ـ كلمة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ص 403.

(22) ـ وسائل الشيعة ـ ج11 ـ (أبواب جهاد النفس) ص122 ـ حديث(1).

(23) ـ سورة الحجر: آية 42.

(24) ـ سورة التين: آية 4.

(25) ـ سورة الإسراء: آية 70.

(26) ـ سورة القصص: آية 29.

(27) ـ سورة إبراهيم: آية 33.

(28) ـ سورة البقرة: آية 31 ـ 33.

(29) ـ سروة النجم: آية 9.

(30) ـ بحار الأنوار ج54 ص 199.

(31) ـ سورة فصلت: آية 11.

(32) ـ مجمع البيان ج10 ص 869.

(33) ـ مجمع البيان ج10 ص869.

(34) ـ سورة طه: آية 120.

(35) ـ مجمع البيان ج10 ص865.

(36) ـ مجمع البيان ج10 ص865.

(37) ـ مجمع البيان ج10 ص 867.

(38) ـ الدر المنثور ج6 ص419.

(39) ـ طب الأئمة ص 113.

(40) ـ مجمع البيان ج10 ص865 والدر المنثور ج6 ص417 و 418.

(41) ـ الإسراء: آية 47 ـ 48.

(42) ـ سورة طه: آية 69.

(43) ـ سورة المائدة: آية 67.

(44) ـ سورة الكهف: آية 110.

(45) ـ سورة القلم: آية 51.

(46) ـ سورة الإسراء: آية 47.

(47) ـ سورة القلم: آية 51.

(48) ـ سورة طه: آية 69.

(49) ـ سورة المائدة: آية 67.

(50) ـ بحار الأنوار ج39 ص56.

(51) ـ زاد المعاد ـ ج 3 ـ ص 104 دار الكتاب العربي.

(52) ـ الشفاء ـ للقاضي عياض ـ ج2 ـ ص 181 ـ ط دار الكتب العلمية ـ بيروت.

(53) ـ البرهان في تفسير القرآن ـ ج4 ـ ص529 ـ ط مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

(54) ـ سورة يوسف: آية 28.

(55) ـ الدر المنثور ج6 ص 419.

(56) ـ الدر المنثور ج6 ص418.

(57) ـ الدر المنثور ج6 ص418.

(58) ـ الدر المنثور ج6 ص418.

(59) ـ مجمع البيان ج10 ص866.

(60) ـ البرهان ج4 ص528 ح4.

(61) ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج1 ص139 ح16.

(62) ـ الدر المنثور ج6 ص419.

(63) ـ انظر الخصال باب الثلاثة.

(64) ـ المحجة البيضاء ج5 ص232.

(65) ـ مجمع البيان ج10 ص866.

(66) ـ مجمع البيان: ج10 ص869.

(67) ـ سورة المجادلة: آية 22.

(68) ـ مجمع البيان ج10س ص870 نقلاً عن العياشي.

(69) ـ سورة آل عمران: آية 135.

(70) ـ البرهان ج1 ص316 ح5.

(71) ـ مجمع اليان ج10 ص866.

(72) ـ مجمع ابيان ج10 ص864.

(73) ـ الدر المنثور ـ ج6 ـ ص416.

(74) ـ تفسير القمي ج2 ص450.س

(75) ـ مجمع البيان ج10 ص864.

(76) ـ مجمع البيان ج10 ص864.

(77) ـ مجمع الزوائد منبع الفوائد ج5 ص303.

(78) ـ الصحيفة السجادية الدعاء رقم 7.

(79) ـ سورة آل عمران: آية 96.

(80) ـ سورة البقرة: آية 127.

(81) ـ نهج البلاغة، فيض الإسلام ـ 94.

(82) ـ سورة المائدة: آية 3.

(83) ـ سورة الأحزاب: آية 36.,

(84) ـ سورة الإسراء: آية 78 ـ 79 ـ 80.

(85) ـ بحار الأنوار ج25 باب 5 ح16.

(86) ـ سورة الحج: آية 75.

(87) ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج1 باب 31 ص72 ح299.

(88) ـ سورة فصلت: آية 30.

(89) ـ سورة التوبة: آية 14.

(90) ـ (سورة الضحى: 1 ـ 2)

(91) ـ (سورة الضحى: آية7)

(92) ـ (سورة الانشراح: آية 1)

(93) ـ سورة الانشراح: آية 4.

(94) ـ سورة القدر: آية 1.

(95) ـ سورة يس: آية 14.

(96) ـ عوامل العلوم ج2 ص170 باب 22.

(97) مصابيح الأنوار من شرح مشكلات الأخبار للحجة المرحوم السيد عبد الله ج1 ص434 ح83 ط بصيرتي ـ إيران