|
(111) ۞ سورة المسد = تَبّت = اللهب ۞
مكية وهي خمسة آيات |
|
المفسدان: أبو لهب وحمالة الحطب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ * سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ)(1). التيارات المائية والهوائية التي تتحرك في البحر والجو، لا ترصد ـ لاتخاذ الموقف منها ـ بأحجامها في منطلقاتها، وإنما ترصد بمدى الزخم الذي ورائها من جهة، وبمدى الحاجة إليها في مسارها من جهة أخرى. والتيارات الاجتماعية لا تقاس قوّتها بحجم من يحركها، وإنما تقاس بفاعلية العوامل التي دفعت إليها من جهة، وبمدى استجابتها للحاجات المعطلة. وعندما تحرك تيار الإسلام، قدّره (أبو لهب) بحجم ابن أخيه اليتيم الفقير، فأخطأ. وتصور أن العامل الذي دفع فراغاً اجتماعياً من فراغاته فحسب، فأخطأ. ولم يعط لنفسه فرصة التفكير في ذاتيات التيار ومدى تجاوبه مع الحاجات المعطلة، فأخطأ خطأ ثالثاً. وهذه الأخطاء المكررة، دفعت به إلى ارتجال موقف سلبي من الإسلام، تصاعد بتصاعد الإسلام، حتى أصبح أبو لهب أصعب العقبات في طريق الإسلام في فترة ما قبل (الهجرة). ولم يكن لأبي لهب دافع إلى موقفه ذاك، سوى أنانيته التي تسوّل له حصر أطراف (الزعامة الهاشمية) فيه وفي أخوته، ووأد مفاجأة ابن أخيه، حتى لا يستعلي عليهم. فتطاول تيار الإسلام الجارف، وسحق ـ فيمن سحقه ـ أبا لهب: فخسرت جهوده، حيث لم يستطع وأد الإسلام، والاستئثار بالزعامة الهاشمية، وإبعاد ابن أخيه عنها. وخسر هو، حيث لم يحظ بشرف الإسلام، وذهب ضحية أنانيته. وجاء (الوحي) ليسجله عبرة لكل الأنانيين الذين يحاربون الحق لتأمين مصالحهم، ورددت الأجيال: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) وخسرت جهوده المضنية التي جندها ضد الإسلام، و(وَتَبَّ) هو نفسه، فذهب ضحية رخيصة على مذبح الأنانية. وكان التعبير بـ (اليدين) رمزاً إلى الجهود، وأبلغ تجسيد لها. لأن أكثر الجهود يمارس باليدين، ولأن التصوير الفني يقضي بتمثلها، كما يقال: خسرت الصفقة، وفشلت أياديه. وأبو لهب هذا، هو (عبد العزى بن عبد المطلب) عمّ النبي. وكنّاه القرآن كراهة الاعتراف باسمه، لأنه باطل. فهو ـ في الواقع ـ عبد الله، وإن أسموه عبد العزى. وإعداداً للآية التالية، فكنيته بأبي لهب، يهيئ الأذهان للبحث عنه في نار ذات لهب. كما تكنية فرد بأبي الخير يهيئ الأذهان لتلقي أخبار خيرة عنه، وتكنيه آخر بأبي الشر يؤدي إلى التوجّس من شروره. وقيل: كانت كنيته ـ بالفعل ـ أبا لهب. وأطلقوا عليه هذه الكنية، لأنه كان أبيضاً مشرباً بحمرة، حتى كأنه شعلة مضطرمة، وكأن ألسنة اللهب تتموج في وجنتيه. فأبو لهب، هذا الرجل الذي جمع الله في وسائل الخير ـ فآتاه المال الغزير، والنسب الرفيع، والمجد التليد، والأولاد الكثار ـ ما استطاع أن يستفيد منها خيراً، فانقلبت عليه شراً، وكان كأرض المستنقع لا تتفاعل مع المعصرات، وإنما تفسدها وتتحول معها إلى بؤرة للأوبئة والحشرات. فـ(ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ) الذي درّه الله عليه، (وَ) لا أغنى عنه (ما كَسَبَ) من: عريض الجاه، وأشدّاء البنين. ورغم توفر هذه المؤهلات التي كانت جديرة بتأمينه وتخليده، خسر، وخسر كل شيء. فخسر جهوده، وخسر نفسه. ولم يخسرها في الدنيا فحسب، وإنما خسرها إلى الأبد. فـ(سَيَصْلى) وسيدخل (ناراً) مشتعلة (ذاتَ لَهَبٍ) خالداً فيها. ولم يخسر طاقاته ونفسه في الدنيا والآخرة فقط، وإنما جرّ الويلات على قرينته (أم جميل)، بنت حرب، أخت (أبي سفيان)، فسيدخل النار هو (وَامْرَأَتُهُ) أعني: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) التي كانت تحمل الشوك والعضاة، فتطرحها على طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليعقره إذا خرج في حاجة، فتخرج و(فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) ـ وهو ليف النخل ـ لتحمل به الحطب. متناسية مكانتها باعتبارها بنت (حرب) وأخت (أبي سفيان) وزوجة أبي لهب. فكانت تتواضع في مكانتها الرفيعة إلى مكانة حمالة حطب عادية، وتضع في جيدها حبلاً من ليف بدلاً من القلائد الثمينة، استرسالاً مع حقدها الأسود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا الإسفاف منها كان ملفتاً للأنظار بشكل حادّ، حتى كانت صفة (حمالة الحطب) أبرز صفاتها المثيرة. وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، والسدي: (أنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس فتلقي بينهم العداوة، وتوقد نارها بالتهييج كما توقد النار الحطب، فسمي النار حطباً). وقال سعيد بن جبير، وأبو مسلم: (حمالة الحطب، معناه حمالة الخطايا، ونظيره قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ)(2). وقيل: المراد من الآيتين الأخيرتين، أنها ستتمثل في النار يوم القيامة بهيئتها التي كانت تتلبس بها لحرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي هيئة امرأة على ظهرها أكدس من الشوك وفي جيدها حبل من مسد مشدود به الشوك المتراكم على ظهرها. وعلى هذا... تكون (حمالة الحطب) منصوبة باعتبارها حالاً، أي: وامرأته تدخل النار حال كونها حمالة الحطب. ولعل الأحاديث التي تدل على أن أصنافاً من المذنبين ـ أو كلهم ـ يعذبون يوم القيامة بالهيئات التي تقمصوها ملبسين بذنوبهم في الدنيا، تدعم هذا القول. وقد يكون من الإيضاح التوقف بعض اللحظات على نقاط تبرز في ضوء هذه السورة. الأولى: إن هذه السورة أعلنت ـ يوم تبليغ قريش ـ : أن أبا لهب وزوجته من أهل النار. والإعلان عن مصير رجل وامرأة في ذلك الوقت المبكر، رغم تصاعد الإسلام، وتوقع دخول قريش كلهم في الإسلام أيماناً به، أو تحيزاً للنبي القرشي في سير الاحتكاكات القبلية، لا يكون إلا عن علم بالمستقبل. وهذا... من أنباء الغيب، التي تدل على صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن. وبالفعل: بقي أبو لهب ألدّ أعداءِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان قد تراجع بعد وفاة (أبي طالب) وانبرى للدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة أشهر عصيبة، إلا أنه ما لبت أن عاد إلى حرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وأخيراً: مات هو زوجته على الكفر. الثانية: تساؤل يتردد على ألسنة عديدة، أمام الاختبارات الغيبية بالمصير الأسود للظالمين. ويصاغ السؤال أمام هذه السورة، بالشكل التالي: بعد إعلان القرآن أن أبا لهب سيصلى ناراً ذات لهب، هل بقي مكلفاً بالإيمان؟ ولو آمن، ألم يكن تكذيباً للقرآن؟ ولو آمن، هل كان سيدخل الجنة؟ وبما أن هذا السؤال يكثر ترديده، وفي كثير من المحاورات، يجدر بنا منحه بعض الوقت. ويمكنه الإجابة عليه بأربعة أجوبة. الجواب الأول: إن قضاء الله مبني على اختيار الإنسان ـ في جانبه التشريعي ـ ، كما أن قضاء الله مبني على جبر الإنسان ـ في جانبه التكويني ـ . لأن الله هو الذي أوجد عوامل الكون بقدر وحركها بنظام، فنظمها بشكل يتفق مع إرادته العامة. وبما أنه أراد تكليف الإنسان، أطلق له الحرية بمقدار ما أراد تكليفه. فهو ـ في هذا المجال ـ يقضي وفق ما تؤدي إليه العوامل المختلفة زائداً اختيار الإنسان، ولا تناقض بينها مطلقاً لأن قضاء الله، والعوامل المختلفة، واختيار الإنسان، كلها صادرة من إرادة واحدة هي إرادة الله تعالى: فكلها متناسقة مع بعضها ـ في الجانب التشريعي من الإنسان ـ بلا تزاحم. كما أن قضاءه والعوامل المختلفة، بعيدة عن اختيار الإنسان، تتناسق ـ في الجانب التكويني منه ـ بلا تزاحم. فقضاء الله بأن أبا لهب سيدخل ناراً ذات لهب، لا يزاحم العوامل الفكرية والاجتماعية التي توجهه إلى هذه النتيجة، ولا يزاحم حريته في اختيار هذا المصير. الجواب الثاني: إن العلم ليس من المؤثرات. فالعلم بأن الإنسان المعين سيعمل خيراً أو شراً، لا يساوي إلزامه به وجبره عليه. وحتى نتبين هذه الحقيقة بوضوح أكثر، علينا أن نتأكد من الأمور التالية: 1ـ طبيعة علم الإنسان بالأشياء السابقة طبيعة انعكاسية، فنتطبع القضايا التي وقعت ـ في السابق ـ في ذاكرة الإنسان كما تنطبع المشاهد في المرآة أو في الفيلم. وهذا النوع من العلم، تأثر بالحادث وليس مؤثراً فيه. 2ـ طبيعة علم الإنسان بالأحداث المستقبلية، طبيعة استنتاجية كعلم (المعلم) بأن هذا الطالب سينجح في نهاية السنة، وذلك الطالب سيرسب في نهاية السنة، استنتاجاً من اجتهاد هذا الطالب في دروسه وإهمال ذلك الطالب لدروسه، وهذا النوع من العلم، تأثر من المقدمات التي ستسفر عن الحادث عادة، فليس مؤثراً في الحادث. 3ـ طبيعة علم الله بالأحداث الماضية والحضارة والمستقبلية، طبيعة حضورية كعلم الإنسان بمقلته، رغم أنه يرى بها ولا يراها. وكعلم الإنسان بجسمه رغم انه لا يراه في ذات اللحظة التي يفكر فيه، لأنه مستور بملابسه ـ مثلاً ـ . فمعنى علم الله ـ تعالى ـ بالأشياء، حضورها لديه. فالأشياء كلها حاضرة عند الله بالاستمرار، كيفما كانت بالنسبة إلينا: ماضية أم حاضرة أو مستقبلية. لأن الزمان ـ سواء أكان ناتجاً من حركة الكواكب كما يقول الفلاسفة، أو كان البعد الرابع للأشياء كما يقول أينشتاين ـ فإنه يقسم الأشياء بالنسبة إلينا: إلى: ماضية وحاضره ومستقبله. لأن الزمان فوقنا على رأي الفلاسفة، ومتصل بنا على رأي أينشتاين. فهو يتحكم فينا، فهو إسم لصفة من صفاتنا هي تدريجيتنا نحن في الاستيعاب، وليس اسماً لشيء مستقل خارج الإنسان. بينما الله فوق الزمان ومحيط به، فلا يوجد بالنسبة إليه: ماض وحاضر ومستقبل. وحتى ولو كان الزمان جسماً قارَّاً أو مستقلاً ـ كما يقول بعض الفلاسفة ـ لا يعدو أن يكون جارياً تحت إرادة الله. وبالتبع تكون الحياة كلها حاضرة عنده. فمثلاً: زيد جنيناً، وطفلاً، وشاباً، وشيخاً، وميتاً، ومحشوراً يوم القيامة، ومعذباً في النار أو منعماً في الجنة ـ كله، بكل مراحله، حاضر في عرض واحد. وإن كنا لا نستطيع أن نراه إلا في مرحلته المعاصرة لنا لضيق نافذتنا إليه، لا لأنه متفرق، فهو مجموع بكله في الواقع. ويمكن التنظير لذلك: بأن فلماً صور مصارعة من عشرة فصول، ثم ابتدأ عرضه على الشاشة الصغيرة، والمتفرج لا يستطيع أن يرى ـ في أي وقت ـ إلا مشهدً واحداً من مشاهده، فيما المشاهد كلها مجموعة مع بعضها. ويمكن التنظير لذلك ـ أيضاً ـ : بأن رجلاً لو أطلّ من نافذة غرفته على الشارع، لرأى في كل لحظة سيارة واحدة من ألوف السيارات التي تجوب الشارع، فيما لو ارتفع فوق سطح بنايته وأطل على الشارع لرأى كل السيارات الموجودة في الشارع بنظرة واحدة. فضيق نافذته حدد رؤيته بسيارة واحدة في كل لحظة، وسعة أفقه من فوق السطح مكنته من استيعاب كل تلك السيارات بنظرة واحدة، وفي الحالتين كانت السيارات تلك موجودة معاً في عرض واحد. ولعل أبسط مثال يجسد وهمية الزمان: أنك لو دخلت غرفة على كل جدار من جدرانها الأربعة لوحة فنية، وأردت تصفحها، فإنك تستطيع ذلك تدريجياً بينما هي موجودة معاً. مثال آخر: لو أردت مطالعة كتاب، فستقرأ كلماتها بالتتابع رغم وجود الكلمات مع بعضها. هكذا... الأشياء كلها حاضرة عند الله باستمرار. وأما المراحل، فهي ـ في الواقع ـ مراحل وهمية. وأما الزمان فهو صفة من صفاتنا ينعكس على الأشياء ـ في تصورنا ـ ، كما أن لون النظارة ينعكس على المرئيات وهمياً. من هذه المقدمات الأربع، يمكن استفادة أمرين: الأول: إذا ثبت أن علم الله بالأشياء حضورها لديه، وإذا ثبت أن الزمان غير موجود بالنسبة إلى الواقع، وأن المستقبل والماضي معاصران للحاضر، فلا يمكن تخلف علم الله بالنسبة إلى المستقبل، كما لا يمكن تخلف علم الله بالنسبة للحاضر والماضي، لأنه يساوي تخلف الشيء عن واقعه، فحضور الشيء يساوي واقعه. الثاني: إذا ثبت أن علم الله بالأشياء حضورها لديه، فإنه لا يؤثر فيها ولا يسلب منك الاختيار. كما أن علمك بمقلتك ـ أو بالدورة الدموية في جسمك ـ لا يؤثر فيها، وكما أن علم غيرك بحاضرك لا يسلب منك الاختيار. إن وجود مستقبلك إلى جانب ماضيك، لا يعني فقدانك الحرية في إنجازه. كما أن وجود ماضيك. لا يعني أنك لا تفعله باختيارك. ولعلنا نمثل لذلك ـ مع الاحتفاظ بالفوارق ـ : بأنه لو رافقك عقل إلكتروني منذ ميلادك، واستوعب كل نبضات خلايا دماغك، وكل المعلومات التي تساقطت إليك، حتى أصبحت شاعراً، وجلست تنظم قصيدة تؤبن بها أباك، وكان باستطاعة رفيقك الإلكتروني أن يقول كل القصيدة التي ستكتبها أنت، ولكنه صمت، وجلست أنت أسبوعاً حتى كتبت رائعة متفوقة، فهل هذه القصيدة عملك أو عمل رفيقك إلكتروني؟ ولعلنا نمثل لذلك أيضاً ـ مع الاحتفاظ بالفوارق ـ : بأنك لو أردت أن تقطع ميلاً من أرض رملية، ومشيت إلى منتصف الطريق، ثم ظهر شخص استطاع ـ بواسطة علم من المعلوم ـ أن يرسم على الرمل أمامك بدقة متناهية، بقية الخطوات التي ستخطوها أنت كما هي خطواتك مرسومة وراءك، فهمل يعني ذلك أنه هو الذي يمشي ولست أنت الذي تمشي؟ الجواب الثالث: مهما كانت كيفية انسجام قضاء الله مع العوامل الدافعة إلى عمل الإنسان، وكيفما كانت طبيعة علم الله بالأعمال المستقبلية، وسواء استطعنا أن نفهم مدى تأثير علم الله وإخباره على عمل الإنسان، فمما نشعر به ـ بوضوح ـ أننا لا نفقد اختيارنا في الأعمال، وأننا نتمتع بكامل حريتنا في الفعل والترك. وما دمنا نمارس الحرية المطلقة، فلا يعطل هذه الحرية عجزنا عن استيعاب المقدمات الطبيعية التي انتهت إلى هذه الحرية. الجواب الرابع: إن الله العليم بكل المجريات المعقدة، أخبرنا بأنه أطلق للبشر حرية اتخاذ القرار، في العديد من آيات القرآن، فقال: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(3)، (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(4)، (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(5)، (أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ)(6)، (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَل الناس أُمَّةً واحدةً ولا يزالون مختلفين)(7)... وما دام الله ـ تعالى ـ أخبرنا بترك الحرية لنا فيما نعمل، فالمجريات كلها تنتهي إلى حريتنا، وإن لم نستطع تفسير تلك المجريات. فلو أن أبا لهب سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: (يا محمّد! لو آمنت بعد نزول سورة (تبّت) هل أدخل الجنة؟) لقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له: (نعم، ولكنك بمحض إرادتك لن تؤمن). تماماً... كما لو أنه بعد موته سأل الله قائلاً: (يا رب! لو كنت آمنت بك في حياتي هل كنت ستدخلني الجنة؟) لكان جوابه: (نعم، ولكنك بمحض إرادتك لم تؤمن). الثالثة: إن القرآن ـ باعتباره دستوراً عالمياً مستمراً إلى يوم القيامة ـ عليه أن يبقى محلقاً فوق مستوى البشرية جمعاء، لإصدار الأحكام الدستورية العامة، وأن لا يلتفت إلى الأفراد ـ ولا إلى الجماعات ـ بأسمائهم وتفاصيلهم إلا من خلال تقييم الأعمال، مهما كانت مواقفهم سلبية أو إيجابية، فكيف انعطف القرآن الكريم إلى أبي لهب وزوجته، وخصص لهما سورة كاملة؟! ثم: ماذا كانت مواقفهما حتى أبرز القرآن بهذا الشكل الذي لم يبرز به أياً من خصومه، ولم تشفع لهما قرابتهما الحميمة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعلو وتنمو، فيبقى حسبه ونسبه حيث ينقطع كل حسب ونسب؟! والجواب: أولاً: صحيح أن القرآن دستور، ولكنه ليس دستور نظام يكتفى منه بأن يكون مصدر قانون يحكم الناس بالقوة ومن فوق، وإنما هو دستور دين عالمي مستمر. فعليه أن يتميز عن جميع الدساتير بأن يكون مصدر نظام يتفاعل مع العواطف والعقول والأفكار، في ذات الوقت الذي يكون فيه مصدر قانون. ولا يستقي عالميته واستمراريته بالترفع عن الأفراد والجماعات، وإنما بانسجامه مع جميع الأذواق والمستويات، حتى يستطيع التفاعل معها والتأثير فيها. ومن وسائل التأثير، استخدام الأحداث والأفراد الجماعات ـ القيمة في خطي: الخير والشر ـ مثلاً وعبراً. فلا يتردد القرآن في عرض الأحداث والأفراد والجماعات، والإكثار منها، وهو يعلن إصراره على هذا الموقف. (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ)(8). ثانيها: عندما أعلن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام، كان من الطبيعي والمتوقع أن يستجيب له (قريش) أو (بنو هاشم) ـ على الأقل ـ ، لأسباب عديدة ليس من أقلها: 1ـ عادة القبائل على التحيز لكل فرد منها، ومهما تدانى نسبه وتدنّت مؤهلاته، فكيف بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تفتق عنه أرفع الأنساب، وتجاوبت فيه عليا المؤهلات؟ 2ـ التفاف كل أسرة وقبيلة وأمة حول نوابغها، وافتخارها بهم: إبتداءً من الأدباء والفرسان، ومروراً بالأبطال والكرماء، وانتهاءً بالقادة والزعماء. فهل يمكن أن تتفرق أسرة عن نبي يرفع راية عالمية، مهما تشاءم المتشائمون بها فإنها ستكون ـ على أقل تقدير ـ أعلى راية في منطقة البيارق القبلية القصار؟! 3ـ مواهب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الشخصية: التي لقبته ـ على الألسنة الحداد ـ بـ(الصادق الأمين)، وجعلت من اليتيم الفقير (حكماً) تصالحت عليه القبائل المختلفة حول أقداس أمجادهاً وهو الولاية على تنصيب (الحجر الأسود) في الكعبة(9). 4ـ معرفة قريش ـ وخاصة بني هاشم ـ به (نبياً عظيماً) على ألسنة (أحبار اليهود) و(رهبان النصارى)، الذين كانوا يبشرون به قبل ميلاده وحينه وبعده، ويعرفونه بالإسم والشخص والمواصفات والأحبار والرهبان كانوا معروفين ـ لدى العرب ـ بصحة أخبارهم، واستنادها إلى كتب سماوية. فلم يكن حوله ضباب يعذر المتنكبين عنه، الأمر الذي دفع (أبا طالب) إلى أن يقول: ألم تعلموا: أنا وجدنا (محمّداً) *** نبياً ـ كموسى ـ خط في أقدم الكتب؟!(10). 5ـ الشهرة ـ التي سبقته إلى كل الأوساط الدينية، وإلى كل المراقبين للقضايا الرسالية ـ بأنه سينتصر على أعدائه، وسيحكم سلطانه من مشرق الدنيا إلى مغربها. والناس يتسابقون إلى من يتوقعون نجاحه، فكيف بمن تتواتر النبوات بانتصاره العالمي؟! فلم يكن في الجوّ أي مبرر لتقاعس قريش ـ وخاصة بني هاشم ـ عن الاستجابة لنداءه، وإنما كانت العوامل والمبررات تدفع إلى التجاوب معه. ولكن من طبيعة الناس أن يترددوا في اتخاذ موقف إيجابي إذا فوجئوا بأمر عظيم، فهم ـ في مواجهة الأحداث ـ يبدأون بجرد التوجسات السلبية قبل متابعة المغريات الإيجابية، فإذا طرح أمامهم موضوع مصيري خطير، لا يبادرون إليه، وإنما يترددون ويتلفتون حولهم بحثاً عن فرصة تسعفهم، وتضع أمامهم معالم المستقبل المرتقب، عسى أن يستطيعوا ـ على ضوئها ـ تولي الاجتهاد في تقييم ذلك الموضوع، واتخاذ قرار بصدده. وفي هذه اللحظات المرتبكة، تكون الكلمات القوية بمثابة الصدمات الكهربائية ـ وخاصة إذا انطلقت من مصادر قوية، وبوجه أخص إذا كانت سلبية ـ ، أنه تقطع سلسلة الأفكار، وتوقف تأرجح المعادلات، فتتولى اتخاذ قرار للآخرين، كما فعل (نمرود) عندما قال (إبراهيم) (عليه السلام): (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ، فَقالُوا: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) ثُمَّ: نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) في محاسبة لأنفسهم وعقائدهم، قائلين: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ). وأخذ (نمرود) زمام المبادرة ليتخذ القرار للآخرين: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ)(11)، وأندفع الناس لحرق (إبراهيم الخليل) ثأراً للأصنام المتكسرة، بعدما أصبحوا على وشك رفض الأصنام، نتيجة لجملة قوية سلبية، صدرت من مصدر قوي. وهكذا... كان موقف أبي لهب، حينما أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام: (مجتمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، عن سعيد بن جبيرة عن ابن عباس، قال: (صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم (الصفا)، فقال (يا صباحاه)! فأقبلت إليه قريش، فقالوا له: (مالك)؟ فقال: (أ رأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسكيهم، أما كنتم تصدقوني)؟ قالوا: (بلى)! قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). فقال أبو لهب: (تباً لك، لهذا... دعوتنا جميعاً)؟!). هذه الكلمة القوية من مصدر قوي كأبي لهب ـ وارث المجد التليد من عدنان، وابن عبد المطلب: سيد قريش المطاع، وعم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): صاحب المفاجأة ـ ، هذه الكلمات قطعت على قريش سلسلة التردد والتأمل، واستغلت الذهول الذي يعقب المفاجأة، من أجل اتخاذ القرار لهم قبل أن يهضموا المفاجأة ويؤهلوا لاتخاذ قرار. وعاد أبو لهب أدراجه، وعادت معه قريش أدراجها، متفرقة عن خير ما دعيت إليه. والناس ـ عادة ـ يعتمدون على الانفعال في ارتجال الكلمة والحركة، ثم تسجل عليهم، فيضطرون إلى الالتزام بها والدفاع عنها، فتتحول إلى موقف ثابت لا يجدون عنها حولاً. ولو أن رجلاً من وزن أبي لهب أندفع نحو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبايعاً في تلك اللحظة، لاندفعت قريش ـ ومن وراءها أهل مكة ـ أيدٍ تصفق بالبيعة على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ولو سكت أبو لهب ـ يوم ذاك ـ لتحرك الضمير في غيره، ولو سكتوا لوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقه إلى العقول والقلوب بلا معاناة. و لكن كلمة أبي لهب صدت الآخرين من التجاوب مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأصابت الرسالة بوهن جعل كل فرد يفكر ـ أكثر من مرة ـ قبل أن يقرر الاستجابة لها، واتخذت لقريش موقفاً يهدد غيرها إن وجد رغبة في تلبية نداءِ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فكانت كلمة أبي لهب إحدى الكلمات التي غيرت مسار الأمة، من نوع كلمة: (منا أمير، ومنكم أمير) التي قالها سعد بن عبادة، وكلمة (لا حكم إلا الله) التي رفعها الخوارج... ولم تكن هذه الضربة التي وجهها أبو لهب إلى الرسالة، وهي لا زالت إشاعة تلون شفاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، هي البادرة الوحيدة التي صدرت منه، فقد بقي ـ منذ ذلك اليوم ـ رأس الحقد، وقائد حملة العنف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بشكل لم يسبق له مثيل: (مجمع البيان) للفضل بن الحسن الطبرسي، قال طارق المحاربي: (بينا أنا بسوق ذي المجاز، إذا أنا بشابٍ يقول: (أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا)، وإذا برجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: (يا أيها الناس! إنه كذاب، فلا تصدقوه). فقلت: (من هذا)؟ فقالوا: (هو... محمّد، يزعم أنه نبي، وهذا... عمه أبو لهب، يزعم أنه كذّاب).). واستمر في حملته الشرسة على الرسالة منذ انطلاقتها المبكرة وحتى (ليلة الهجرة) كان أحد المتآمرين على حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فكان دور أبي لهب (في مرحلة ما قبل الهجرة)، كدور أبي سفيان في (مرحلة ما بعد الهجرة)، بفارق: أن أبا سفيان تبرقع بالإسلام في (غزوة فتح مكة) وأما أبو لهب فقد بقي مكشراً أنيابه، ومتجاهراً بنواياه الكالحة حتى الموت. ولم تنفعه قرابته القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنه استغلها لتشديد وطأته وإحكام ضرباته. ومعروف مدى تأثير العم على ابن أخيه في المجتمع القبلي، المبني على سلّم العائلة. وأما زوجته أم جميل: فكانت مكانتها مرموقة في بني أمية باعتبارها بنت حرب، ومكانتها حصينة في بني هاشم باعتبارها زوجة أبي لهب، فكانت تستغل علاقاتها السببية والنسبية للتجسس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، وإذاعة أخبارهم في المشركين. ولم تكن تتوجس القبض عليها متلبسة، لأن حصانة المرأة ـ وبخاصة المرأة الشريفة ـ كانت تمنعها من أية غائلة. وهذان الطرفان ـ أبو لهب وأم جميل ـ عقدا مسرى الإسلام في (مرحلة ما قبل الهجرة) بشكل رهيب: فهذه... تتجسس وتجمع الأخبار، وذاك... يقود حملة التشهير والعنف. وكانت الويلات التي جعلت صمود المسلمين ـ في تلك الفترة ـ أروع نماذج الصمود في التاريخ: فكان (التعذيب الوحشي) الذي يذكره التاريخ يتقزز، وكانت (المقاطعة) الصارمة التي الجأت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين جميعاً إلى (شعب أبي طالب)، وكانت (هجرة جماعة من المسلمين) بقيادة (جعفر بن أبي طالب) (عليه السلام) إلى (الحبشة)، وكانت (هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)) ـ ذاته ـ إلى (الطائف)، ثم كانت (الهجرة الكبرى) إلى (المدينة المنورة)، تلك الهجرة التي أصبحت مدار التاريخ إلى الأبد. وفي خاتمة المطاف، ينبغي تسجيل بعض الروايات المناسبة: (مجمع البيان) للفضل الحسن الطبرسي، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: (لما نزلت هذه السورة، أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر(12)، وهي تقول: (مذمماً(13) أبينا. ودينه قلينا. وأمره عصينا) ـ والنبي جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال: (يا رسول الله! قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك)، قال رسول الله: (إنها لن تراني) ـ وقرأ قرآناً فاعتصم به، كما قال: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً)(14) ـ . فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله، فقالت: (يا أبا بكر! أخبرت أن صاحبك هجاني)، فقال: (لا، ورب البيت ما هجاك). فولت وهي تقول: (قريش تعلم أني بنت سيّدها).). وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (صرف الله عني أنهم يذمّون مذمماً، وأنا محمّد)(15). (تفسير القمي) لعلي بن إبراهيم القمي، في قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)، (كانت أم جميل بنت صخر تنمّ على رسول الله، وتنقل أحاديثه إلى الكفار). وقيل: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: (لأنفقنّها في عداوة محمّد). وعلى هذا... فمن العقاب بالمثل، مجازاتها بقلادة خشناء ـ يمكن تشبيهها بقلادة من ليف النخل ـ توضع في عنقها، بدلاً من القلادة الثمينة التي أنفقتها في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). |
|
(1) ـ سورة تبت: آية 1 ـ 5. (2) ـ سورة الأنعام: آية 31. (3) ـ سورة الدهر: آية 3. (4) ـ سورة الأعراف: آية 176. (5) ـ سورة الإسراء: آية 15. (6) ـ سورة هود: آية 28. (7) ـ سورة هود: آية 118. (8) ـ سورة البقرة: آية 26.س (9) ـ السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص197 وبحار الأنوار ج15 ص412. (10) ـ إيمان أبي طالب لشمس الدين فخار بن معد الموسوي سص221 السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص352. (11) ـ سورة الأنبياء: آية 63 ـ 65 و 68. (12) ـ فهر: الحجر مقدار ملء الكفّ. م. (13) ـ كان كفار قريش ـ بعد بزوغ فجر الإسلام ـ يطلقون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): مذمماً)، كراهة تسميته (محمّداً) . م. (14) ـ سورة الإسراء: آية 45. (15) ـ مجمع البيان ج1 ص853. |