الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(112)

 ۞  سورة الإخلاص = التوحيد  ۞

 

مكية وهي أربع آيات

الله جل جلاله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(1).

هذه السورة، تلقن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الجواب الكامل، عن كل الأسئلة التي كانت تبحث في الله، للتعرف على انتماءه النسبي، وامتدادات القربى حوله. فهي نسبة الله، أو ما يعادل (شجرة النسب)، التي كانت تثبت في لوحة على كل صنم، أو تحفظ في العوائل العريقة من ذوات الأمجاد.

ولا بد ـ هنا ـ من التفاتة إلى الوراء، لمعرفة الجوّ الذي نزلت فيه هذه السورة، ونلخصه في موضوعين:

أصل الشرك

1ـ أصل (الشرك) ناتج من فكرة فلسفية قديمة تقول: (الواحد لا يصدر منه إلا الواحد). وجذور هذه الفكرة: أن الناس البدائيين وجدوا أن كل مادة تؤثر أثراً معيناً: فالنار تولد الحرارة، والماء يعطي البرودة... ورأوا أن لكل نبتة من النباتات خاصية معينة، وأن لكل نوع من الحيوان عملا معيناً، وأن لكل صنف من الجماد فاعلية معينة... وهكذا... سائر الموجودات. فقاسوا (الإله)على (المألوه)، وقالوا: الإله الواحد لا يمكن أن يصدر منه إلا عمل واحد.

وبما أنهم وجدوا الأعمال الكونية كثيرة، قالوا بتعدد الإله. غير أنهم قالوا: إن هنالك إلهاً كبيراً اسمه (الله) خلق الكون، ودونه آلهة كثيرون بعدد الأعمال الكونية، لهم بالنسبة إليه أدوار الوزراء بالنسبة إلى الملك، مع الاحتفاظ لهم بصفة الألوهية، فهم مع الله من نوعية واحدة باختلاف الدرجات ـ على حدّ زعمهم ـ . فالمشاركة في الإلوهية شرك، حتى مع الاعتراف بـ(الله) إلهاً أعلى، لأنه يعني أن الله مختص بالخلق، وليست له صلاحية التصرف فيما خلف. وليس الشرك أكثر من توزيع مقام الإلوهية، وإدعاء تعدد الإلهة.

والأديان تعترف بوجود (الْمُدَبِّراتِ أَمْراً)(2) من الملائكة، وبأن الله أعطى لكبار الملائكة بعض الصلاحيات التكوينية، ولكن هذه الفكرة تختلف عن فكرة تعدد الآلهة من جهتين:

الأولى: أن الله أعطى لكبار الملائكة بعض الصلاحيات، لا باعتبارهم آلهة، وإنما باعتبارهم عبيداً مأمورين.

(لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)(3)، (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: (إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ)، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)(4).

الثانية: أنهم ينقذون بعض المهام المناطة بهم، مع أن الله هو المسير لهم ولمهامهم، فلا يتحقق شيء إلا بإرادته، فهو ـ وحده ـ خالق الكون، والمتصرف المطلق فيه.

فتقسيم الأعمال الكونية على الآلهة، مع الاعتراف بـ(الله) إلها أعلى، أدى إلى الشرك، والأديان تعترف بـ(الْمُدَبِّراتِ أَمْراً) ولكن باعتبارهم عبيداً مأمورين بتنفيذ أعمال معينة، لا باعتبارهم آلهة.

أصل الوثنية

1ـ ثم وجدت فكرة تمثيل الآلهة، لأن المشاعر البدائية ما كانت تمتلئ بآلهة غير مرئية، فجعلوا لكل إلهٍ صنماً يرمز إليه، ويجسد مواصفاته، حتى يملأ أحاسيسهم حين عبادته أو مخاطبته في حوائجهم. فكانت الأصنام رموزاً إلى الآلهة.

وإلى جانب الأصنام وجدت الأوثان، نتيجة لتواجد الأنبياء والمصلحين في المجتمعات البدائية، فهؤلاء الشخصيات ـ حيث كانوا يجسدون انفجارات المواهب في الأرضية البشرية المتزمتة، ويرتفعون بقوة تعلو على قوة التزمت في مجتمعاتهم. وحيث كانوا يطرحون على الجماهير المضغوطة، أفكاراً شديدة التوهج واللمعان ـ كانوا يستقطبون ولاء الجماهير. فإذا مات أحدهم، حاولت الجماهير المتعلقة به ملء فراغه بصنع تمثال له: من معدن، أو خشب، أو حجر... وادعت للتمثال كل المميزات التي كان يتحلى بها فقيدها العظيم فازدحمت حول التمثال بذات الحوائج والخشوع التي كانت تلتف بها حول الفقيد، وقدمت إلى التمثال ذات الهدايا التي كانت ترفعها إلى الفقيد.

وبما أن الأنبياء والمصلحين ما كانوا يدعون الألوهية لأنفسهم، وإنما كان يدعون إلى عبادة الله، ويفسرون معجزاتهم بأن الله يجريها على أيديهم، لأنهم عبيده المقربون إليه، كانت الجماهير تعتبر تماثيلهم مقربة إلى الله، وشفعاؤها لديه سبحانه. فكانت تعامل التماثيل، معاملتها للأنبياء أنفسهم.

وأما المصلحون ـ أو المتفوقون ـ فالكثيرون منهم كأننا يدعون (النبوّة)، ويرتكبون أعمالاً سحرية ـ أو شعوذية ـ للتعويض عن (المعجزات)، من أجل التعزيز بالجماهير والتمكن منها. والآخرون الذين لم يكونوا ينتحلون صفة (النبوة) كانت الجماهير تنحلهم إياها، لعدم تميز المفاهيم في الوعي العام. فكانوا ـ جميعاً ـ يعتبرون أنبياء مقربين عند الله، وتعتبر تماثيلهم امتدادات كاملة لهم.

فما كانت (القبيلة) تعتبر تمثال عظيمها (خالق السماوات والأرض)، بل كانت تقتصر على اعتباره واسطتها إلى خالق السماوات والأرض، رغم إطلاقها لقب (الإله) عليه.

وقد حدد القرآن هذه الفكرة ـ نقلاً عن المشركين ـ بقوله:

(ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى)(5).

وإذا كانت فكرة (الوثنية) بدأت من التماثيل الأنبياء، ثم شملت العظماء، فقد اتسعت لإلهة المظاهر الكونية الضخمة، فصنع الناس تمثالاً لأله الشمس، وتمثالاً لإله البحر... ثم وجدوا أنهم يخافون من أشياء، فعملوا لإلهتها تماثيل، حتى يقدموا إليها القرابين، فيستدروا عطفها كلما غضبت عليهم، فكان: إله العواصف، وإله الحرب... ثم تبين لهم أن هنالك أشياء يحبونها وربما لا تتجاوب معهم، فجعلوا لها أوثاناً يغازلونها بواسطة تلك الأوثان التي ترمز إليها، فظهر إلى الوجود: إله المطر، وإله الخمر... وتمادت الفكرة حتى كان لكل ما يرغب فيه أو يرهب منه (إله)، وانتشرت الفكرة حتى امتلأت البيوت والأكواخ وحتى السفن بأوثان مختلفة الأشكال والأحجام. وكان حجم الصنم مقياساً لأهمية ما يرمز إليه، ومقياساً لأهمية من يقتنيه: فللقبيلة الكبرى صنم اكبر، وللقبيلة الصغرى صنم أصغر لا يحق لها تبديله بأكبر منه، ولرئيس القبيلة صنم شخصي كبير، ولأفراد القبيلة أصنام بأقدارهم... وكان سوق للأصنام وأسعار توازن المواد والجهود المستهلكة في صنعها، ثم كان تعظيم الصنم وتعطيره إذا استجاب لصاحبه، وتبديله وصفعه وتحطيمه إذا لم يتجاوب معه.

ومع نشوء وانتشار فكرة (الوثنية) ـ في مجال العقيدة ـ ،نشأت وانتشرت فكرة مرضية أخرى ـ في مجال المجتمع ـ وهي فكرة (الوراثة).

فالناس البدائيون كانوا يرون أن للوراثة فاعلية ظاهرة في نقل الخواص والمميزات، تتسلسل وتوازي في امتدادها تسلسل النسب.

واستقوا هذه الفكرة من ملاحظات كثيرة تفيد: أن النبتة الفتية الغليظة تنتج الحبة المكتنزة المشبعة، وأن نواة الشجرة الباسقة، تنفلق عن شجرة باسقة، وأن الطائر الرائع الغرّيد ينجب رائعاً غرّيداً، وأن نتاج الحصان القوي الجميل مثله قوي جميل... فجعلوا: للنبات فصائل، وفي ضمن كل فصيلة عروقاً، على أساسها يتم تقسيم النبات وتقييمه. وللطيور والدواجن أصنافاً، وفي إطار كل صنف سلالات، والسلالة تطبع كل أفرادها بمواصفات معينة، وتكتب لها جميعاً تاريخاً واحداً لا يتخطاه أي واحد منها. وأما الفرس والكلب والغزال، فلها أنساب وأفخاذ تروى وتحفظ، ولكل فخذ أمجاد ومواقف تعزز مكانته وترفع سعره.

وهذا التقسيم القبلي طبع العقلية القديمة بطابع قبلي، فلكل شيء نسب وعرق يحددان هويته ومواصفاته وجرت هذه العقلية، في تقسيم وتقييم الناس قبلياً. فكانت فلسفة عصر ملوث بالجريمة، والحقد والدم، هو (العصر القبلي) الذي تمادى آلاف السنين.

وهذه العقلية عودت الناس على فهم بعضهم حسب إيحاءات العرق وفصائل الدم وأمجاد السلالة، فالفرد شريف وشجاع وكريم ومطاع، لمجرد أنه انحدر من صلب معين. والآخر مهين وجبان وبخيل وضيع، لمجرد أنه انحدر من صلب آخر... ومراكز الأفراد والجماعات ثابتة بين الأفراد والجماعات، من قبل الميلاد وإلى ما بعد الموت. وليفكروا وليعملوا كيفما يحلو لهم، فالأفكار والأعمال ـ السلبية منها والإيجابية ـ كلها ملغاة في مجال تقييم الأشخاص وتحديد أوضاعهم النفسية والاجتماعية. فلا يجد الفرد ـ ولا الجماعة ـ آية حيلة لتغيير المواقع التي وجدوا فيها، وإنما هي أقدار تلازمهم من المهد إلى اللحد دون أن يستطيعوا عنها حولاً. وحتى المجرم والمصلح صفتان تنتشران في الأفراد ـ بالرغم منهم ـ مع انتشارهم العرقي. فإذا التقى فرد بآخر، لم يسأله إلا عن نسبه لتحديد موقفه منه، فإذا أجاب عرف أن عليه أن يضع فيه ولاءه أو عداءه.

وارتفعت العقلية القبلية الطبقية ـ ذاتها ـ إلى تقييم الآلهة: فلكل (إله)نسب يرتفع سلالة تنحدر، وله أب وأم وزوجة وأولاد والانتماءات العرقية للآلهة تختلف ـ تماماً... كما تختلف سلالات الإنسان وفصائل الحيوان وفجار النبات ـ : فهناك عرق لإلهة راقِ، وعرق يأتي في الدرجة الثانية، وعرق واطئ... وعلى أساس العرق تقدر عظمة كل إله، حتى كانوا يثبتون على كل صنم لوحة يكتبون فيها نسبه.

فلما بدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدق المسامع باسم (الإله الواحد)، تلقته تلك العقلية بالسؤال: (ما هو نسب إلهك؟) فنزلت سورة (الإخلاص) معلنة عدم توفر أي انتساب متصور لله، وناعته إياه بالأحدية في ذاته وصفاته وأفعاله. فتقف السورة في المقابل من لوحة النسب التي كانت تثبت على الصنم، فاعتبرت بمثابة نسب الله ونعته.

فـ(قُلْ) ـ يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)! ـ للمتساءلين عن نسب إلهك: (هُوَ): ذلك الذي تتساؤلون عن نسبته، (اللهُ). وليس أي واحد من الآلهة التي تعبدونها، وليس من قبيل أي شيء من المسبقات الذهنية التي قسمتها عقليتكم المادية في خطوط قبلية طبقية، تكون أية نقطة تركزون عليها، وليدة ما قبلها ووالدة ما بعدها، في تسلسل سلالي، كما لو كانت حلقة في سلسلة متوالدة، فالله ـ تعالى ـ غير كل ما تصورتموه، وغير كل ما يمكن أن يتصوره إنسان.

و(الله) إسم لذاته تعالى، وليس من أسماء الصفات: كالقديم، والدائم، والسرمدي... ومن أسماء الأفعال: كالخالق، والرزاق، والمهيمن، والجبار... فللذات المستجمعة لصفات الكمال، والمنزهة عن صفات الجلال، اسم واحد في كل لغة، وذلك الاسم في اللغة العربية هو (الله).

(أَحَدٌ).

و(الأحد): هو الواحد المطلق من التقاسيم العددية، سواء استعمل في مجال الإيجاب أو في مجال السلب:

فإذا استعمل في مجال الإيجاب، أفاد الوحدة التي ترفض التعدد خارجا وذهناً وعدداً.

وإذا استعمل في مجال السلب، أفاد النفي المطلق، فإذا قلت: (ما جاءني من أحد) أفاد انه لم يأتك مطلق إنسان، لا واحد ولا أكثر. وبما أن (الأحد) يفيد الوحدة المطلقة، لا يستعمل إيجاباً إلا بالنسبة إلى الله تعالى، ولا يستعمل سلباً إلا لنفي الكلي المتحرر من الروابط العددية. بخلاف (الواحد)، فإنه يفيد الوحدة المحصورة في الخانة العددية، سواء استعمل في مجال الإيجاب أو في مجال السلب: فإذا قلت: (جاءني رجل واحد) يجوز أن ينضم إليه ثان وثالث ورابع، وإذا قلت: (ما جاءني رجل واحد) يجوزان يكون قد جاءك أكثر من واحد. فـ(الواحد) داخل في العدد، وكل واحد له ثان وثالث إما خارجاً، وإما ذهناً بافتراض العقل، فيصير بانضمامه إلى بقية الوحدات العددية كثيراً. بخلاف (الأحد)، فإنه ليس داخلاً في العدد، وكل ما افترض له ثانياً كان هو ذاته لم يزد عليه غيره، فهو ذاته محيط، لأنه المبدأ والمنتهى، ولهذا قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (كل مسمّى بالوحدة، غيره قليل)(6).

ويظهر الفارق بين (الواحد) و(الأحد) في استخداماتنا الدارجة للكلمات: فتستخدم كلمة (واحد) في مقام الإيجاب فتقول: (رأيت واحداً من القوم)، و(أكرمت واحداً من أقربائي). بينما تستخدم كلمة (أحد) بعد النفي، فتقول: (لم أرَ أحداً)، وما أكرمت أحداً)، وإذ لو قلتَ: (ما رأيت واحداً) يترك المجال بأنك قد رأيت أثنين أو أكثر، ولو قلت: (ما أكرمت واحداً) فلعلك أكرمت أكثر من واحد. ولهذا يقال: (ما خاطبت واحداً منهم، بل خاطبتهم جميعاً)، ولا يصح أن يقال: (ما رأيت أحداً منهم، بل رأيت اثنين منهم).

إذن: فـ(الواحد) فرد من مجموع واقعي أو ذهني، ولذلك تقول: (استمع إلى واحد منهم تعرف لغتهم)، حيث يوجد مجموع واقعي يتكلم بلغة تحاول تعريفها لمستمعك عن طريق واحد تلهج البقية بمنطقه. أو تقول: (أرسم صورة واحد تعرف صعوبتها)، حيث يفترض وجود مجموعة صور ـ دهناً ـ تحاول بيان صعوبة رسمها، بتجربة واحدة تكون البقية على نمطها بينما (الأحد)يعبر عن واحد متحرر من الخصوصات الرقمية.

بالإضافة إلى: أن (الأحد) يعطي معنى الوحدة النهائية، فحيث تقول: (ما رأيت أحداً)، تفترض آخر فرد كان يمكن أن تراه فلم تراه.

والقرآن اختص (أحد) بمقام النفي، فقال:

(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ)(7).

ولم يستعمله في مقام الإثبات إلا في هذه السورة، مؤكداً أن مضمون (واحد) لا يكفي للتوجيه إلى الوحدة الإلهية، وان أفضل كلمة يمكن استخدامها للإشارة إلى الوحدة الإلهية هي كلمة (أحد) لا غير.

وعندما يقال: (آحاد) لا يقصد جمع (الأحد المتكرر)، وإنما يقصد منه مجموع الأرقام التسعة الأولية مع ملاحظة كل رقم منها مستقلا ًعن مرادفاته، كما يقال: عشرات، ومئات، وآلاف. فرقم(1) أحد، لأنه مستقل عما بعده، وليس قابلاً للانضمام إلى غيره، فلو انضم إلى غيره فقد ذاته، فالمفروض في رقم(1) أن يكون رقم(1) لا غيره. ورقم(2) أحد، لأنه مستقل وغير قابل للاندماج في غيره، لأنه بالاندماج في غيره لا يكون رقم(2). وهكذا... رقم(3) و(4) إلى رقم(9)، فكل واحد منها (أحد)، ومجموعها (آحاد). ولكن كل واحد منها (أحد) مجازاً، لأن (الأحد الحقيقي) لا يتكرر مصداقه، وما يتكرر انطباقه لا يكون (أحداً).

وبما أن كلمة (الأحد) تفيد الحصر إثباتاً والشمول سلباً، استخدمت مرتين في هذه السورة: فاستخدمت إيجابياً في أولها، لحصر الوحدانية في ذاته تعالى، واستخدمت سلباً في آخرها، لتعميم النفي على أي كفوءٍ يمكن أن يتصور له سبحانه.

وإذا كان الله ـ تعالى (أحداً) في وحدته، فليست له المواصفات البشرية التي عددها (الوثنيون) لآلهتهم، ومن جملتها (التسلسل الوجودي). فليس الله حلقة في (سلسلة سلالة)، ولا عقدة في (شجرة نسب)، لا باعتباره رأس السلسلة كوالد، ولا باعتباره منتهى السلسلة كولد، ولا باعتباره حلقة مشدودة الطرفين كولد والد.

الأحدية المطلقة

وأحدية الله كاملة مطلقة، تعني وحدانيته من جميع الجهات. ولعل من الممكن حصر جهات الوحدة في ليس ثلاث، هي:

الأولى: وحدة الذات، ووحدة الذات تعني أمرين:

1ـ الوحدة مقابل التعدد. فهو: أحد. لا اثنين، ولا ثلاثة، ولا أكثر...

2ـ الوحدة مقابل التركب. فهو: أحد. لا مركباً من أجزاء، ولا مركباً من أعضاء.

الثانية، وحدة الصفات، بعينية الذات، فأسماء صفاته، أسماء ذاته. وفي الحقيقة: صفاته مواصفات، مثل: نارية النار، ومائية الماء... وليست صفات كصفات: العلم، والحكمة، والشجاعة...، التي هي ـ في الواقع ـ طوارئ: قد تخلع على الإنسان نتيجة لأسباب، وقد تخلع عنه نتيجة لأسباب.

الثالثة: وحدة الأفعال. فكل الأفعال الكونية صادرة عنه تعالى، وليست صادرة عن مجموعة آلهة مختصين، يمارس كل نشاطه بعزل عن الله.

(اللهُ الصَّمَدُ).

للصمد ـ لغة ـ معينان: المصمت الذي لا جوف له، والمقصود. ومن المعنى الأول: الصامد: المكتنز من الأشياء. والصمد: الرجل لا يجوع ولا يعطش في الحرب. وصمّد الدراهم: ضمها إلى بعضها. والصَمدة والصُمدة: الصخرة الراسية المرتفعة. وصمد القارورة: جهل لها سداداً، والصماد: سداد القارورة.

ومن المعنى الثاني: صمد فلاناً وله وإليه: قصده. تصمد له بالعصا: قصد الصمد: السيد المقصود الذي لا يقضى دونه أمر.

وأما تلك الصور الذهنية التي يختار كل واحد من الناس إحداهما ويظنها (إله السماوات والأرض)، فهي أصنام ذهنية يختلقها الناس بالأدوات الفكرية. وهي لا تختلف عن الأصنام المعدنية ـ وغير المعدنية ـ التي كان الناس يختلقونها بأدواتهم المادية، ففضحتهم (الأديان) واعتبرتهم (وثنيين). وهل يمكن أن يكون الله ـ سبحانه ـ وليد نبضة خيال؟!

وإذا كان (القاصرون) من الناس يحبون أن يتصوروا الله بأفخم ما يمكنهم التصور، فذلك لا يعبر إلا عن أنهم لم يستطيعوا التحرر من أواصر المادة. فهم يتصورون الله أشبه بإنسان ضخم عظيم، كما أن (النملة) تتصور الله ـ سبحانه ـ نملة عظيمة لها زبانيتان ـ(8). حسب ما في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ .

ولذلك، قال إمام الموحدين علي بن أبي طال (عليه السلام): (التوحيد: أن لا تتوهمه، والعدل: أن لا تتهمه)(9).

وأما تفسير (الصمد) بالمعنى الثاني ـ وهو المقصود ـ : فعليه أكثر المفسرين. لأن أصل معنى (الصمد) هو مطلق القصد، أو القصد مع الاعتماد. والله ـ تعالى ـ هو المقصود على الإطلاق في كل الحوائج: فهو موجد كل موجود، وله عالم الخلق وعالم الأمر، واليه المنتهى. فهو المقصود بالذات، وكل من يقصد غيره فهو المقصود بالعرض، يطلب منه بعض ما أفاء الله عليه، فتطمح الآمال ـ عبره ـ إلى الله.

وأظن: أن معنى (الصمد) هو المصمت الذي لا جوف له، وأما المعنى الثاني فيتبرعم عن المعنى الأول: فمن كان مصمتاً لا فراغ فيه، يكون غنياً عن غيره. وكل ما هو متجوف، يشكو فراغا يحتاج إلى من يملأ فراغه، فلا يستطيع أن يملأ فراغ غيره، فلا يكون مقصوداً.

وتنحصر المقصودية بالذات في المصمت الذي لا يشكو فراغاً، ويقدر على أن يملأ فراغات سواه. فهو السيد المطلق، منه ابتدأت الشرافات والعظمات. إنه المصدر وليس المصب، حتى تحاولوا ـ أيها الوثنيون!ـ تقدير شرافته وعظمته بنسبه. إنه الذي يوزع السيادة، من دون أن يكتسبهما من غيره.

وقد وردت كلمة (الصمد) معرفة بـ(ال) لإفادة الحصر، فالله ـ تعالى ـ وحده (صمد). وهذا بخلاف (أحد) في الآية، فهو ـ بما يفيده من معنى الوحدة الخاصة ـ لا يطلق على غير الله تعالى، فلا مبرر لاستخدام أداة تعريف.

وقد تكررت لفظة الجلالة في الآيتين: (اللهُ أَحَدٌ) و(اللهُ الصَّمَدُ)، لحصر الصفات الثبوتية في الذات الإلهية المعبر عنها بــ(الله)، لمكافحة الأفكار الوثنية التي كانت تعدد الآلهة وتوزع الصفات الإلهية بينها. وفي العديد من الآيات القرآنية، محاولات لتوجيه الأفكار إلى انحصار الصفات الإلهية في الله تعالى: فهو (أحد)، وهو ذاته (الصمد).

وتشبه هذه المحاولة، المحاولة الواردة في قوله تعالى:

(قُلِ: (ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ. أَيًّا ما تَدْعُوا، فَلَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنى).)(10).

وقيل: أن تكرار كلمة الجلالة للإشارة إلى كون كل من الجملتين كافية في تعريفه تعالى، فالمعرفة به حاصلة سواء قيل كذا... أو قيل كذا...

إنه الصمد، فلا نقص فيه ولا عجز، حتى يشكو شيئاً أو يحتاج إلى سواه.

إنه الصمد، المفعم المليء، لا فراغ فيه يملأه الزمان أو المكان، أو يملأ بالأبوة والبنوة، أو بالمصاهرة، أو بأي ارتباط وجودي بما عداه، من الأمور والاعتبارات التي تملأ فراغات الممكن وتسدّ نقائصه.

وما دام الله (صمداً) غير مركب من أجزاء، فهو إذن (لَمْ يَلِدْ): لأنه ليس مركباً من أجزاء حتى يمكن انفصال بعضها عنه فيكون ولده.

(وَ) ما دام غير ركب من أجزاء، فهو ـ إذن ـ متفرد (لَمْ يَكُنْ) ولا يمكن أن يكون في المستقبل ـ ففي مجال الواجب، إذ أمكن شيءٌ تحقق. فإذا لم يتحقق شيءٌ في مجال الجواب في الماضي، فهو مستحيل لا يتحقق في الحاضر والمستقبل. فعدم الوجود السابق، يكفي دليلاً على الاستحالة السرمدية ـ فلم يكن (لَهُ كُفُواً) وندّاً، (أَحَدٌ): لأن وجود الندّ يناقض الأحدية.

وما دام الله (صمداً = مقصوداً): لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيءٍ. فهو ـ إذن ـ منفرد ـ لا ندّ له فوجود الندّ له ينافي مقصوديته المطلقة، لأن ندّه مثله: مطمح يطمح إليه، ولا يطمح في غيره.

وما دام الله (صمداً = لا فراغ فيه): فهو ـ إذن ـ متفرد، لا زوج له. لأن وجود زوج له، يكشف عن فراغ فيه تملأه عاطفة الزوجية، وإذا لم يكن فيه فراغ، ولا يمكن أن يكون له زوج.

فصفة (الأحدية)، تنقي وجود كفو له، إذا كان الندّ مراداً من الكفو. وصفة (الصمدية) تنفي وجود كفو له، سواء أكان المراد من الكفو الندّ أو الزوج.

فسورة (الإخلاص) تعطي الله ـ تعالى ـ مواصفات خمس: اثنتان منها ثبوتيتا، هما: أنه (أحد)، وأنه (صمد). تتبرعم عنهما ثلاث مواصفات سلبية، هي: أنه (لَمْ يَلِدْ( وأنه (لَمْ يُولَدْ)، (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).

وهذه المواصفات الخمس، تكشف أن الله ـ سبحانه ـ لا يدخل في إطار الانطباعات المترسبة من الوثنيات القديمة، وأنه ـ جلا وعلا ـ يختلف عن مخلوقاته كافة، فلا يمكن أن ينعكس في الأذهان مطلقاً.

وفي الوقت الذي تعمل فيه سورة (الإخلاص) لتطهير الأذهان المتجهة إلى الله من مواصفات آلهة الوثنيين، وتعلن أن الله أجل وأعلى من الانتماءات السلالية، في هذا الوقت بالذات تعطي السورة مفهوماً تربوياً ـ نفسياً ـ اجتماعياً، وهو:

أن المعطيات القبلية والطبقية ليست واردة بالنسبة إلى الله، فكل فردٍ... وكل شيء... خلق من خلق الله، فلا أحد... ولا شيء... أقرب إلى الله بالانتماءات النسبية أو السببية، وإنما الجميع ـ أمام الله ـ سواسية كأسنان المشط من حيث تكوينهم، فهم جميعاً ـ أمام الله ـ سواسية أمام الله من حيث حقوقهم وواجباتهم. إنهم جميعاً ـ من حيث المبدأ ـ واقفون صفاً واحداً في حلبة التسابق إلى الله تعالى، ومجالات التسابق هي الأفكار والأعمال: فأقربهم إلى الله أكثرهم التزاماً بأوامر الله فكراً وعملاً، وإن كان متفجراً من أصل الله فكراً أو عملاً، وإن كان متبرعماً عن أل قريب إلى الله هو يدخل (الجنة) من أطاعه ولو كان (عبداً حبشياً)، ويدخل (النار) من عصاه ولو كان (سيداً قرشياً).

وإذا سقطت المفاهيم القبلية والطبقية، وثبتت وحدة الدم الذي يجري في عروق (النبلاء) و(عامة الناس)، فلا مبرر لخضوع فرد لفرد لمجرد أن الثاني انحدر من صلب معين، فلربما كان الأول أفضل منه وأكفأ عند الله وبمقياس الواقع. وقد كشف التاريخ ان 90% من الأنبياء والعظماء، هم من عامة الناس.

وهذا... لا يعني إلغاء دور (الوراثة) في نقل الصفات الفاضلة، فالوراثة لها فاعليتها الملموسة، ولكنها ليست دائمة من جهة، ومن جهة أخرى: فاعلية الوراثة لا تعني انحسار المواهب عن غير المحظوظين بالأنساب الشامخة.

روايات

وفي خاتمة المطاف، نسجل بعض الروايات المناسبة:

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن ابن عباس: (إن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة ـ أخا لبيد ـ أتيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال عامر: (إلى ما تدعونا؟ يا محمّد)! فقال: (إلى الله)، فقال: (صفه لنا: أمن ذهب هو، أم من فضّة، أم حديد، أم من خشب)؟ فنزلت السورة. وأرسل الله الصاعقة على أربد فأحرقته، وطعن عامر في خنصره فمات)(11).

ولعل هلاك أربد وعامر حرقاً وقتلاً، كان عقاباً لاستهانتهما بالله العظيم، وإستائتهما إليه تعالى: في تعبير عامر ـ : (أمن ذهب هو، أمن فضة...؟).

وفيه عن أبيّ بن كعب وجابر: (أن المشركين قالوا لرسول الله: (إنسب لنا ربك)، فنزلت السورة)(12).

(الكافي) لمحمّد بن يعقوب الكليني مسنداً عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن اليهود سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: (إنسب لنا ربك) فلبث ثلاثاً لا يجيبهم، ثم نزلت: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) إلى آخرها.)(13).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن الضحاك وقتادة ومقاتل: (جاء أناس من أحبار اليهود إلى النبي، فقالوا: (يا محمّد! صف لنا ربك، لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنزل نعته في التوراة). فنزلت السورة، وهي نسبة الله خاصة.)(14).

وعن القاضي في تفسيره: (إن عبد الله بن سلام انطلق إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))ـ وهو بمكة ـ فقال له رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) : (أنشدك بالله، هل تجدني في التوراة رسول الله)؟ فقال: (إنعت لنا ربك). فنزلت هذه السورة، فقرأها النبي، فكانت سبب إسلامه، إلا أنه كان يكتم ذلك، إلى أن هاجر النبي إلى المدينة، ثم أظهر الإسلام)(15).

(الاحتجاج) لأحمد بن علي الطبرسي، عن العسكري (عليه السلام) ( أن السائل، عبد الله بن صوريا اليهودي)(16).

وهذه الروايات تكشف أن هذه السورة نزلت بعد طرح فكرة نسب الله تعالى، وتردد السؤال عنه. وهذا... لا يزيد على أن السورة نزلت في مناسبة، كجميع سور القرآن وآياته. وسواء أكان السائل بعض هؤلاء أو كلهم أو غيرهم، فليس المهم إلا أن السورة تردّ على قياس الله ـ سبحانه ـ بالآلهة المترسبة عن الآلهة البشرية.

(معاني الأخبار) لمحمّد بن علي الصدوق، مسنداً عن الأصبغ بن نباته ـ في حديث ـ عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (نسبة الله عزَّ وجلَّ، (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(17).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، في الحديث: (لكل شيءٍ نسبة ونسبة الرب (سورة الإخلاص)(18).

(علل الشرائع) لمحمّد بن علي الصدوق، مسنداً عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ في حديث المعراج ـ : (إن الله قال للنبي: (إقرأ: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) كما أنزلت، فإنها نسبتي ونعتي)(19).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في معنى: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ـ : (أي أظهر ما أوحينا إليك وما نبأناك به، بتأليف الحروف التي قرأناها عليك، ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد. و(هو) أسمى مكنّى به مشار إلى غائب: فـ(الهاء) تنبيه على معنى ثابت. و(الواو) إشارة إلى الغائب عن الحواس، كما أن قولك (هذا) إشارة إلى الشاهد عند الحواس. وذلك أن الكفار نبهوا عن أدلتهم بحرف إشارة إلى الشاهد المدرك، فقالوا: (هذه... آلهتنا المحسوسة بالأبصار، فأشر أنت ـ يا محمّد ـ إلى إلهك الذي تدعو إليه، حتى نراه وندركه، و(لا نأله فيه)، فأنزل سبحانه: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ). فـ(الهاء) تثبيت للثابت، و(الواو) إشارة، إلى الغائب عن درك الأبصار ولمس الحواس، وأنه يتعالى عن ذلك هو مدرك الأبصار ومبدع الحواس، وحدثني أبي عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (رأيت الخضر في المنام ـ قبل بدر بليلة فقلت له: (علمني شيئاً انتصر به على الأعداء)، فقال: (قل: (يا هو! يا من لا هو إلا هو!)، فلما أصبحت قصصت على رسول الله فقال: (يا علي! علّمتَ الإسم الأعظم)، فكان على لساني يوم بدر). قال: وقرأ يوم بدر: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، فلما فرغ قال: (يا هو! يا من لا هو إلا هو! إغفر لي، وانصرني على القوم الكافرين). وكان يقول ذلك يوم صفين وهو يطارد...)(20).

وفي هذا الحديث، قال: (قال أمير المؤمنين: (الله، معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه. الله: المستور عن إدراك الأبصار، والمحجوب عن الأوهام والخطرات).)(21).

وقال الباقر: (الله، معناه، المعبود الذي أله الخلق عن إدراك ماهيّته والإحاطة بكيفيته)(22).

وقال: (الأحد: الفرد المتفرد...)(23).

وفي اللغة ـ الِهَ ـ إَلَهاً: تحيّر. يقال: أَلِهتُ عليه) أي: أشتد جزعي عليه. والأَحد: الوحيد يقال: (أَحَد الأحدين) أي: لا مثيل له(24).

(نهج البلاغة) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (الأحد، لا تأويل عدد)(25).

(التوحيد) لمحمّد ابن علي الصدوق، عن الإمام الرضا (عليه السلام): (أحد، لا بتأويل عدد)(26).

وذلك: أن (الأحد) هو المتفرد، فهو مبدء العدد وليس من العدد.وقد تجاوز بعض اللغويين كلمة (الأحد)، فقالوا: إن بناء العدد من الواحد، وليس الواحد من العدد. لأن العدد لا يقع على الواحد، بل يقع على الاثنين).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن الباقر (عليه السلام) عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام) أنه قال: (الصمد: الذي قد انتهى سؤدده، والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال، والصمد: الذي لا جوف له، والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد: الذي لا ينام)(27).

ويبدو مما سبق أن المعنى الحقيقي للصمد هو: (من لا جوف له)، وأما بقية المعاني فهي لوازمه المتفرعة عنه. فإذا لم يكن لله جوف وفواصل، فمن الطبيعي، أن يكون غير متناهي السؤدد، وأن يكون سرمدياً، ومن الطبيعي: أن لا يأكل، وأن لا يشرب، وأن لا ينام.

(أصول الكافي) لمحمّد بين يعقوب الكليني، مسنداً عن داوود بن القاسم الجعفري، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): (ما الصمد)؟ قال: (السيد المصمود إليه في القليل والكثير)(28).

فالمعنى الأول الذي أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام)، هو: (المصمت). والمعنى الثاني الذي أشار إليه الإمام الجواد، هو: (المقصود). وهما المعنيان الظاهران للصمد، وعن أحدهما تتفرع المعاني الأخرى المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، وغيرهم.

(التوحيد) لمحمّد بن علي الصدوق: عن وهب بن وهب القرشي، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (إن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي يسألونه عن الصمد، فكتب إليهم: (بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلموا فيه بغير علمٍ، فقد سمعت جدي رسول الله يقول: (من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّء مقعده من النار). وإن الله ـ سبحانه ـ فسّر الصمد فقال: (اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ)، ثم فسّره فقال: (لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)(29).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسين الطبرسي: (سئل علي بن الحسين زين العابدين عن الصمد، فقال: (الصمد: الذي لا شريك له، ولا يؤده حفظ شيء، ولا يعز عنه شيء).)(30).

وقال الباقر: (الصمد: السيد المطاع، الذي ليس فوقه آمر ولا ناهٍ)(31).

وكان محمّد بن الحنفية يقول: (الصمد: القائم بنفسه، الغني عن غيره)(32).

وقال زيد بن علي بن الحسين (الصمد: الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له: (كن) فيكون، والصمد: الذي أبدع الأشياء فخلقها أضداداً وأصنافاً وأشكالاً وأزواجاً، وتفرّد بالوحدة بلا ضدّ ولا شكل ولا مثل ولا ندّ)(33)).

وقال غيرهم: (الصمد: المتعالي عن الكون والفساد، والصمد: الذي لا يوصف بالنظائر)(34).

وعن عبد خير قال: (سأل رجل علياً عن تفسير سورة (التوحيد)، فقال (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) بلا تأويل عدد، (الصَّمَدُ) بلا تبعيض بدد، (لَمْ يَلِدْ) فيكون موروثاً هالكاً، (وَلَمْ يُولَدْ) فيكون إلهاً مشاركاً، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) من خلقه (كُفُواً أَحَدٌ).)(35).

وروى عمران بن الحصين: (أن النبي بعث سرية واستعمل عليها علياً، فلمّا رجعوا سألهم عن علي، فقالوا: (كل خير، غير انه كان يقرأ في أثناء كل صلاة بـ(قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ). فقال: (لم فعلت ـ يا علي! ـ هذا)؟ فقال: (لحبِّي (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ).). فقال النبي: (ما أحببتها حتّى أحبّك الله عزَّ وجلَّ).)(36).

ويروى: (أن النبي كان يقف عند آخر كل آية من هذه السورة)(37).

وقال الفضل بن يسار: (أمرني أبو جعفر الثاني ـ الإمام الجواد ـ أن أقرأ (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، وأقول ـ إذا فرغت منها ـ : كذلك الله ربي)، ثلاثا)(38).

(الدّر المنثور) لجلال الدين السيوطي، أخرج أبو عبيد في فضائله عن أبن عباس، عن النبي قال: (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ثلث القرآن(39).

(مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن أي الدرداء، عن النبي قال: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة)؟! قلت: (يا رسول الله! ومن يطيق ذلك)؟! قال: إقرأوا (قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ).)(40).

وبهذا المعنى روايات عديدة، وقد تضاربت التوجيهات لتقريبه إلى الأذهان تبعاً لتضارب المنطلقات، وكلها استحسانية، ولعل أقربها إلى الذهن:

أن كل المفاهيم القرآنية تدور على ثلاثة أصول، هي: التوحيد، والنبوة، والمعاد.

وهذه السورة تلخص كل ما يدور على الأصل الأول من المفاهيم القرآنية، فهي ـ إذن ـ تحتوي مجمل ثلث القرآن.

وهذه السورة تسمى بسورة (التوحيد)، لأنها تعمل لتوحيد العقيدة. وتسمى بسورة (الإخلاص)، لأنها تخلص العقيدة من مفسداتها. وتسمى بسورة (الصمد)، لأن الأفكار الواردة فيها تتبرعم عن مفهوم (الصمد)، فهو قلب السورة. وتسمّى (نسبة الربّ).

وينسب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه دعى بدعاءٍ ـ عند دفن النبي ـ جاء فيه: (اللهم! إن هذا... أول العدد) فأثار سؤالاً بقي يتردد في ألسنة المحدثين: (أو ليس الله أول العدد؟!)(41).

وفي بعض الحديث ـ عن التوحيد للصدوق ـ : (واحد لا بعدد)(42). وهذا الحديث موضع تساؤل آخر يقول: (ماذا يعني الواحد غير العدد؟).

فقال الشيخ البهائي ـ مجيباً على السؤالين ـ : (العدد هو نصف طرفيه، فالواحد ليس بعدد).

وهذا يعني: أن(2) من العدد، لأن طرفين: (1 + 3 = 4)، و(2) نصف(4) وأن(3) من العدد، لأن طرفيه: (2 + 4 = 6)، و(3) نصف الستة. وأما(1) فليس من العدد، لأن بعده(2) وهو من العدد، وأما قبله فـ(2/1)، والكسور نسب وليست أعداد، فلا نستطيع أن نقول:(1) نصف طرفيه، لأن طرفيه (2/1 + 2/1 و1 = 2)، و(1) نصف(2).

وإذن فماذا يكون(1)؟ إنه مادة العدد، وجوهر العدد، وبدونه لا يكون عدد، ولكنه ـ بوضعه(1) ـ ليس من العدد.

وعلى هذا... فـ (الله) واحد و(الواحد) ليس من العدد. ثم خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثاني موجود ـ مع قطع النظر عن كون أحدهما واجباً والآخر ممكناً ـ ، و(2) من العدد، وأول العدد. فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أول العدد.

ولعلّ هذا... ما عناه الشيخ البهائي بقوله: (العدد نصف طرفيه).

والواقع: أن علماء (الحساب) تكلفوا أمثال هذا، لإخراج(1) من العدد، حتى لا يطلق العدد على الله.

ولا أرى مبرراً لمثل هذا التكلف: فـ(الواحد) ليس من العدد فحسب، وإنما هو العدد الأساسي، ولكن الله ليس واحداً بعدد، لأن العدد مبني على الكثرة، فالشيء الذي يكون قابلاً للانضمام إلى مثله من العدد، وليس لله مثل.

وأما قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلعل تفسيره: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أول ما خلق الله، فهو أول ما دخل في نطاق الحساب، فهو أول العدد.

اللغة

المصباح المنير:

والعدد بمعنى المعدود. قالوا: (والعدد هو الكمية المتآلفة من الوحدات، فيختص بالمتعدد في ذاته). وعلى هذا... قالوا أحد ليس بعدد، لأنه غير متعدد، إذ التعدّد الكثرة.

وقال النحاة: (الواحد من العدد، لأنه الأصل المبنيّ منه، ويبعد أن يكون أصل الشيء ليس منه. ولأن له كمية في نفسه، فإنه إذا قيل: (كم عندك)؟ صح أن يقال في الجواب: (واحد)، كما يقال: (ثلاثة) وغيرها.

المنجد:

العدد الصحيح ( ع ح): مؤلف من وحدات مثل 1، 2، 3، وتستعمل لفظة العدد بمعنى الصحيح منه، وتأتي بمعنى الوحدة، كقولهم: (ثلاثة من العدد).

(1) ـ سورة التوحيد: الآية 1 ـ 4.

(2) ـ سورة النازعات: آية 5.

(3) ـ سورة التحريم: آية 6.

(4) ـ سورة الأنبياء: آية 29.

(5) ـ سورة الزمر: آية 3.

(6) ـ نهج البلاغة الخطبة 65.

(7) ـ سورة التوبة: آية 84.

(8) ـ حق اليقين (شبّر) ج1 ص47.

(9) ـ نهج البلاغة حكمة 470 عن المعجم الفهرسي لألفاظ نهج البلاغة.

(10) ـ سورة الإسراء: آية 110.

(11) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص859.

(12) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص859.

(13) ـ الكافي ـ ج1 ـ ص91 باب السنة.

(14) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص859.

(15) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص859.

(16) ـ الاحتجاج ـ ج1 ـ ص42 ـ ط مؤسسة الاعلمي.

(17) ـ معاني الأخبار ـ للصدوق.

(18) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص854 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(19) ـ علل الشرائع ـ للصدوق.

(20) ـ مجمع البيان ـ ج 10 ـ ص860.

(21) ـ مجمع البيان ـ ج 10 ـ ص860.

(22) ـ مجمع البيان ـ ج 10 ـ ص860.

(23) ـ مجمع البيان ـ ج 10 ـ ص860.

(24) ـ لسان العرب ـ ج13 ـ ص467.

(25) ـ نهج البلاغة ـ الخطبة(152).

(26) ـ التوحيد ـ للصدوق.

(27) ـ مجمع البيان ـ ج10 ـ ص861 ـ ط دار المعرفة ـ بيروت.

(28) ـ الكافي ـ ج1 ـ ص123 ـ باب (تأويل الصمد).

(29) ـ البرهان في تفسير القرآن ـ ج 4 ـ ص525 ـ ط مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

(30) ـ مجمع البيان ج 10 ص 861 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(31) ـ مجمع البيان ج 10 ص 861 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(32) ـ مجمع البيان ج 10 ص 861 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(33) ـ مجمع البيان ج 10 ص 861 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(34) ـ مجمع البيان ج 10 ص 861 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(35) ـ مجمع البيان ج 10 ص 862 ط دار المعرفة ـ بيروت.

(36) ـ البرهان في تفسير القرآن ـ ج4 ـ ص521 ـ ط مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

(37) ـ انظر البرهان في تفسير القرآن ج4 ص520 رقم 9 ط مؤسسة الوفاء.

(38) ـ البرهان في تفسير القرآن ج4 ص520 ـ ط مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

(39) ـ الدر المنثور ـ ج6 ـ ص412 ـ منشورات مكتبة آية الله المرعشي ـ قم.

(40) ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ـ ج10 ـ ص854 ـ ط دار المعرفة ـ بيروت.

(41) ـ انظر بحار الأنوار ج4 باب(4) جوامع التوحيد.

(42) ـ التوحيد ـ للشيخ ـ الصدوق باب(4) حديث(2).